Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
منزلة المِثليين في خطاب الإسلاميين
القرضاوي نموذجا

منزلة المِثليين في خطاب الإسلاميين
القرضاوي نموذجا

آمال قرامي
كاتبة وجامعية تونسية

المصدر : شفاف الشرق الأوسط
www.metransparent.com

قام خطاب الإسلاميين على دعوة المسلم المعاصر إلى الارتماء في أحضان زمن الدعوة المحمدية والاقتداء بالسلف الصالح في المأكل والمشرب والملبس والهيئة وغيرها من المظاهر المتصلة بالحياة اليومية. وليس أمام المسلم السلوكي إلاّ خيار واحد وهو إعلان القطيعة مع الزمن الآني ومع مجتمع "الجاهلية الجهلاء" والاستعاضة عن ذلك بزمن البدايات. فمسلمو العصور الأولى يمثلون الأنموذج، وما على اللاحق الراغب في الخلاص إلاّ محاكاة السابق. ويعمد منتجو هذا الخطاب إلى أسطرة شخصيات كثيرة وإيهام الجمهور بأنّ استعادة الماضي والسير على ما يعتقد أنّه نهج السلف تشكلان سبيل النجاة والملاذ الذي يلجأ إليه من عجزوا عن الاندماج في المجتمعات الحديثة.

ويتوهم أنصار هذا الخطاب أنّهم يمتلكون "الحقيقة". فهم ملمون بتفاصيل مَعيشِ السلف ويعرفون قسمات الوجوه ومختلف أشكال التعبير عن المشاعر والأحاسيس، بل هم بالنوايا وخفايا الأمور عليمون. ويأبى هؤلاء الاعتراف بأنّهم لا يملكون إلاّ تمثلا (une représentation) عن حياة السلف، وأنّهم يقومون بإعادة بناء الماضي وفق ما ترسخ في متخيلهم من تصورات وتمثلات وانطلاقا من احتياجاتهم الآنية. ويكفي أن يتمعن المرء في خطاب الدعاة الدينيين ليتبين مدى التصرف في التاريخ وفي الذاكرة الجمعية. إذ يتغاضي هؤلاء عن التاريخ الأسود في مقابل الإشادة بالعصور الذهبية. فلا نكاد نعلم شيئا عن الفترات التاريخية التي شهدت أحداثا حاسمة في تاريخ الأمة، كتناحر أصحاب المذاهب واستشراء ظاهرة العنف وانتشار مظاهر اللهو والمجون والعبث بالمقدسات وغيرها من الأخبار التي تعجّ بها كتب التراث. وهنا حقّ القول إنّ خطاب الداعية ينوس بين الزمن التاريخي والزمن التخييلي وهو خطاب شكّلته ذاكرة محاصرة بحدود حكمتها ثنائيات منها الحضور والغياب، الاسترجاع والنسيان، التضخيم والإلغاء، الفردي والجماعي، الموجود والمأمول....

نجوم الفضائيات المتربعون على عرش البرامج الدينية يمارسون الغربلة، ينتقون ما يتلاءم مع مقاصدهم المحددة فيبرزونه ويتفننون في عرضه في أبهى صورة ويتعامون عن حقائق يجهلها المواطن العادي والبسيط ولكنّها لا تخفى عن المطلع عن كتب التراث. ولعلّه يجوز القول إنّ ذاكرة هؤلاء ذاكرة "مؤرشفة" " (Mémoire archivée)على حد عبارة Paul Ricoeur. فلا غرابة حينئذ أن تغيب أسئلة في برامج الإفتاء ذات وشائج بالجنسانية. فلا نكاد نعثر إلاّ على بعض المسائل التي تتعلق بهجر الفراش أو غياب الزوج الطويل عن زوجته أو مطالبة الزوج بحقه في التمتع بأخريات والتنقل من مكان إلى مكان بحثا عن التلذذ بمختلف الأجساد. ولا غرو في ذلك مادامت مؤسسة الفقه تشرع 'زواج المسيار' وتبدو عينها كليلة عن زواج الدم وزواج الوشم وزواج الفرند(Friend)..

