Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قـرأت لك : قـلب آخر


قلب آخر
بقلم : يوسف الشريف

ليبيا اليوم، الاثنين، 17 ابريل 2006

لبنغازي في قلبي قلب آخر لا يشاركها فيه إنسان، هو لها وحدها كأنما خلق من أجلها، يصبح عليها ويمسي، لا ينام إلا عندما تنام ولا يصحو إلا عندما تصحو رغم أنف الجغرافية التي ما حسبت نفسي يوما أنني سأمقتها لأنها تبعدها عني وتبعدني عنها، قلب آخر يزهو لزهوها ويتألق من ألقها، يضحك إذا ضحكت ويبكي إذا بكت ولا يرى النهار نهارا إلا إذا أشرقت شمسها. منها عرفت كيف يكون الوطن صديقا.
ذهبت إليها عندما كانت سنة 1959م طالبا بجامعتها الليبية بقصر المنار فيها، يقولون أن الزمن يقهر الحب لكننا أنا وهي لنا زمن آخر، زمن كلما مضى منه يوم تألق شبابا وعنفوانا، ذهبت إليها وأنا أطرق أبواب الرجولة والوعي، ومن مدرج رفيق بدأت معها رحلة أربع سنوات، الآن وأنا على عتبات السبعين من عمري أعود إلى بدايات تلك الرحلة فينهال دمع الحنين وليس لإدريس المسماري أن يوجه اللوم لي لأن الحنين عندي ليس حنينا إلى مكان بل هو حنين إلى حياة كادت من فرط جمالها ألا تكون حقيقة، حياة كان يمكن أن تدوم لو أن الأرض لم تخرج من مدارها.. حنين يصعب على قلبي احتماله.. حياة كانت فقيرة في طعامها ولباسها لكنها كانت تشعشع بالأمل، كل صباح فيها كان يحمل شمسا جديدة، كل وجه فيها حتى وجه سالم الذي كنت كلما اشتريت منه شيئا يأخذ نصيبه منه، وأحمد الذي كانت حاسة الاستشعار فيه تجعله يدق الباب في اللحظة التي نتقاسم فيها الغذاء أو العشاء، لا يعتذر بل ينظر هنا وهناك ثم يسأل.. وين صونيتي..؟ وعندما نسمع السؤال يعطيه كل منا نصيبا من صحنه..أحببنا أحمد، كان صبيا اختزل الطفولة بكل طهارتها وصخبها وبراءتها، كنا إذا غاب نظل ننتظر دقاته المتعجلة.. صار واحدا منا.. ورغم أننا كنا مجموعة من شياطين القسم الخارجي ألفت شوارع بنغازي وأزقتها وقع خطانا حتى في ساعات الليل الأخيرة، فإن أحمد لم نكن نراه أو نعرف أي معلومة عن أصله وفصله ولم نكن نعرف أين يعيش.. كنا عندما نسمع الدقات المتعجلة نعرف أنها دقات أحمد، عمي مصطفى يمكن أن يكون هو بنغازي، كان هو صاحب الدكان في البيت الذي كنا نسكنه في شارع العقيب،نشتري منه كل ما يتوفر في دكانه وكان سعيدا بنا وسعيدا بما نشتري منه، لكن العلاقة تجاوزت ماديتها، رأينا فيه عقل الحياة ورأى فينا زهو الحياة واندفاعها وإشراقها، ففي إضراب الأربعين يوما كان هو الحارس على اجتماعاتنا.. كان وعندما يطول الاجتماع يظل يقطع الفضاء من نهاية الشارع حتى منتهاه متربصا بكل دخيل، كان مربوع القوام قويا كأنه مصارع، خطواته سريعة وضحكته أسرع وكان كريما إلى حد السخاء، المكافأة الشهرية كانت سبعة عشرة جنيها نبعثرها في الأسبوع الأول من كل شهر، يقول.. خودو كل الدكان.. ثم تمضي السنون ونتخرج ونودع عمي مصطفى، ثم يمضى عام ويمضى بعده أقل من عام، ثم ذات عشية وكانت مقهى الخضرا هي المثابة التي نلتقي فيها كل مساء، جاءني عامل المقهى.. قال.. فيه واحد راجل شرقاوي يسأل عليك، ذاكرتي كانت فارغة من أي شرقاوي، تركت لعبة الرومينو التي أحب على غضب وذهبت لأرى الرجل الشرقاوي الذي يسأل عني.. عمي مصطفى.. في عينيه رأيت رجلا يلتقي بالابن الوحيد بعد غيبة طالت إلى ألف عام، في عينيه رأيت بنغازي..هي تجسدت في رجل واحد.. هي من اجتاز الزمان والمكان وجاء يسأل عن وليده.. عن حبيبه.. عن صديقه.. بكى عمي مصطفى مثلما بكيت وبكيت مثلما بكى.. قال.. جيت نسأل عليكم.. أسألكم كيف للقلب أن يحتمل كل هذا الحب.. كل هذا الحنين..؟
