Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

حكايات (5)

"في البداية كانت الحكاية"

تطالعون في هذه الحلقة: 13- كتابات على الجدران ، 14- حاسة الذوق الفني ، 15- دقيقة

13- كتابات عـلى الجدران

أينما رحت و أينما وليت, تلاحقك الكتابات, على الجدران و الحيطان و أعمدة النور و تقريبا على كل شيء. كتابات في كل مكان بالفحم بالطلاء بالجير بالقطران بكل شيء يكتب. كتابات في السجون و المحاكم و الدوائر الرسمية حدث و لا حرج. هل ستختفي هذه الكتابات رويدا مع تزايد الفرص في الكتابة على المواقع الألكترونية, أو مع تزايد فرص حرية التعبير؟ ربما.

الكتابة على الجدران و الحيطان قصة موغلة في التاريخ و في الثقافة, فالكتابة على رمل الطريق و الحور العتيق و على جدران الكهوف هي جزء من ثقافتنا. الا ان غريبها ما نجده على الحيطان في بلادنا, في مكان قرأت "لاترموا القمامة يا بشر", و في مكان آخر "لا تلقي بفضلاتك كالحمار تاركا آثارها", و أخرى "تحشموا على وجوهكم يا عباد الله", عبارات تبدو مهذبة على عبارات أخرى, لا يخلو حائطا في مبنى عام او حديقة او منتزه او آثار من الكثير من الكتابات و في بعض المناطق الأثرية تختلط عليك الكتابات القديمة و الأثرية من الحديثة, فتظن مثلا ان روماني من عهد سبتيموس سفروس قد كتب (الحب عذاب) أو (ذكرى خالدة...) أو (حب = A+S ). توجد كتابات جدارية من الحجم الثقيل, ذات مرة استيقظ الناس على كتابات من نوع (أين أموال النفط؟) على الجدران الحامية للطريق الجبلي (الشليوني) بالزنتان, حينها قامت الدنيا و قعدت, الأجهزه الأمنية تتحسس من هذه الكتابات و تقوم بتصويرها و مسحها في الحين, و تستمر في ملاحقة هؤلاء الذين كتبوها, و لا أحد يستطيع ان يجزم بأنها كتبت بيد زنتاني, و الأجهزة الأمنية تعرف جيدا المثل الذي يقول "تغرب و دير عمايلك" و ورط الآخرين, و اذا افترضنا ان من كتبها زنتاني فهو لا شك انه يتمتع بذكاء خارق, فتشويه جدار البيت من قبل صاحبه يحدث و لا يصدق, و أجهزة الأمن المحلية غير قادرة عمليا على مراقبة طريق عام فيه ستة و ستين منعطف (كوربة) و الا احتاجوا الى كتائب لحماية الطرق (الشليونيات). و على فكرة هؤلاء الزنتان المشهورين بالشهامة و الكرم و العلم و كذلك الفكاهة (و الذين أحترمهم), هم أيضا مشهورين بالانتشار في أرض الله الواسعة, و هل يخلو مكان من زنتاني؟! و الغريب لم يفكر مسؤول ليبي أو عربي في ان يستثمر انتشار شعب الزنتان في كل مكان في ان يكونوا سفراء نوايا حسنة لبلداننا!!, فحكاية (أنك اذا اشتريت خبز تجد فيه زنتاني) يجسدها بعض شباب الزنتان حقيقة, في الثمانينات من القرن الماضي استيقظ سكان مالطا و في فاليتا بالتحديد على عبارة (الزنتان ما فيهاش قش) مكتوبة بخط واضح على سور قصير لنافورة مشهورة, معنى هذه العبارة العميق, أو البعد الثالث لهذه الكلمات, لا يفهمه الا زنتاني قح أو من اختلط بالزنتان (مثلا عن طريق الاقامة في عائلة زنتانية) و تعرف عن قرب على لهجتهم و ثقافتهم, أكيد عجز المترجمون على ترجمتها, و هي لم تمحى في الحين, بقيت كبقاء الزنتان في كل مكان, و حكاية ان يكتب اسم الزنتان في كل مكان تبدو و كأنها توصية أو وصية من جد قديم, اسم الزنتان مكتوب فعلا في كل مكان, انا أراهن بدق الوشم اذا لم يكن اسم الزنتان مكتوبا على تمثال الحرية في نيويورك من الداخل أو الخارج أو كلاهما معا مع أنني لم أزرهذا التمثال, و أراهن أيضا اذا كان لليبيا أن يشارك في رحلة للفضاء فانه سيكون زنتاني, و أول ما سيفكر فيه هو كتابة الاسم الوصية على سطح حجر في القمر أو المريخ او أي كوكب آخر, و أجزم, من الآن, أن الرجبان و العواتة و آخرين سيكذبون الخبر, عربيا "ولن تنفذوا الا بسلطان" تم النفاذ بالأمير سلطان بن سلمان (الذي لم يفكر في كتابة شيء, ربما لأنه لم يغادر المركبة التي نقلته, و خوفي انه كان في حالة لاوعي, عموما هو لا يحمل نخوة الزنتان التي اكتسبوها من عيشهم بين الجبل و الحمادة الحمراء), الملفت للنظر ان اسم الزنتان تجده أحيانا مقرونا باسم المشاشية أو الرياينة أو الرجبان أو يفرن أو جادو أو حتى غريان كتعبير من هؤلاء الجيران للزنتان ان ها حتى نحن و صلنا الى هنا!, فاذا كتب لمشاي أو رياني (و هذا مستبعد, و ليس مستحيل, مع احترامي للمشاشية و الرياينة) ان يشارك في رحلة للفضاء فانه لن يبتعد عن الحجر الأول, و ستكلفه كتابة الكلمة الطويلة كثيرة الأسنان و النقط و ربما ستكون مجازفة, هنا غريان, هنا الأصابعة من بعد.

