Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

يحسبونه هيناً وهو فظيع

كانت النية متجهة إلى أن نعنون هذه المقالة، وهي الرد على مساق حسبه صاحبه هيناً وهو فظيع، "لا للتعهير"، إلا أننا، واحتراماً منا لمشاعر السادة الجوالين من بائعي الأوطان، قررنا تغييره إلى العنوان المدون عاليه، أما المساق الذي نقصده فهو ذلك الذي عنونه صاحبه ، وصاحب اللباس الأمريكي الصرف، الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى".. "نعم للتدويل" والمنشور على موقع اغنيوة بتاريخ 3 يناير 2006، وهو المساق الذي لم يختلف، سواء في لونه أو رائحته، عن تلك المقالات المهتوكات التي دبجها البعض مع نفير الحرب الأمريكية ضد العراق لتهيئة الشعوب العربية عامة، والشعب العراقي خاصة، للقبول بذل الاحتلال وكارثة التحلل وانكسار النفوس وانخلاع القلوب وجريان الدماء واغتصاب الثروات والنساء، أو تلك المقالات الملفوفة التي يدبجها – حالياً – البعض الآخر لحث سورية على إخصاء إرادتها بنفسها قبل أن يتولى الأمريكيون القيام بذلك..

فالأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" في مساقه / مقالته، وبعد تقديم تبكيتي لا مبلوع ولا مهضوم لأولئك الذين يعتبرهم لا يراعون ما وصفه بأحزان الداخل كونهم أصحاب منهج متشنج لا ينسجم مع الديمقراطية وإنما غايته البحث عن أدوار سياسية لا علاقة لها بالوطنية، يذهب إلى خطأ نظرة المحسوبين على المعارضة إلى الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، على أنه شر مطلق، متسفسطاً بأن أصحاب نظرية "لا للتدويل" – والذين يتخذون من أوروبا وأمريكا منابر لخطابهم السياسي ويتمتعون بكل تقنياتهما ومواردهما، وبالتالي ينطبق عليهم قول المسيح عليه السلام "اليد التي تمتد لتعطي غالباً ما تقطع" – لا يفترقون عن أولئك الذين نظروا إلى التدخل الأمريكي في كوسوفو على أنه يخلو من الإيجابية أو هو كأفعال الشياطين، ولم يراعوا ما حدث من ذبح وتهجير وإبادة لمسلمي الإقليم المستضعفين البائسين، ومبالغاً في تسفسطه بأنه يستعصي على أصحاب هذه النظرية (نظرية لا للتدويل) – وبما يتبنونه من منهج تبسيطي متشنج – فهم إمكانية اجتماع دوافع إستراتيجية وإنسانية في عمل واحد مثلما حدث – في تقديره – في تدخل الأمريكان في كوسوفو، وذلك على أساس أن سعيهم (أي الأمريكان) لتحقيق مصالحهم (المادية) هو مسألة مشروعة ولا تتجافى مع ما تنهض عليه العلاقات الدولية من سعي الدول إلى تحقيق مصالحها أو تتعارض مع المبادئ والقيم الأخلاقية.. ثم يختتم الأساتذة "جاب الله موسى" مساقه / مقالته المسفسطة بصورة غاية في التمويه والغموض وإلى حد كبير غير مفهومة، حيث يذهب إلى أن مفهوم التدويل لا يعني التدخل العسكري وإنما الاستعانة بمنظمات دولية تفعل كذا وكذا وكيت.. ويذهب أيضاً إلى أن تدخل الأمم المتحدة (هكذا كتبها) قد يكون عسكرياً.. استراتيجياً.. مصلحياً وإنسانياً في الوقت نفسه.. ويذهب كذلك إلى أن تدخل الولايات المتحدة في الشمال الأفريقي (وبالأخص في ليبيا كما يُفهم من سياق ما كتبه) سوف يحقق لها مصالحها الإستراتيجية متمثلة في حفظ الاستقرار في الشمال الأفريقي والشرق الأوسط من خلال منع ما وصفه بجرائم الثوريين والحيلولة دون اندلاع حرب أهلية في ليبيا تتفتت معها البلاد إلى دويلات عدة، وهذا – في تقديره – التقاء لمصالح الولايات المتحدة مع مصالح الليبيين في الداخل والخارج.