تلك كانت هي رحلته الأولى خارج بنغازي ولعلها كانت الأخيرة.
في إضراب الأربعين يوما عرفت رجلا آخر.. لم يكن من رجال العلم.. كان من رجال السلطة.. كان نائبا لرئيس الوزراء.. الأستاذ حامد العبيدي.. عرفته مرتين.. مرة عندما قمنا بالإضراب لتنحية بكري قدورة مدير الجامعة.. قابلته عضوا في لجنة المفاوضات وأذكر منهم شكري غانم، في تلك المقابلة ورغم اختلاف العمر والمكانة جرى جدال صاخب بيننا، كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء وكان معه نائب رئيس الجامعة ووكيلها،لم انتبه إلى أنني كنت صغيرا ولم انتبه إلى أنه كان كبيرا، تكلمت وتكلم شكري.. تكلمنا بكل ما في العقل ودون حدود.. ومرة عندما شغلت منصب مدير الإذاعة بعد ثورة الفاتح وتلك قصة أخرى لم يحن أوانها بعد.
بنغازي، فيها عرفت المعرفة وعرفت الذين يعرفون المعرفة، تعلمت منهم أبجديات الحياة ، كل ما فيها أعطاني معرفة، كل حجر وكل عطفة شارع وكل وجه وكل عربة خيل يتألق فيها وجه جميل في أمسيات الربيع الهادئة بالمدينة الوادعة،من البركة إلى شارع زوارة إلى شارع العقيب إلى شارع الواحي إلى مقهى البريد ومقهى الفردوس إلى شارع البلدية وشارع عمر المختار وسوق الظلام وما بعده وما جاوره، إلى سينما البرينيتشي إلى سينما ركس التي كانت متميزة بفخامتها ونظامها وأفلامها الأجنبية، ليس من اليسير على قلبي أن يرصد تفاصيل مدينة أحببتها ثم عشقتها ثم تولهت فيها، كانت مفعمة بالحياة وكنت مفعما بالأمل وبالطموح.. شرعت لي أفق أمومتها وشرعت لها أفق محبتي.. صرنا واحدا.. طرابلس ربتني في طفولتي وصباي وبنغازي ربتني في شبابي.. ربَّتني عند انفجار الأسئلة.. الكتب والمجلات والجرائد من كل بلاد العرب تصل في يومها وفي طبعتها الأخيرة.. كل ما يحترم العقل كان متاحا.. القراءة حرة والرأي حر مهما بلغ به الشطط، في الندوات كان صراع الأسئلة محتدما، نتعارك حتى احتراق الدم في العروق وبعد احتدام الأسئلة يبقى السلام وتبقى المحبة، حتى عندما قمنا بإضراب الأربعين يوما مطالبين بإقالة بكري قدورة مدير الجامعة وعقدنا الاجتماعات اليومية في بيتنا في شارع الواحي لم نكن نخاف لأن المحبة والسلام كانا دين الجميع، وكنت أقرأ.. حتى في أيام الامتحانات كنت أقرأ.. الدكتور علي عيسى لم يصدق أنني أعرف محمد مندور وأعرف مذهبه النفسي في تفسير النص.. الدكتور سعفان يقول يا ابني على مهلك بكره تكبر وتعرف ولم أكن أطيق الانتظار.. ولم تكن بنغازي تطيق الانتظار.. كانت تغذي ذلك الجيل بكل سبل المعرفة دون حدود ودون قيد كأنها تتوقع ما سيأتي.
بنغازي يكتب لها أنها احتضنت خلاصة العقل والمعرفة ومن هذه الخلاصة خرج جيل الستينيات والذي قدر له أن يكون جسرا لما تلاه من أجيال.. جيل ينكر عليه الكثيرون ما قدم من تضحيات لأننا نعيش في زمن النكران.
بنغازي ذهبت إليها حاملا أول قصة قصيرة أنشرها ذلك العام وحقيبة بها توصيات مختصرة من طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود أمين العالم ومحمد مندور وأحمد حسن الزيات وعبد الرحمان الكواكبي وسلامة موسى، إلى جانب توصيات أخرى من تولستوي وتشيخوف وجوركي وجوجول، توصيات جعلتني صديقا لأعلام الفكر والمعرفة ممن أضاءوا فضاء الجامعة بمناراتهم. في ندواتهم عرفت أن الحجة لا تقهرها إلا الحجة، الدكتور سعفان يقول.. الصراخ لا يعني أنك على حق والسلاح لا يعني أنك على حق، لا يستعمل السلاح إلا عسكري أو مجنون، مع الدكتور اللبان ألعب الطاولة بمقهى الفردوس صديقان نتبادل الضحك والعنفوان ثم نترافق إلى قاعة المحاضرات هو على كرسي المعلم وأنا على مقعد التلميذ، علي