لو دخلت الى دورة مياه (كما يحب ان يسميها البعض) عامة لوجدت كتابات على الجدران, ذكريات (و قالك خالدة), حتى الجدران المغلفة بالبلاط الحائطي (الميولكة) استطاع طويلي القامة أو من وقف أعلى المرحاض من كتابة ذكرياتهم على المساحة العليا الغير مغلفة بالبلاط, ذكريات و سب و شتم حتى في مراحيض المساجد, منهم من كتب بعض الحكم و الخواطر و الأشعار. أنا شخصيا و دائما أحاول الخروج من هذه الأماكن بسرعة لأبتعد عن الروائح الكريهة و لأتفادى ميكروب معدي أو فيروس قاتل, و أتعجب لهؤلاء الذين يقضون وقتا طويلا في الكتابة. حدثني صديق (مرعوب أكثر مني من انتقال الأمراض) أنه لا يدخل الى هذه الأماكن العامة الا مضطرا, و اذا دخل فانه يحاول ان لا يلامس جسده شيء مما فيها, فهو يرتكز بقدميه فوق المرحاض (السوري) ليقضي حاجته, و ليؤذى حذاءه و لا يؤذى خصره (ترمته), أو يضع بعض الجرائد فيقضي فيها حاجته أرضا (يلعب أرضي) على الطريقة البدائية ثم يرمي بكل شيء في المرحاض, يشغل الطرد بواقي على يده و يفتح الباب بمرفقه عند الخروج. أني لا أنكر أنني حاولت مرات (عندما كنت مراهقا, و يبدو أني لازلت), حاولت ان أكتب و أرد على الكتابات على جدران دور المياه (ان صح التعبير), فرفض القلم الذي كنت أستعمله كل مرة الكتابة بهذا الشكل العمودي, و فكرت في ان احضر قلم رصاص او خطاط في كرة قادمة, لم تأتي بعد.

