Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

بيان الجبهة ولَيْلاها

لا يقتصر الدور الذي تمارسه الجبهة المفككة المسماة بجبهة الإنقاذ لإفساد العلاقة بين الدولة والمجتمع على تيئيس الناس من عملية الإصلاح وتسخينهم عبر ما يوزعه أنصارها، وعلى رأسهم الصهد الميمون، هنا وهناك من تصريحات عبثية ومفاجآت مسرحية فحسب، وإنما أيضاً يمتد للنيل من أية خطوة تجري على صعيد عملية الإصلاح من مضمونها حتى وإن نالت استحساناً محلياً وإقليمياً ودولياً..

فلقد كان واضحاً أن الإفراج عن مساجين الإخوان قد جاء على غير مشتهى أنصار الجبهة، مثلما جاء على غير مشتهى أولئك الذين يبيتون للدولار والإسترليني ركّعاً وسجوداً في منتجعاتهم بالخارج، وفي الوقت نفسه لا يتوقفون عن تحريض الشعب الليبي للارتماء في بحر لا شطآن له من الدماء ما دام ذلك لا يخلُّ بما يتبنونه من مبدأ "سلامتك يا دماغي"، إلا أن طبيعة الموقف كانت تقتضي ألا يتخلفوا عن مشاركة الإخوان وجدانياً، ولو بالتمثيل، فأصدروا – في زحمة البيانات الآتية من هنا وهناك – بياناً، ربما لم يُعره الكثيرون اهتماماً، رغم ما ينطوي عليه من دلالات مؤكدة على أن رؤية الجبهة الاحتكارية للمعارضة لم تتغير، وأن التثمين المبالغ فيه جداً لدورها لم يتبدل..

وإذا كان الخطاب يقرأ من عنوانه كما يقولون، فإن أي مطالع لبيان الجبهة المعنون "بيان بخصوص إطلاق سراح مساجين سياسيين" سوف يدرك لأول وهلة أن أنصارها قد تعمدوا – وكما هو واضح من التمويه والتنكير الذي صيغ به العنوان – الاستهزاء بالإخوان والتقليل من شأن ما تحقق لهم من وعد هو بكل المعايير إنجاز، إذ كما هو معروف كانت الغالبية من المطلق سراحهم من الإخوان، ومع ذلك جاء عنوان البيان طامساً لذلك عندما وصف المطلق سراحهم بأنهم "مجرد مساجين سياسيين".

وربما عز على أنصار الجبهة تسمية البيان باسم الإخوان تحرجاً من الاعتراف بأن معارضتهم النهج التصالحي الذي اتبعه الإخوان لم تكن في محلها، إلا أن البيان من ألفه إلى يائه لا يوحي إلا بشيء واحد.. هو الرغبة في إجهاض النتائج الإيجابية التي تحققت بفعل الإفراج عن مساجين الإخوان.. ففي بداية البيان، والذي يستوجب من كل من أراد مطالعته أن يتفل على يساره ثلاث مرات مستعيذاً بالله من الشيطان وخبث الجبهة، تكدير ضمني لصفو الإخوان عبر تذكيرهم بما وصفه البيان بعذاب وآلام السنوات التي قضوها بالسجن، والوسوسة لهم – وللجميع – بأن ثمة مساجين آخرين (قدرهم البيان بالألوف) لازالوا يواجهون ظروفاً صعبة وإجراءات شرسة، والطيران بهم – وبالجميع – إلى حدث 17 فبراير 2006 والترويج لأن هناك اعتقالات عشوائية للمئات من المواطنين تتم على خلفية هذا الحدث.

ولا يحتاج الأمر إلى كبير فطنة للتثبت من أن مستهدف كل ذلك هو إعادة فتح جراح الإخوان التي أوشكت على الاندمال ومحاولة إقامة منطقة عازلة بينهم وبين الحكم من جديد، والإيحاء بتفاهة ما تحقق لهم من إفراج بدعوى أن هناك آخرين بالسجون يمسسهم ما مس الإخوان من قبل من قرح، عدهم أنصار الجبهة - ولا ندري على أي أساس تم هذا العد – بالآلاف عداً، وربطوا كل ذلك بحدث 17 فبراير مدعين أن هناك عمليات اعتقال عشوائية للمئات تجري على خليفته لتمرير الانطباع بأن الحدث لم تتم لملمة تداعياته بعد، والتلذذ بما يتمنونه من أن تتحول البلاد إلى فوضى تعتمل فيها الخصومات وتتضخم فيها التناقضات..