ولئن شذت "الجزيرة" عن السائد بتخصيص حلقة من برنامج" الشريعة والحياة" بتاريخ 5/6/2006 للتطرق إلى موضوع المثليين، مستنجدة بمعارف العلامة القرضاوي، فإنّها سقطت في العرض السطحي للمسألة، وهو أمر متوقّع باعتبار أنّ الجنسانية تعتبر من المواضيع المسكوت عنها في البرامج الدينية نتيجة انضوائها تحت قائمة "الممنوعات والمحظورات". وبالرغم من أنّ المجتمع العربي من أكثر المجتمعات هَوَساً بالجِنسانية، إلاّ أنّ هناك خطوطا حمراء يُحرّم الاقتراب منها.

نلمس في كتب الأدب والطبّ والباه والفقه وغيرها أنّ القدامى كانوا أكثر جرأة وأكثر قدرة على التعامل مع القضايا الجوهرية من العلماء المعاصرين. فالعلماء لم يجدوا حرجا في الحديث عن اللواط والسحاق ونكاح الحيوانات وغيرها من الممارسات الجنسية التي كانت سائدة في مجتمعاتهم. إذ شهدت الثقافة العربية الإسلامية ممارسات كانت سائدة في ثقافات مجاورة كالثقافة اليونانية والثقافة الرومانية والثقافة الفارسية وغيرها. ولم يكن الفقهاء يتهمون "الآخر" بالتآمر على الإسلام والمسلمين، وإنّما اعتبروا تلك الممارسات علامة دالة على الحراك الاجتماعي وإفرازا لواقع محكوم بسياقات متعددة.

ولئن تفاعل القدماء مع مستجدات واقعهم كلّ حسب انتمائه الفكري والمذهبي، فإنّ الدعاة المعاصرين تحاشوا الخوض في مواضيع تفضح ما يجري في الواقع المعيش وتكشف النقاب عن الهوة الفاصلة بين الموجود والمنشود. لقد بدا القرضاوي في هذه الحلقة المخصصة للمثليين في ضيق نفسي مكتفيا على غير عادته، بتقديم إجابات مختصرة وانطباعية قائمة على تكرار ألفاظ من قبيل "الشذوذ- جريمة ضد الأخلاق والدين والإنسانية - إشاعة الفاحشة.... وهو أمر مخبر عن الحرج الذي يلم "بالعالم" حين تطرح عليه مواضيع يصعب التطرّق إليها أمام الملأ. فلا مجال لتفصيل القول في دوافع الميل الجنسي للمثيل وأسباب انتشار هذه الممارسات الجنسانية والعوامل التي جعلت المثليين يطالبون اليوم بحقهم في أن يكونوا مختلفين ومتمتعين بالكرامة ويسعون إلى تحسين منزلتهم القانونية ووضعهم الاجتماعي. ولم يكن المقام ملائما حتى يستعرض القرضاوي معارفه ويستنجد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية كما عهدناه في السابق. فكان كلامه مرتكزا على العموميات ومتضمنا لإدانة "الشواذ" ولمن سولت له نفسه الخروج من السرية إلى العلانية والجهر بالفاحشة بما في ذلك الكتّاب والمخرجين السينمائيين الذين تطرقوا في السنوات الأخيرة إلى مثل هذا الموضوع وأقدموا على كسر جدار الصمت، ولعل فيلم عمارة يعقوبيان أبرز مثال على ذلك. ويكمن الخطر حسب القرضاوي في نبذ الحياء والتبجح بمفارقة الفطرة والقطع مع ما يميز المسلمين عن غيرهم، أي رجولة الرجال، والاقتداء بالغرب في السلوك والقيم.

وليس غريبا أن ينقلب الداعية إلى مشهّر بالفئات الضالة التي رفضت إعلان التوبة. فهؤلاء الذين يصرون على ممارسة اللواط لا يستحقون إلاّ المقاطعة. أمّا المرضى الذين تابوا فإنّهم يستحقون العطف والمساعدة الطبية والدينية والاجتماعية. ويختم الشيخ كلامه بدعوة ملحّة إلى أن يضطلع أفراد المجتمع بمسؤولياتهم إذ ثمّة تقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومعنى ذلك أنّنا إزاء عودة مؤسسة "الحسبة" من جديد وإلى مراقبة وعقاب وتهميش وعنف مسلط على الفئات التي لفظها المجتمع لأنّها قصرت عن التعبير عن أنموذج "المسلم الكامل" والفحل العربي.

