Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

مهـزوم يتعـلق بأهـداب مهـزوم

ربما كان المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي الأكثر لمساً لكبد حقيقة المأزق الكبير الذي تعيشه الولايات المتحدة في العراق عندما أكد على أن واشنطن لم تعد قادرة على البقاء في العراق أو على الانسحاب منه، كما كان الأكثر جرأة في إحالة مسئولية تدمير العراق إلى الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا، وفي بيان أن الولايات المتحدة قد مارست دور المفسد بمفهومه السياسي في الحيلولة دون التوصل إلى حلول بشأن الملفات الرئيسية بالنسبة للقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها ملفا القدس واللاجئين.

والحقيقة أن زمن الحلم الأمريكي لم تنكسر عجلته عند محطة العراق (ومن قبلها محطة أفغانستان)، كما بكل تأكيد لم تبدُ عليه أعراض الهزيمة جراء الإخفاق أو حتى عدم الرغبة في تسوية القضية الفلسطينية - كما حاول تشومسكي أن يصور - فحسب، وإنما أيضاً تعرض هذا الزمن في شقه المفاهيمي الناعم لكسر أشد وطأة في العجلة، وهزيمة أشد قسوة في المردود، فقد تصاعد المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان، تحديداً منذ مجيء الإدارة الحالية للرئيس جورج دبليو بوش، في شقه الشعاراتي بصورة حركت مشاعر الملايين من المحرومين من مثل هذه الحقوق في الأرض، والذين توهموا أن ملكوتاً أرضياً يسوده السلام وترفرف عليه المحبة وينعتق فيه الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، سوف يضحي حقيقة واقعة بيد بوش وإدارته، إلا أنهم سرعان ما تبدى لهم أن لا بوش ولا أي من أفراد إدارته يودون للعالم راحة أو للإنسان حقوقاً، وإنما ينصب كل همهم على أن تصبح الولايات المتحدة هي الأقوى الذي يستحق البقاء.. فالعصا عادة – وكما شوهد منذ تولي إدارة بوش الحكم – تسبق الجزرة، والترهيب يسبق الترغيب، والمعونات والمساعدات أداة قهر للسائلين، بينما راح المفهوم المجني عليه.. مفهوم حقوق الإنسان.. يتوه وسط زحام العبارات المطاطة والمواصفات الأقرب إلى مواصفات البضائع الصينية التي تُغرق أسواق دول العالم الثالث من حيث قلة الجودة وقلة الثمن أيضاً بدرجة دفعت البعض ممن احترقت صدورهم ودماؤهم جراء المتناقضات الأمريكية إلى التساؤل عما هو المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان فيما يتعلق بالأوضاع وحالات الانتحار المتتالية في معتقل جوانتامو؟ وعما هو المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان بعد الصور التي تناقلتها وكالات الأنباء والصحف حول إهدار الآدمية وكافة المشاعر الإنسانية في سجن ابوغريب؟ وعما هو المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان بعد مجازر الحديثة وغيرها من المجازر التي ارتكبت وترتكب في العراق وقبلها أفغانستان؟ وعما هو المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان إزاء الصمت المريب والعبثية في مواجهة المجازر الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني؟

إنها الهزيمة المنكرة التي يعاني إذلالاتها الأمريكيون، وهي الهزيمة ذاتها التي جعلتهم – وإن أظهروا من الناحية الإعلامية عكس ذلك – يلوذون بتطبيع العلاقات مع دولة مثل ليبيا، وهي الدولة التي ظلت بالنسبة لهم عصية على مدار ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن عل ذلك يخفف عنهم وقع ما هم يرضخون فيه من هزيمة، ولذلك ليس على خطأ مَن يقول بأن التقارب الأمريكي مع ليبيا هو في أحد أهم أبعاده ترجمة للهزيمة الأمريكية في شقيها المفاهيمي والواقعي..

ومع ذلك، لا يزال أنصار الفصيل الليبي المعارض، المهزومون بدون شك، يتعلقون بأهداب الأمريكيين المهزومين أيضاً، ويعزفون معهم على وتر نفس مفاهيمهم عن حقوق الإنسان والديمقراطية ومَن يحب بوش وإدارته يصفق و... و... الخ، بل ويشدون الرحال إلى واشنطن كي يأتمروا هناك.. فهل هناك عبث أكثر من ذلك؟

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home