Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

مرة أخرى : إلى من لا يهمهم الأمر

لطالما كنت أقول ـ الحياة قصيرة، فلماذا نعيشها مسرعين؟ ـ ، كنت ولا زلت أحادث نفسي بصوت مسموع، وأنا أسير في شوارع المدينة، ربما بحثاً عن صديق يحاورني، بعد أن انفض كل من كانوا ضمن قوائم أصدقائي، لا ادري، ربما حقاً خلقت بالخطأ في عصر ليس عصري، لا أدعي العبقرية والعظمة، لا أحب الظهور، لكني أرجو التقدير ولو قليل منه، نعم فأنا لم أزل أسير في الشوارع محدثاً نفسي ، فأصدقائي موجودون في عصر مضى ربما، في عصر لم يأت بعد ربما، وربما تلك الربما لفظ تأكيد بخلاف ما تقول كتب النحو والصرف، لفظ احتمال حدوث من عدمه ، لكن ربما التي أراها أمامي دائما أكيدة، فلطالما قلت، ربما لا تحبني، ربما لا يعرفني، ربما لا يريدني، ربنا ينافقني، ربما أنا فقط من يعرفني .

قد أعلل لذاتي حواراتي، لكن ماذا عن إنجازاتي التي لا يراها سواي، هل أنا حقاً فاسق بين العُبّاد؟، و هل هم حقاً عُبّاد؟، لطالما سألتني، لماذا أنا دون العٍباد لا أجد أذناً تسترق السمع لكلماتي؟، حتى عندما أحاول أن أدعي أني لا أكترث لهم، رغماً عني يبرز أمام أعينهم اكتراثي، لست بعاجز، ولست مستطيع، أنا بين الاثنين، لطالما كنت دائماً بين الاثنين، ماجن، تقي، شيطان، نبي، لا اعرف ربما يحق لهم أن ينفضوا من حولي .

لا أحد يكترث بي، لا أحد البتة، لا أعرف لماذا، ربما لأني صادق دائماً حتى في لحظات يجب فيها أن تكذب، لحظات يصبح الصدق خطيئة، يصبح فيها التصور بأخلاق النفاق عطية من الرب، لكن جل ما آلمني هو أنهم ينسونني، يسقط اسمي من سجلات ذاكرتهم فقط عندما أرغبهم، عندما يرغبونني، لكن هل أنا حقاً رقم بشري بين أرقامهم؟ .

عندما نسوني في المرة الأولى، عللت الأمر أنه سهو، وعندما نسوني في المرة الثانية عللت الأمر بذات السهو، ولكن عندما فعلوا في المرة الثالثة وأنا بينهم، حاضر بشبه جسد في تلك الساحة المليئة بأشباه العوام، بالخواص واللئام ، عللت الأمر أيضاً، بالسهو، أو لربما هو النسيان، لا ادري لكن نسيانهم لي لم أعلله أبداً بتناس مقصود، لا البتة، لا والألهه، بل هو سهو ونسيان، فالآخر يعرف الأنا فقط عندما تموت، يجب أن اطمأن، سيضيع سهوهم وينسون نسيانهم عندما أموت، نعم فلأنتظر قليل، فغداً بالتأكيد سأموت، لا يهم الى أين سأسافر الأمر سواء، الى الجنة أو الى النار، لكني سأسقط ضمن ذاكرتهم حرف علة، حرف تحريك، حرقاً متحرك، ساكناً، لا يهم المهم أني سأكون حرفاً، لكن بعد أن أموت.