من الجليّ أنّ القرضاوي وغيره من الدعاة الدينيين يعوزهم الفهم العلمي والإلمام الدقيق بمختلف المناهج المعاصرة والمقاربات التي حللت الجنسانية، ومن ثمّة فإنّهم عاجزون عن تفسير سلوك المثليين وتقديم قراءات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ونفسية لمشاكل الشباب الأساسية والتحديات التي يواجهونها. وتبدو الحلول التي يقدّمها الدعاة الدينيون للمشاكل غير واقعية لا تعكس حقيقة متطلبات العصر باعتبار أنّ المرجعيات التي يصدر عنها هؤلاء غير متلائمة مع الثقافة السائدة في هذا القرن. فالتمسّك بمنطق فتاوى الماضي منطق عقيم. ذلك أنّ المفعول الزمني لهذه الفتاوى محدود، كما أنّها ليست خالدة وعابرة للتاريخ حتى وإن أضفيت عليها القداسة. فهل يمكن اليوم تحريق اللوطيين مثلما فعل الصحابة؟ وهل يجوز القول إنّ على المسلمين أن يتمسكوا بمبدأ الإقصاء والنبذ والتهميش والإدانة وأن يمارسوا كلّ أشكال العنف تجاه المثليين؟

إنّ تناول موضوع المثليين بهذه الطريقة التقليدية والساذجة التي تتعامى عن الواقع فيه استخفاف بالمشاهد الذي صار اليوم عوالا على أجهزة الإعلام المعاصرة مدمنا على مشاهدة مختلف البرامج عله يظفر بالمعلومات الدقيقة والتحليلات الجدية والمعمقة. بيد أنّ الخطاب المقدم لا هم له سوى تأسيس ثقافة الترهيب والتحريم والتجريم والعنف....

هناك قضايا ملحة كثيرة في العالم العربي يستنكف الكثير من الكتّاب والباحثين والمفكرين من التعرّض لها اتقاء شر المستبدين السياسيين أو الممارسين للإرهاب الفكري. وهناك قضايا أخرى يرفض المفكّرون الخوض فيها بحجة الحرج الذي تتسبب فيه، ومعنى ذلك أنّ العائق ليس ابستمولوجيا ولا يتصل بالسياق السياسي والمناخ الفكري السائد بقدر ما هو عائق نفسي. فالمفكّر يمارس الرقابة على ذاته فيمتنع باختياره عن الخوض في مواضيع محددة.

أمّا الذين بادروا بالتطرّق إلى القضايا الملحة والمسكوت عنها كالجنسانية المهيمنة والمثلية وغيرها فإنّهم ينقسمون إلى فئات. فمنهم من اكتفى بجمع النصوص القديمة والتنويه بطريقة تناول القدامى للجنسانية فأعادوا نشر كتب الباه، ومنهم من حلل الظاهرة تحليلا أدبيا ينأى عن التصريح ويتخفى وراء التلميح متذرعا بأنّ للكتابة الإبداعية قوانينها الخاصة، ومنهم فئة اختارت اللغة الأعجمية ستارا يحجب العوائق النفسية التي تحول دون طرح الموضوع بلغة الضاد. فالقارئ باللغات الأجنبية يختلف عن القراء الذين لا يعرفون إلاّ لغة الإعجاز القرآني. والجدير بالذكر أنّ المرأة اقتحمت ميدان الكتابة حول الجنسانية فلم تعد تشكل موضوع القول ولم تعد جسدا مستمتعا به لا يملك حق التعبير عن اللذة، بل إنّها صارت تخبر عمّا عاينته وعاشته من تجارب متعددة. وانطلاقا من ذلك لم يعد من الجائز القول ما للنساء والكتابة حول الجنسانية؟