هناك كتابات أخرى شبه رسمية تملأ الحيطان و الجدران و قوارع الطرق, المقولات حدث و لا حرج, يقول أحد الكتاب عن طرابلس, ما معناه ان لو نزعت تلك المقولات و الصور لما عرف طرابلس و يتوه فيها, و أنا اقول كذلك, هل يتذكر الناس في فترة ما قامت الأجهزة الأمنية بتشويه و طلاء كل لوحات الارشاد على الطرق؟ و صار من يريد ان يذهب الى ترهونة يجد نفسه في هون؟ (و علاش لا؟ و ما الفرق بين ترهونة و هون الا حرفي التاء والراء؟!!), الفكاهة (النكتة) تقول ان ترهوني دخل الى حمام فخرج هوني, يبدو أنه تخلص من حروف التر, تر و كتب و خرج. طرابلس هذه متاهة للغرباء, عليهم ان يجوبوها شرقا و غربا, شمالا و جنوبا بدون خريطة و بدون دليل, و من خلال طريق واحد سريع (سريع في غير فترات الذروة), العلامات الدالة كلها تمويه في تمويه, حتى صعود أسطح المباني العالية في طرابلس تعد من الممنوعات, في حياتي أتيحت لي فرصة واحدة أن أتطلع الى طرابلس من أعلى (من فوق) حينما اصطحبني أحد الاصدقاء ليستلم التأشيرة الانجليزية من السفارة البريطانية في الدور الثامن و العشرين من برج الفاتح, و حين شاهدت المدينة من أعلى شهقت و بدى لي بمرور السحاب أن برج الفاتح يهوى بي الى باب العزيزية, الذي لم أتطلع له بهذا التفصيل من قبل, لطالما شاهدت أسواره من كل الزوايا دونما تقدير للمساحة و المحتويات, الأمريكان و في أشد فترات العداوة كانوا يملكون خرائط دقيقة لطرابلس, أما نحن و أهل طرابلس علينا أن نكتشفها هكذا بالتجربة و السير, و المثل يقول (اللي يخف راسه يتعبوا رجليه) و بتعديل المثل لمواكبة العصر يصير التعب و الكيد على العجلات و على خزان وقود المركبة التي تسير. منظر البحر على اتساع مساحته مخطوف, اما بسياج لو انخفض قليلا أو ارتفع قليلا لتمكن المار على الأقدام أو في مركبة من مشاهدة البحر الجميل, و أما بأسوار مرتفعة و مسيجة بالأسلاك الشائكة, أينما وجد تنوع تضاريسي بحري جميل تجد معسكر يقل لك للوراء در, أو تجد كسارة أو مصنع (مقطع بلك) و أحيانا تجد مستودع (رابش) تربض فيه السيارات المتهالكة و المكدسة لتمنعك من رؤية البحر (هذه الأماكن تبدو مزارع خصبة بالنسبة للكلاب الضالة بالمفهوم العام لا السياسي), و يبدو لك لا و جود لبحر في بلاد تملك الفين كيلومتر ساحل بحري, فكرة تغطية منعطفات الطرق نجحت بجدارة هنا في تغطية ساحل بهذا الحجم.

الملفت لنظر الأجانب في طرابلس (و في كل مدينة في بلادي) ان الناس تعارفوا على أسماء للشوارع الرئيسية بشكل غير رسمي, تم تغطية كل أسماء الأعلام و المشاهير و صرنا نعرف أسماء لشوارع بأرقام (مثل شارع عشرة), و مع اننا ربما الدولة الوحيدة الفريدة في العالم التي لا تمتلك رموز بريدية و أسماء لكل الشوارع و ترقيم بيوت, مع ذلك نتوه و لا نضيع, في الخارج أحرج سؤال لمواطن ليبي ان يسأل عن عنوانه!! في الداخل, شخص لديه صندوق بريد يعتبر شاذا في عدم و جود بريد متداول, بلادنا تمتلك شركة بريد و اتصالات تسير بقدم الاتصالات فقط, البريد الرسمي ينقله المواطن , صاحب الشأن من ادارة الى أخرى, أما محصلي رسوم الخدمات من كهرباء و ماء و هاتف (باستثناء الغاز الذي ينقل على ظهور البهائم) فانهم لم و لن يخطئوا العناوين, يبدو ان لديهم نظام عنواني مشفر, و ربما هؤلاء المحصلين يقومون بتوزيع الفاتورات بنفس طريقة (اللي يخف راسه), أما ان يدل أحدهم على عنوانه فهذه ليست صعبة في وجود النقاط الدالة (يمين, يسار, مشرق, مقبل, العلوة, الوسعاية, المطب, النخلة, الشجرة, البالو المعوج, السيارة الخردة, نهاية المقطرن, شخص متكيء على حائط, شيابين يلعبوا في السيزا, نهاية السور ...). ولم نسمع بمن خرج و لم يعد, الكل يجد مكانه "بالنعتة اللي تدل الذاهب".