قد يكون جل خطأي أني مقترف لجريمة شبه التفكير، نعم ففي بلدي لمرتكب هذا الجرم نصيبان، إما النفور، وإما التكفير، لكني لم أزل أؤمن بوجود كل الآلهة في السماء وفي الأرض، أؤمن بوجود الخطيئة والعقاب، بوجود الصواب والحساب، لكني لم أؤمن يوماً بوجود شيء لم أزل أبحث عن اسم له في قواميسنا الأرضية، شيء ما، لا أعرف ما هو، لكني لم أؤمن به، النفاق، لا بل هو من صفات العباد في غرفتي الصغيرة التي أسميتها وطناً، الرياء، المقت، الغباء، البلاهة، لا اعرف لكني لم أزل لم أؤمن بهذا اللا شيء، لا أستطيع أن أكون مثلهم كلهم، ممتلئون بهذا اللا شيء، حتى حدود التخمة، لطالما رسمت على وجهي علامات الرضا ، لطالما وجدت لساني يرفض أوامر المخ، والقلب، الشرايين، يرفض أوامر الجهاز العصبي السفلي كما العلوي، فيقول ما لست أريده، أما يداي وفأني أرجو بترهما ، فهما سبب كل هذا، بوعي وبدون وعي، احدهما تخط في أوراق ليست لي، أوراق سهلة المنال في يد اللصوص والرعاع، تخط فيها من أنا، ولم أنا لست هو، و الأخرى تريد أن تكتب لهم لماذا تكرهني وتصدر كراهيتها لي، ولماذا أشعر ما أشعر به في كلماتهم القلية في حوارهم الذي أتسوله كما تفعل عجائز مساجد شهر رمضان، حيث يصوم كل الناس، إلا أنا، لم أزل أقترف التفكير حتى في شهر الصيام عن كل طقوس الشيطان، نعم فالتفكير طقس شيطاني ولا تسألوني كيف ؟، لماذا؟ ، فانا أسترق السمع في حواراتهم معي، فأجد كماً ضخماً من كلمات أسمع فيها اللا نعم، واسمع فيها المدح ذماً، أسمع فيها كل شيء بالمقلوب، فالحل أمر وجل، والمشكلة تبحث عن مسألة، وأنا أبحث عن ضياع يكتنفني قبل أن أجدني أخيراً، قبل أن يجدوني، قبل أن أموت.

عزف منفرد وأنا أروي قصيدة، أسمع الكل يتحدث إلا أنا الراوي الوحيد، والمستمع الوحيد، كلهم ينظرون إلى لكنهم لا يرونني،، لطالما رغبت أن أرى خلفي دون أن ألف الرقبة، إلام ينظرون ؟، ورائي حائط وأمامي كرسي، على يميني شيء وعلى يساري عدة أشياء، حاولت أن أقترف اللصوصية حيناً من الدهر، حاولت أن أسرق لحظات تهتز فيها طبلة أذن أحدهم، إحداهن بكلماتي، لا يهم إذا عرفوا عم أروي، لا يهم إذا فهموا ماذا أرمي، لا يهم إذا فقهوا شريعتي أو أنصتوا لسرد سنني أو فرائضي التي اخترعتها لوحدي، المهم اللحظة، هو أن يعرفوا أن هذا اللسان، يتكلم، ككل الألسن التي اعتادوا سماعها، يصدر أصوات تعمل وفق قوانين الفيزياء والكيمياء وتقبل للصياغة والتحوير، تقبل إن تخضع لعوامل التعرية والتغطية، تقبل أن تنسى كما كانت تقبل أن تحشى في حيز الذاكرة الضيق في الأساس، لكن رجاءً، اسمعوا كلماتي فأنا فقط أريد أن أشعر أني مثلكم، إنسان ينطق، يملك مثل الجميع وأعضاء النطق وأركان جسد كاملة، مخ، رأس، يد ، ذراع، أعضاء تناسلية، قدم وساق .

ذات ليلة وجدتني وقد فقدت ديني بالتدريج، الأمر بسيط، فما يكتسب يفقد، هكذا تقول قوانين الطبيعة، لا بأس، لكن هل فقداني لكل أصدقائي أمر يقبل الخضوع لقوانين ذات الطبيعة، فكل مادة تشغل حيزاً من الفراغ، وفقدانها يعني أن هنالك فراغاً يحويها يجب ملأه، فهل يملأ الفراغ مادة أخرى توازيها؟، أم لعي ملأت الفراغ بكم من فراغ آخر، وآخر، وآخر؟.

Amarir


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home