ورغم تواتر الكتابة حول موضوع الجنسانية إلاّ أنّ المتابع لأغلب ما ينشر يلحظ أنّ ثمّة مسافة فاصلة بين ما خلفه القدامى من إنتاج بخصوص المثليين وما صدر عن الكتاب المعاصرين من مؤلفات محتشمة أشارت إلى معاناة المثليين في المجتمعات المعاصرة دون التعمق في تحليل الأسباب والنتائج. ولذلك ارتأينا أن نعرض بإيجاز تدبر السلف لهذا الموضوع متسائلين في الوقت نفسه لم قصر الخلف عن السير على منوال السلف. فلم يتحلوا بالشجاعة الفكرية التي تجعل الواحد يواجه الواقع ولا يتخفى وراء قيم 'الحياء والستر والعار....

حوت كتب التراث أخبار الخنثى المشكل واللوطيين والمخنثين والمساحقات كما أنّها تضمنت إشارات بشأن سلوكهم ووضعهم القانوني والاجتماعي وما أحدثوه من خلخلة في بنية النظام الاجتماعي. والحكايات المروية عن حبّ الأحداث والولع بالمردان معروفة والبراهين الدالة على شيوع هذه الظاهرة لدى الخاصة والعامة، وحتى في صفوف الفقهاء والقضاة وفي أوساط المتزمّتين أنفسهم كفقهاء المالكية وقضاتهم متوفرة، بل إنّ عاشق الغلام المتعفّف عدّ، في نظر بعضهم، شهيد الهوى.

أرجع عدد من العلماء أسباب المثلية الجنسية إلى الطبع في حين اعتبر البعض الآخر أنّ سببها تفحّل في الشهوة أو تمكّن الشيطان من المرء، أو الأبنة التي تجعل صاحبها مجبرا على تسليم نفسه ليفعل به. بينما تأثّر آخرون بفلاسفة اليونان فرأوا أنّ الرجولة العالية تدفع بعضهم إلى مصادقة أندادهم وأشباههم. وأرجع "إخوان الصفا" سبب الميل إلى المثيل إلى صلة المرء بالكواكب. فالرغبة في النكاح "تختلف بحسب اختلاف المواليد، وما في الطباع من محبّة الجواري الحسان، وقوم يحبون المتوسط من ذلك ودونه، وقوم يغلب عليهم محبّة الغلمان والأحداث، وضروب من هذا الفنّ توجبها لهم مواليدهم وما يتولاهم من الكواكب في أوقات مساقط نطفهم، وأوقات مواليدهم".

ونظرا إلى غياب النصوص "القطعية الدلالة" التي تبين عن "حكم الشرع" في ممارس اللواط فقد اختلفت مواقف الفقهاء، وخاصّة في القرن الرابع، من اللواط بالغلمان اختلافا بيّنا. فرأى البعض أنّ عقوبة اللواط هي نفس عقوبة الزنا، بينما ذهب المتشدّدون إلى ضرورة قتل اللوطي وفرّق آخرون بين اللواط بالمملوك وبغيره، ومال آخرون إلى عقوبة التعزير. وعلى الرغم من هذه الاختلافات في تحديد عقوبة الجنسية المثلية، فإنّ الفقهاء أبدوا نفس المخاوف تجاه الظاهرة، فعمدوا إلى التحذير من خطر اللواط على المجتمع معتمدين في ذلك على قصّة لوط في القرآن، كما أنّهم ارتكزوا على سياسة الخلفاء مع من مارسوا هذه العادة لتبرير ضرورة "تطهير" المجتمع من 'الشواذ'. روي في هذا الصدد أنّ خالدَ بن الوليد (ت21هـ ) "وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر" فأمر بتحريقه عملا بمشورة عليّ بن أبي طالب. وهو حكم نجد له مثيلا في اليهودية. جاء في سفر اللاويين "وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا إنّهما يقتلان(1/20).

