Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ذكرى تقاوم النسيان

كلما ضاق بى الحال وهاجمتنى الهموم وسقطت فى بئر احزانى السحيق. استحضر الذكريات القابعة فى ثنايا ذاكرتى للخروج من هذا الواقع التعيس الرمادى عديم الالوان و الروائح. فتحملنى الذكرى الى ملاعب الصبا حيث كانت الدنيا دنيا . ففى مدينة البيضاء حيث ولدت وترعرعت تبدأ رحلة ذكرياتى. حيث كانت مدينة البيضاء فى أواخر الخمسينات من القرن الماضى مدينة صغيرة جميلة وهادئة مستلقية فى حضن الطبيعة الخضراء تحيطها الجبال الشماء من كل الجهات. وريحة البطوم والشمارى والزهور البرية تملأ الارجاء. واشجار اللوز والتوت والزيتون تمتد الى مالانهاية. واناس طيبون انقياء كنقاء الطبيعة. فى هذا الجو النقى المفعم بالحياة. فى هذه الحديقة الغناء وهوائها العليل كانت بداياتى الاولى. كانت حياة هادئة جميلة لا ينقصها شىء. كان مقام سيدى رويفع الانصارى لا يبعد عن بيتنا سوى امتار معدودة. وكم لعبت مع اقرانى فى المقبرة التى اقيمت حول المقام دون خوف من العفاريت التى سيطرت على حياتنا فيما بعد. اتذكر.
زيارتى مع والدتى او جدتى عندما تأتى لزيارتنا من بنغازى مقام سيدى رافع الانصارى. حيث كان السيد بوغزيلة راعى المقام يجلس دائما امام المقام يتلو القرآن ورائحة البخور العبقة تملء المكان بجو روحانى يبعث فى النفس الطمئنينة والخشوع. ودعاء الزوار ونجواهم يضيف رهبة فى قلبى ويستولى على وجدانى.
اتذكر.
مغامراتنا ورحلاتنا على ظهور الحمير الى الغابات المحيطة بالمدينة من كل الجهات. فتاره نذهب فى رحلة طويلة الى كاف الهندى الكبيرة وجدرانها السوداء. وتارة اخرى الى حقفة رومل المنحوتة فى الصخر وهى بعيدة كبعد استراليا. اتذكر.
عصابات الاطفال التى كانت تتطاحن فيما بينها. فكل حى كانت لة عصابته الخاصة بة والتى تقوم من وقت الى أخر بغزو عصابة اخرى فى عقر دارها مخلفة خسائر فادحة ثم الاختفاء بسرعة البرق كما اتت. واشهر هذة العصابات على الاطلاق هى عصابة الكاوه.
اتذكر.
العوامة فى جوابى البناء فى الصيف الحارق نظرا لبعد البحر عن مدينة البيضاء فهى كانت تمثل لحظات شيقة وممتعة ومنعشة فى آن.
اتذكر.
الافراح التى كان الطابع التقليدى يطغى عليها حيث زفة العروس باللباس التقليدى المحتشم تمشى بخجل تحت الجرد المخطط ذو الالوان الفاقعة والزغاريد والغناء يواكبها الى بيت العريس. بعد الظهور (الدخلة) تبدأ الصابيه بغناوى العلم والتمجريد ويتوجها قدوم الحجالة ليزيد من حماس الشباب واظهار براعتهم فى التكشيك.
اتذكر.
سوق الاحد الشهير والتى ورثتة المدينة عن الاستعمار الايطالى بتنوع خضراواته وفواكهه وحيواناته و دواجنه والمشغولات اليدوية مثل التنانير المصنوعة من الطفلة وصياح التجار الذى لا يبح. كذلك اتذكر السوق الفوقى حيث جامع سيدى ادريس السنوسى بمحلاته التى بنيت على نمط واحد حيث تقع فى ركنة الغربى السينما الفوقية كما كنا نسميها وافلام ماشيستا وروتشة وهرقل ورينقو وساريتانا وافلام اسماعيل ياسين والصالتوات فوق رؤس المتزاحمين لقطع بوليت السينما.
اتذكر.
الحركة الكشفية ومفوضيتها خلف البرلمان والاجتماعات الاسبوعية ومعسكرات غابة البلنج والحفلات المسائية متحلقين على نار الحطب المتوهجة يحلو السهر وتتعالى الاغانى والاناشيد والكشفية ولا انسى الصيحات التى تبدأ بى بزززززدوم. وفصيل الكلبة الذى كنت عريفا له.
اتذكر.
سيدى شاهر روحه والكورفة الخطير التى تقع امامة والحوادث المميتة التى وقعت هناك. حتى اعتقد بعض الناس ان هدا الولى الصالح غير راضى على اقامة الطريق امام ضريحه.
اتذكر.
الزاوية حيث تقع الزاوية السنوسية الام او ام الزوى كما يطلق عليها التى اسسها الداعية محمد بن على السنوسى ومعهدة الدينى ذو الساعة الشهيرة. وحقفة سيدى المهدى التى ولد بها والد الملك ادريس.
اتذكر.
البرلمان بقبته الذهبية المعروفة وخطاب العرش الذى يلقيه رئيس الوزراء المكلف من الملك وبدايتة التقليدية الشهيرة حضرات الشيوخ حضرات النواب قد عملت حكومتى او ستعمل حكومتى.
اتذكر.
احتفالات التاسع من اغسطس عيد تأسيس الجيش السنوسى فى مصر.
والمنصة الطويلة التى تقام فى الشارع الرئيسى. والتدريبات التى تسبق الاحتفال التى يقوم بها الجيش والبوليس والقوات المتحركة فى مدرسة النصر على انغام موسيقى القرب الاسكتلندية التى تؤديها فرقة البوليس الموسيقيه والتى لا زالت حتى الآن تؤثر فى وتشدنى الى ماضى بعيد وقريب فى آن. والهتافات البسيطة الخالية من النفاق والدجل مثل عاش الملك عاش عاش عاش اوسيدى ادريس ووالى عهده حطوهم فى صورة وحده.
أه يالها من ذكريات جميلة.
وفجأة توقفت الاحلام وانتهت الحكايات الجميلة البريئة وتوقف التاريخ والتقدم وتجمدنا وتجمد معنا الزمن وتوقفت عقارب الساعة عن الدوران وسرقت احلامنا الجميلة منا وتحولت الى كوابيس تطاردنا فى كل غفوة. وطغى اللون الرمادى البغيض على كل اللألوان.
منذ 37 عاما يزداد بئر احزانى عمقا وانا اهرب الى الذكرى التى تقاوم النسيان.
لكم منى الف تحية.

اخيكم مهاجر


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home