وفي الواقع، لا شأن لنا بتبكيت الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" لنظرائه المعارضين، ولا شأن لنا أيضاً بكونه وصفهم بأنهم أصحاب منهج تبسيطي متشنج لا ينسجم مع الديمقراطية، ولا شأن لنا كذلك بمعايرتهم بالمنن والعطايا التي يغدقها عليهم الأوروبيون والأمريكيون أو توبيخهم على قطع أيادي الأخيرين الممدودة إليهم، على أن من شأننا، بل ومن حقنا، الرد على ما تضمنه مساقه / مقالته من تلاوين هي الأشد سخفاً في دنيا المعارضين المراهنين على التدخل الأجنبي – الأمريكي تحديداً – في ليبيا.. فالأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" يريد أن يدولن، أو بالأدق يؤمرك، الأوضاع الليبية لمجرد رد الجميل للدولة التي تؤويه وتشتري بضاعته أو لمجرد ما يُشاع عن بعض الممارسات التي تحدث في المعمار السياسي بالداخل، ولو أننا سلمنا بمنطقه هذا لاستحقت دول العالم كافة – باستثناء دول المنظومة الغربية – الاحتلال الأمريكي الفوري.. إنها نظرة فريدة في العلاقات الدولية حقق فيها الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" سبقاً لم يحققه من قبل أحد في الرحاب العالمية!!

والأساتذة الدكاترة يريد إسقاط نموذج التدخل الأمريكي في كوسوفو على ليبيا، كما يحاول الضحك على شواربنا وذقوننا بإقناعنا بتضافر الدوافع المصلحية الإستراتيجية الأمريكية مع نظيرتها الإنسانية في التدخل الأمريكي في كوسوفو، وأن ليس في ذلك تعارض مع ما تنهض عليه العلاقات الدولية من سعي الدول إلى تحقيق مصالحها.. فهل ثمة استغفال، أو بالأدق استهبال، أكثر كوميدية من ذلك؟.. إذ لا وجه للمقارنة على الإطلاق بين شعب كوسوفو الذي كان يخضع للتطهير العرقي، وشعب ليبيا ذي النسيج الاجتماعي الواحد، والذي يعد المعارضون للحكم منه على أطراف الأصابع.. من الواضح أن الجهبذ موسى يتجاهل ما هو ثابت في حقل السياسة المقارنة من اشتراط أن تكون المقارنة مجدية وفعالة وإلا لا داعي إليها من الأساس!!

وبخصوص التدخل في إقليم كوسوفو (وهذا فقط لبيان أن الأساتذة الدكاترة موسى قد أرهق نفسه في الترويج للتدخل الأمريكي في ليبيا بأي كيف وبناء على أية معلومات حتى ولو كانت مغلوطة) فلم يكن قط لأغراض إنسانية، وإنما كانت الولايات المتحدة تستهدف من خلاله تحقيق ما يلي:

  • الحيلولة دون نجاح الدول الأوروبية الحليفة في تقديم البرهان على القدرة على الفعل المستقل عبر تسوية مشاكل القارة وضمان أمنها دون الاستعانة بها وهي القطب الظافر بالانتصار في المواجهة الباردة، أو بمعنى آخر، فإن الولايات المتحدة أرادت إيصال رسالة إلى الاتحاد الأوروبي مؤداها أنه يمكن أن يكون هذا الاتحاد عملاقاً اقتصادياً ولكنه سيظل عاجزاً عن ضمان أمن القارة، كما سيظل في حاجة إلى القيادة الأمريكية السياسية والعسكرية.
  • تسويق ما رأته من مكونات المفهوم الاستراتيجي الجديد (في حينه) لحلف الناتو ووضعه موضع التنفيذ قبل أن يجرى إقراره رسمياً.
  • القضاء على مخلفات الحرب الباردة تحديداً، لأن يوغسلافيا كانت النظام الوحيد الذي لم يتبدل في شرق ووسط أوروبا منذ انتهاء هذه الحرب، مما كان يعني أن بقاءها يعيد تذكير شعوب المنطقة بكل ما يمت بصلة إلى الشرق والاشتراكية والشيوعية المجددة.
  • إيصال رسالة إلى روسيا الاتحادية مؤداها أن لا جدوى من محاولة تحدي الغرب باعتبار أن حلف الناتو قد اقترب بمقدار 700 كلم من حدود روسيا بعد عملية توسيعه وأنه وكما شن غاراته على أحد حلفاء روسيا في الشرق الأوسط (العراق 1991) فإنه يشن الآن (أي في حينه) الغارات على الشقيق الأصغر للروس في إطار الرابطة السلافية.