يقودنا النظر في هذه الآراء إلى الإقرار بأنّ الإنسان لا يولد لوطيّا أو مخنثا أو مساحقة وإنّما يتعلّم كيف يكون على هذا النحو أو ذاك. فثمة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وضغوط وإكراهات تدفع بالمرء إلى أن ينضوي تحت جماعة المثليين عن إرادة واختيار وفي حالات أخرى، ينساق إلى ذلك المسار انسياقا. وما قبول المجتمع، في الغالب، لهذه الأصناف الجندرية إلاّ حجّة على الحراك الاجتماعي وعلى الفجوات التي تفتحها الجماعة لبعض الفئات التي تعوزها الفحولة حتّى تضطلع بالدور الثانوي فتنوب عن المرأة عندما تقتضي الظروف ذلك.

ولعلّ ما يبرّر الجنسية المثلية وجود هذه الفئات المستضعفة: الصبيان والغلمان والأحداث، الذين لم يتخلّصوا بعد من الخصائص الأنثوية نحو نعومة الجلد ورقّة الطبع والانقيادية، فيتمّ استغلالهم وتحويلهم إلى أداة استمتاع. ويبقى الغلام في نظر ناكحه وعاء مثله مثل المرأة لا ينتظر منه سوى التسليم والتمكين ولا يتوقّع منه أن يشعر باللّذة.

وعلاوة على هيمنة الكبار على الصغار واستغلالهم جنسانيا، أدّت طريقة الفصل المبكّر بين الذكور والإناث إلى نتائج نفسية على مستوى بناء شخصية الفرد. فحالة الخوف التي يشعر بها الفتى تجاه النساء نتيجة التمثلات التي يغرسها الرجال في نفسه، تجعله لا يستأنس إلاّ لمن هو مثله ممّا يخلق نوعا من التآزر الذكوري. فيكون الكهل الحصن الحصين الذي يحمي المترهّق من كيد النسوان. وبذلك تتسبّب نوعيّة التربية التي يتلقاها الصبي في تشكيل هويته الجنسية ودفعه إلى المثلية. وهكذا تسبّب الفصل بين الجنسين في ظهور مثل هذه الممارسات التي تمّ احتواؤها لأنّها لا تعبّر عن بحث عن تنويع مصادر اللذّة فقط كما هو الحال بالنسبة إلى الخاصّة وإنما تسدّ حاجة في الأوساط التي عرفت بؤسا اجتماعيا واقتصاديا وكبتا جنسيا واضحين.

يحيلنا التدبّر في ظاهرة الجنسية المثلية إلى نظرة الرجل إلى ذاته ونظرته إلى المرأة، كما أنّه يوضّح أنّ الموقف من اللوطيّ يختلف باختلاف الدور الذي يقوم به الرجل هل هو الفاعل أم المفعول به؟ وهو أمر يخضع في العادة لعامل السنّ والمنزلة الاجتماعية والكفاءة الجنسية. فالمُضرِب عن جماع النسوان يميّز في الذكورة عنصرا ساميا ولا يحبّ السكن إلاّ إلى المثيل لأنّه يرى أنّ الذكر قادر على تحقيق ما تعجز المرأة عن فعله، وعلى توفير المتعة والأمان. قيل لأحدهم: "لِمّ قدّمت الغلام على الجارية؟ فقال: لأنّه في الطريق رفيق وفي الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل".

ثمّة إذن تبخيس للجسد الأنثويّ ذي الجمال المصطنع، والذي تطرأ عليه تغييرات فيزيولوجية شتّى تحول دون الاستمتاع به على الدوام نحو الطمث والحمل والولادة. وقد عكس ابن حزم هذا الرأي فقال: "إنّ حسن الرجال أصدق صدقا وأثبت أصلا وأعتق جودة". وفسّر ابن قيم الجوزية علّة كلف الرجال بالمردان بقوله: "وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء المردان على نكاح النسوان. وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضي وفرض النفقة والحبس على الحقوق فلِم يتجشّم الرجل هذه المصاعب والحال أنّ الغلام "لا يحيض ولا يبيض،" ويمكن أن" يصلح للضدين، يفعل ويفعل به".