ثم يكرر مَن صاغوا البيان أنفسهم وبصورة غاية في السخافة عبر وصف الطريقة التي تعامل بها الحكم مع ملف المساجين بالعبثية، واتهامه باستخدام هذا الملف لإيقاع مزيد من الإرهاق والضغط على السجناء وعلى أهاليهم، وكذا اتهام سيف الإسلام القذافي بأنه تعامل مع هذا الملف لتحقيق بروز إعلامي من ناحية ولتلميع حكم والده من ناحية أخرى، موجهين سيلاً من الإدانات تارة للكيفية التي تمت بها عملية الإفراج، وتارة ثانية للقرارات التي سجن المفرج عنهم بموجبها، وتارة ثالثة لما هو مثار بشأن انتماءات مَن لم يتم الإفراج عنهم، ورابعة لما حدث بمدينة بنغازي، والذي – طبقاً لوجهة نظرهم – قد أبان النوايا الدفينة للحكم ضد المواطنين الليبيين..

وما يمكن استشفافه من هذا التكرار البالي هو أن أنصار الجبهة، ومن خلال بيانهم المكشوف، إنما يريدون ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد من خلال الإيقاع بين الحكم والإخوان وبين الحكم والشعب، وإلا فما جدوى العجن واللث في ملف الإخوان وقد أُفرج عنهم.. إن شأن أنصار الجبهة في هذا الخصوص شأن من لا يستكثر على غيره الفرحة فقط، وإنما يريد غرسه وإلى ما لا نهاية في بحر من الآلام والأحزان.. فأي محبة هذه التي يكنها أنصار الجبهة للإخوان؟!.. أما بخصوص ما يدعيه أنصار الجبهة من تلميع سيف لنفسه ولوالده إعلامياً.. ففيما يضير أنصار الجبهة هذا؟.. أوليس هذا هو الأسلوب ذاته الذي يتبعه رموزها وهم على هامش الحياة السياسية في ليبيا؟.. ألم يكن مقريفهم دائم العزف على وتر "أنا رئيس ليبيا ورئيس ليبيا أنا"؟.. ألا يخرج علينا صهدهم في كل مناسبة وفي كل حين ليفيض علينا من تصريحاته الصماء ومفاجآته البلهاء؟..

وأما بخصوص ما يحاول أنصار الجبهة إثارته من بلابل حول انتماءات الذين ما يزالون في السجن فهو أمر في منتهى الغرابة، حيث أن مَن يتحدث أنصار الجبهة عنهم بأن النظام يصنفهم ضمن تيارات بعينها هم أنفسهم مَن لا ينكرون انتماءاتهم، بل ومنهم من يباهي بها، وإلا لكانوا قد أعلنوا هجرهم للعنف وأطلق سراحهم ضمن أفواج المفرج عنهم، أم أنه لكون أنصار الجبهة عاشقين لحيل التقيات، فإنهم يتصورون أن كل الناس مثلهم حيث لا مبدأ، ولا عمل نافع، ولا إتاحة المجال لتلمس الناس رحمة ربهم؟!..

وأما بخصوص الادعاء – في معرض تكرارهم الحديث عن حدث بنغازي – بأن هناك نوايا دفينة من جانب الحكم موجهة ضد المواطنين فهو ذروة الاستخفاف بالعقول، حيث لم نسمع على مر التاريخ، قديمه وحديثه، أن ينتوي نظام حكم مهما كانت قسوته لمواطنيه في عمومهم وهم مصدر شرعيته سوءً، فما بالنا بمن وصف مَن راحوا ضحايا حادث فبراير حزيناً بأنهم أبناؤه..

ولعل أطرف ختام في بيان أنصار الجبهة هو تلك القائمة الطويلة العريضة من المطالب التي ذيلوا بها بيانهم، والتي شملت إعلان أسماء مساجين وإطلاق سراح مساجين وتعويض مساجين ومحاسبة مسئولين وفتح تحقيق دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، فيما بدا الإخراج المسرحي لهذه القائمة وكأن الجبهة قد اقتحمت مقار السلطة بليبيا بليل والناس نيام، وها هي تملي مطالبها الآن، وهو حلم بالنسبة للجبهة وأنصارها، من دون شك، جميل وأجمل ما فيه "ليلى الجبهة" تلك التي تجلَّت علينا في أروع زينتها في المطلب الثالث من القائمة ممثلة في توضيح مصير عزت المقريف – بالطبع مع آخرين لزوم الحبكة الدرامية – ورحمة الله على كل من قال.. "كل يبكي على ليلاه"..

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home