عيسى علمني منهجية البحث، من عثمان أمين عرفت أن الفلسفة ليست هي الحكمة بل هي شيء آخر كامن في النفس أو ما حاول أن يصيغه في كتبه بنظرية الجوانية، من توفيق الطويل عرفت أن الفلسفة هي ممارسة الحياة بمنهج عقلي، العميد الدكتور ناصر الدين الأسد أمد الله في عمره والوجه الآخر لطه حسين، التقيت به مرات قليلة،كانت المرة الأولى عندما عاكسنا زوجته ولم نكن نعلم أنها زوجته إلا عندما استدعاني مع آخرين وفي مكتبه رأيناها تقف إلى جانبه، قدمها لنا بكلمات تظللها ابتسامة ناصعة.. كان القصد فقط أن نعلم أنها زوجته، خرجنا من مكتبه ونحن نتعثر في خطانا، منذ ذلك اليوم صرنا حراسا لها، لكن علاقتي بالمعلم والصديق عبد المولى دغمان كان لها طعم آخر، كنت من تلاميذه بقسم علم الاجتماع عندما عاد من أمريكا ولعلي كنت شاهدا على حبه الأول والأخير، كنت قريبا منه وكان قريبا مني، يسميني الهندياني لأنني كنت مغرما بتسلق هضاب الجبل الأخضر عندما كان يأخذنا لدراسة حقلية أو زردة، وعندما تخرجت من الجامعة وتغير الرجال وتغير الزمن التقينا على شرف الانتماء للقضية الوطنية، عبد المولى دغمان ظلمناه وما كان علينا أن نظلمه، في فورة الغضب مني كان يحتكر الهدوء، يناقش يجادل يحاور وكل زاده كان حجته والحجة لا تحتاج إلى صراخ.. من هذا الرجل ومن هذا الصديق الغالي تأكد عندي أن الصخب يمكن أن يكون في الصمت، ومن هذا الصديق تعلمت أن من يتكلم كثيرا يقول قليلا أو لا يقول شيئا، يمشي هادئا ويتكلم هادئا، كان خجولا ومترددا عندما قدم أولى محاضراته في علم الاجتماع، كنت أجلس في الصف الأمامي وكنت أراه وكان يراني، لا أعرف كيف أحببته ولعله لو كان هنا لقال أنه لا يعرف كيف أحبني وكيف أحببته، في الرحلات الميدانية صرنا صديقين، وفي ما تلا ذلك من سنين التقينا على حب واحد .. ليبيا.
في الجامعة تعرفت برشاد الهوني وكان مسجلا لكلية الآداب،كان ممتلئا عنفوانا وصخبا وجمالا، سكنا معا في بيت واحد بشارع زوارة، عندما عرف علاقتي بالأدب والكتابة بدأ يسمعني ما كان يكتب ولم أكن أعرف أنه يكتب، ما كان يكتب من قصص ومقالات أدهشني فازددت اقترابا منه، تلك كانت بداية علاقتي برشاد الهوني وفي ما تلا ذلك من سنين التقينا مرات قليلة وعندما صدرت جريدة الحقيقة وقفنا متقابلان على خطين متوازيين، ثم شاءت المقادير أن نلتقي في بلاد بعيدة بعد ذلك بسنين، في لندن كنا نلتقي ونسهر ونتكلم ونتجادل حتى مطلع الفجر ونستعيد ذكرى الأيام الجميلة التي كنا نحسب لغفلتنا أنها ستدوم،كان ذلك عندما أسس جريدة العرب ثم عندما تخلى عنها ثم عندما أصدر مجلة توقفت بعد عدد أو أكثر.
في ما تلا ذلك من سنين ذهبت إلى بنغازي فلم أجد بنغازي.. وجدت مدينة أخرى.. سألت من أعرف ومن لا أعرف.. سألت الشجر والحجر.. قالوا أنت تسأل عن مدينة لم يعد لها وجود.. قلت هنا كان قصر المنار وهنا كان رفيق وهنا كان مقهى الفردوس.. هنا كان عبد المولى وهنا كان أبو ريدة واللبان وأبو ريدة .. هنا في هذا المدرج جلست واستمعت وتعلمت.. هنا كنت أنا وهنا كانوا وهنا كانت هي..قالوا.. لا فائدة من سؤالك فتلك مدينة ليس لها من وجود.
لا بأس .. لكم أن تنكروا حقيقة وجودها لأنكم تعيشون في زمان غير زمانها.. هي عاشت ولا زالت تعيش .. ليس في الإمكان إلغاؤها..الزمن الذي مضى هو الزمن الذي سيأتي، ذلك لأن المدن لا تتلاشى ولا تمحي ولا تزول .. كل ما في الأمر أنها تستريح قليلا عندما يضنيها المسير.. ثم تنهض..هي ستنهض.. أما أنا فيكفيني منها مستطيل صغير من أرضها..


محمد القزيري


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home