ينأى اللوطي عن الخضوع للجنسانية المهيمنة ولا يعترف بضرورة ممارسة الجماع مع الأنثى فيفصل بذلك الجنسانية عن الإنجاب ويتخلى عن دوره الإنتاجي في مؤسسة الزواج معرضا عن الحرث ومهدرا البذر. وما من شكّ أنّ في تفضيل الدُبر على القُبل إقصاء للجماعي ونزوع نحو الفردية، كما أنّ في إصرار اللوطي على أنّ الاستمتاع لا يتحقق إلاّ مع الذكر إعلانا عن الاستغناء عن وجود النساء وتحقيقا للاكتفاء الجنسي. وبدلا من التسلّط على النساء، يقوم اللوطي بالتسلّط على المثيل فيتخذه موضوع متعته ويعتليه ويزحزحه عن منزلته الأصلية ليلحقه بالأنثى. وبذلك يطعن اللوطي الأيديولوجية الجنسانية في العمق ويهدّد بنية العلاقات التبادلية. ففي عزوفه عن ممارسة الهيمنة على الجسد الأنثوي وفي تسلّطه على المثيل إهانة لقانون الطبيعة، باعتبار أنّه يستعمل قضيبه في مكان مخالف. وما كان الذكر ليمتهن فيفترش!

لقد استهجن الفقهاء اللواط لأنّه وطء في محلّ لا تشتهيه الطباع. فالله ركبها وفطرها على النفرة من مواضع الدنس والإقبال على البضع المؤدي إلى التناسل. ومن ثمّة اعتبر اللوطي قذرا لأنّه يبحث عن شهوته ويعرض عن القيام بدوره الطبيعي: الولوج ليتحوّل نتيجة ذلك إلى فرج يشتهى والحال أنّ "الذكر ليس بمحل لوطء...لأنّ المرأة محلّ للوطء". ونلمس هذه الرمزية المتخفية وراء هذه الممارسات في النتائج الناجمة عن اغتصاب الرجل الرجل. فحين يمارس الواحد على الآخر عنفا يصادر منه ذكورته ويهين شرفه وينتقم منه بتحويله إلى أنثى. فلا عجب أن يعيّر الموطوء بأنّه صار مجهزا بفرج يُفعل به.

ثمّ إنّ المجتمع يعتبر عاشق المثيل مزعجا ويعدّ تصرفاته شنيعة لأنّه يخلع عذاره ويبوح بمعاناته وينقاد وراء النفس الأمارة فيصير دنيوي الطبع لا يقمع شهوته. وهذا السلوك يُبين عن ضعفه، والضعف والانكسار من سمات النساء.

أمّا موقف المجتمع من اللوطي الذي يمكّن من نفسه، فقد كان أشدّ استهجانا من اللوطي الفاعل، خاصّة إذا كان كبير السنّ. وذلك راجع إلى كونه يتصرّف تصرفات النساء فيشوّه الذكورة في مجتمع ثمّن القوّة وغرس في أبنائه حبّ الفروسية وأهميّة التفحّل وهيأهم للنهوض بأدوار جسام كالغزو والجهاد، كما أنّه خصّهم بمنزلة متميّزة. فإذا باللوطي مشغول بنتف مقدمات الشعر من لحيته وعذاره والتًنوّرِ وإذا مشى اختال ونظر في أعطافه، وتهتّك استدراجا للرجال، ومعنى ذلك أنّه رجل لا تتوفّر لديه خصائص الذكورة بالقدر الكافي ولا يمكن للأمّة أن تعتمد عليه وأن تفتخر به. فاللوطيّ ذو فرج خلفي، أي رجل مؤنث و"عقيم" لأنّه عاجز عن ممارسة دوره الطبيعي والاجتماعي. وبدل أن ينهض بوظيفته من أجل تأسيس أسرة، يكتفي بالبحث عن اللذّة الذاتية. وهو حين يعرض عن القيام بدوره الجندري، يهدّد مصالح المجتمع ويقضي على مؤسسة الزواج والمصالح المرتبطة بها، مثل الانخراط في علاقات المصاهرة وتحصين النساء والمكاثرة بالعيال وخاصة "قيام الرجال على النساء". ومعنى ذلك أنّ اللوطي أو المخنّث يهدّد مفهوم القوامة بالزوال فكيف تتحقّق القوامة مع من عزف عن النسوان؟ وانطلاقا من ذلك فإنّ اللوطي يمثّل خطرا على النظام التراتبي لأنّه يضحيّ بهيبته وشرف منزلته في سبيل قضاء الوطر فيعبث بالحدود فينكح الأسود والأبيض، والصغير والكبير، والجميل والقبيح، والشريف والوضيع. "قيل لرجل: تنبطح مع شرفك ولا تأنف؟ فقال: ذوقوا ثمّ لوموا".