ولو كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو – كما ذهب الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" - ما أفسدت مبادرة مجموعة الاتصال الدولية التي أنهت اجتماعاتها في لندن في يناير 1999 وهي الاجتماعات التي تمخضت عن ثلاثة مبادئ شهيرة (حكم ذاتي موسع للألبان في كوسوفو – إجراء انتخابات تحت إشراف دولي – تشكيل حكومة وقوة شرطة من الأغلبية الألبانية في الإقليم) وهي المبادئ التي نالت مباركة مجلس الأمن.. ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو ما أفسدت مفاوضات رامبوييه، تحديداً في جولتها الثانية في مارس 1999 - بعد أن كانت الأطراف المعنية قاب قوسين أو أدنى من التوقيع على اتفاق تسوية بشقيه السياسي والعسكري.. ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو ما جرت وراءها أعضاء الناتو للتدخل عسكرياً دون تفويض من مجلس الأمن.. ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو ما أحجمت عن التدخل البري بعد انتهاء الغارات الجوية وترك ألبان كوسوفو فريسة سهلة للصرب.. ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو ما أكد نعوم تشومسكي على أن "تهديد الناتو بالحرب الجوية في حد ذاته قد أدى إلى زيادة فظائع القوات الصربية ضد المدنيين من ألبان كوسوفو، إضافة إلى ما أدى إليه قرار سحب بعثة المراقبة والرصد الدولية على النحو الذي وفر للقوات الصربية مناخاً ملائماً لتوسيع نطاق هذه الفظائع دون قدرة على الرصد أو ردع من تداعيات الرصد".. ولو كانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق أغراض إنسانية في كوسوفو ما ذهب أكثر من محلل بارز إلى أنه ليس من اللائق أن يتحدث أحد عن حماية ألبان كوسوفو بعدما شاهد العالم مأساة إفراغ الإقليم من سكانه وأنه لا يمكن تبرئة حلف الناتو من مأساة كوسوفو.

أما بخصوص ما ذكره الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" بشأن أحقية الولايات المتحدة في البحث عن مصالحها باعتبار أن ذلك هو ما يفترض أن تنهض عليه العلاقات الدولية، فإن هذا لا يعني تغليبها شريعة الغاب وجر آلتها العسكرية إلى حيث يتأتى لها تحقيق هذه المصالح بالقوة، أو بتعبير آخر، فإنه وكما للولايات المتحدة مصالحها فإن لبقية الوحدات المكونة للنسق الدولي أيضاً مصالحها، وصمام الأمان بالنسبة لتعظيم مصالح كل وحدة من هذه الوحدات هو الاعتماد المصلحي المتبادل وليس سوق مقصلة التدمير من جانب الطرف الأقوى إلى الطرف الأضعف حتى يتمكن هو من تحقيق مصالحه، وإلا بالله على الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى"، الذي على ما يبدو قد غمس قلمه قبل أن يخط مساقه في محبرة رامسفيلد، ما الذي ربحه العراقيون بالاحتلال الأمريكي لهم..؟.. وهل من الحياء أن يكون تسويغ الاحتلال الأمريكي للأوطان بهذه السخافة التي لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلاً اللهم إلا سخافة جنبلاط الذي يسعى حالياً بأيديه وأسنانه للترويج لاحتلال سورية أمريكياً؟!.. ومن المستفز أن يدهن الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" خاتمة مساقه / مقالته طيناً، حيث حاول الهروب من الحفرة التي وضع نفسه فيها.. حفرة تسويغ التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا بالقول بأن مفهوم التدويل لا يعني التدخل العسكري في ليبيا وإنما يعني الاستعانة بمنظمات دولية تفعل كل شيء ابتداء من حلب الشياه إلى دفع العنادل إلى الغناء.. ثم عاد ليقول أن تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في الشمال الأفريقي (وبالتحديد في ليبيا) سوف يقود إلى حفظ الاستقرار في الشمال الأفريقي خاصة وفي الشرق الأوسط عامة، وهي مصلحة إستراتيجية أمريكية، كما سوف يقود إلى الحيلولة دون اندلاع حرب أهلية في ليبيا، وهي مصلحة ليبية، وأن لا تعارض – في تقديره – بين المصلحتين.. فأي مزاح هذا وأي استخفاف بالعقل؟.. إن أي عاقل، بل وحتى أي مجنون، يدرك أن تدخلاً عسكرياً أمريكياً في منطقة الشمال الأفريقي (أو في ليبيا كما يتمنى الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى") سوف يحيل نهارها خاصة، ومنطقة الشرق الأوسط عامة، إلى ليل بهيم، كما سيفجر من البراكين العرقية والحروب الأهلية ما يستحيل إخماده، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى عودتها إلى القرون الأولى أو حتى خروجها كلية من التاريخ، وليس العكس كما أراد الأساتذة الدكاترة "جاب الله موسى" أن يستخف بعقولنا..

وأخيراً، على كل كومبرادور أمريكي مكشوف أن يعي جيداً أن لا سخافة ترويجاته للاحتلال الأمريكي لليبيا، ولا سذاجة مقارباته السياسية، ولا تأليهه لسادته الأمريكان سوف تمكنه من الخروج مما هو فيه، ويكفيه، وهو، وإن حقق بعض الكسب المادي الموقوت جراء تسويق راكد بضاعته، فلن يفلح أبداً، حيث أموال بيع الأوطان أشبه بمياه البحر المالحة، لا تروي ظمأ ولا تغسل عاراً..

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home