ثمّ إنّ اللوطي أو المخنّث ينقطع عن المرغوب فيه اجتماعيا ليتماهى مع الأنثى فيكون بديلا عنها فيتخذ دورها ويسلّم جسده ودبره كما تسلّم المرأة قُبلها أو دُبرها وكأنّه بذلك يعبّر عن حلم قابع في لاوعيه: أن يلتذّ وهو في "وضع استقبال" فيطلق العنان لخياله متصوّرا نفسه امرأة تستعد للنهوض بوظيفة الإنجاب تلك الوظيفة التي حرم منها جنس الرجال. فتكون الجنسانية وفق هذا الطرح مجالا لتجسيد الأحلام والاستيهامات والطموحات التي يصبو إلى تحقيقها كلّ جنس بعيدا عن الآخر.

ويشقّ على المجتمع الرجولي تقبّل هذه التغييرات التي تعبث بجوهر منظومة التنشئة الاجتماعية وتهدم نظام العلاقات التبادلية وتصدّع منظومة القيم الأخلاقية والدينية وتهددّ القوامة بالزوال، إذ كيف يتسنى للرجل تبرير هيمنته على المرأة وتمتعه بمنزلة تفوق منزلتها إن أضحى مماثلا لها في الصفات فاقدا آليات سلطته؟

ولأنّ الرجولة تعالٍ وتفوّق ومفاخرة بالفحولة وإشادة بالقيم الذكورية، فإنّ المجتمع البطريكي قاوم ومازال يقاوم وجود هذه الفئات التي تعكس صورة مشوّهة للذكورة وتشير إلى الاضطراب الجندري.(Gender trouble)

لقد كان خطاب الفقهاء بمثابة رثاء للرجولة وتفجّع لغياب أهمّ صفات الذكورة في شخص المخنّث واللوطي. وهو موقف مفهوم في ظلّ مجتمع بقي مشدودا إلى عصر الفتوّة وعصر الدعوة أو إلى ما هو تمثّل لما كانت عليه حياة الأجيال الأولى من ميل إلى البساطة وولع بالمحاربة والغزو. فكان الفتى هو الأنموذج الذي تفتخر به العشيرة وكانت الوحدة والانسجام من أهم الأهداف التي ترنو الأمّة إلى تحقيقها. ولذلك عدّ المخنّث أو اللوطي خارجا عن طبيعة تكوينه "نجسا" أو "ملوّثا" للنظام لأنّه يتبع مسالك خارجة عن النظم المألوفة، ولا يقبع في الموضع المحدّد له داخل التراتبية الاجتماعية، وإنّما يحبّذ تجاوز الحدود والتنقّل من خانة إلى أخرى. وكما هو معلوم لا تتقبلّ بنية الوعي هذا الخرق سواء كان واقعيا أو رمزيا لأنّه ينذر بخطر داهم.

وبالمثل نلمس في خطاب الداعية المعاصر شعورا بالمرارة بسبب إقدام بعض الكتّاب أو المخرجين السينمائيين على هتك ستار فئات تعيش على هامش المجتمع "المسلم" الذي يتمسّك جاهدا بالاصطفاء ويريد أن يكون أبناؤه فحولا تفاخر بهم الأمة الإسلامية أمام سائر الدول التي تأنّث رجالها نتيجة سقوط الحواجز بين الأنوثة والذكورة وذيوع الانحلال الأخلاقي. ولا معنى لمعالجة هذا الموضوع سينمائيا أو فكريا إلاّ فضح لما يحاول الداعية إسبال الغطاء عليه: الإقرار بأنّ لا مجتمع ولا ثقافة يخلوان من وجود علاقات مثلية وممارسات جنسية متعددة.

المصدر : شفاف الشرق الأوسط
www.metransparent.com


المبروك الزليتني


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home