عودة الى الكتابات, فتوجد الكتابات التجارية و الدعائية و الخدمية من مثل (لحام مراميط) و (تنظيف رادياطوري), (كربراطوري), (فازيللي), (بانكو و بيللي), (تعديل فيلا فازي), (قميستي), (سكليستي), (تعديل رصاص), (تعديل صماييص), (تعبئة مازاطوريات), (تعديل بنتيني), (خراطة جبة), (خراطة تستاتا), (تأجير خيام أفراح و مآسي, تأجير قدور, كراسي, طواسي, منادير, بنادير, أسراب ضي, غسيل جاف, تنشئة ارداوات, اضافة جيوب فرامل, أضافة جيوب سرية للملابس التحتية, تغليف, تكفيف, صيانة أجهزة, تركيب أجهزة انذار, كمرات مراقبة, قطع غيار أصلية و مقلدة و مستعملة و منتهية الصلاحية, حماية حديدية, فولاذية, خرسانية, أقفال, طبع مفاتيح, سمكرة, حلاقة, زواق, خياطة, خراطة, تقريص, تفقعيص, تبعبيص...الخ....كل شيء مكتوب هكذا) مثل هذه الكلمات و العبارات تكتب بخط سيء, مبعثر, خارج عن السطر, و بمواد مثل القطران و الزيت المحروق و (القراصو) و الطلاء القاتم, أسماء محلات, يافطات, دعايات لمنتجات أو خدمات أخرى تكتب بخطوط سيئة و في غياب (spelling check) أو تدقيق املائي فاتها لا تخلو من أخطاء املائية (أخطاء زي الرز), هي مثال للتلوث البيئي, و الفني و اللغوي بالتحديد, أكيد أساتذة و مدرسي الفنون و اللغة العربية منزعجون أبدا من هذه الكتابات و من هذه الأذواق, الكتابة العامة و الذوق العام يهتم بها في مجتمعات أخرى لأنها في النهاية هي وسائل تعليم و دروس ذوق للنشيء. الله يكون في عون المهتمين بقضايا الذوق و اللغة و التعليم و النشيء في بلادنا.

بعض الأسماء مربوطة ببعض المناطق, اذهب الى زوارة مثلا, تجد: مقهى الجزيرة بل أكثر من مقهى للجزيرة, و فندق الجزيرة, و نادي الجزيرة, و مطاعم الجزيرة, و مدرسة الجزيرة, كل شيء الجزيرة و تعتقد للوهلة الاولى انه ثم علاقة ما تجري بين زوارة و دولة قطر او بين زوارة و قناة الجزيرة, مع أن هذه الأسماء هي أقدم زمنيا بكثير من تاريخ انشاء تلك القناة و ربما أقدم من استقلال قطر اذا مرت قطر بهكذا استقلال, السر و حيث توجد غرب زوارة جزيرة فروة التي تبدو يتيمة من حيث العدد و الاهتمام بها سمي كل شيء عليها, و ربما تم ذلك حفاظا على هذه الجزيرة من ان تخطف من أهالي زوارة الذين يحبونها و يعتبرونها رمزا لوجودهم على ضفاف المتوسط. في مدينة صرمان قلما تجد مكانا لا يحمل اسم الربيع نسبة الى مهرجان الربيع الذي يقام في البلاد مع كل ربيع, و هذا يبدو منطقي. في منطقة جنزور كل شيء يسمى باليرموك, من نادي اليرموك الى مقاهي اليرموك و محلات اليرموك, مركز اليرموك الصحي, و مركز شرطة اليرموك, و معسكر اليرموك و مخبز اليرموك, و اليرموك للذهب و الفضة, و اليرموك للحلاقة, و اليرموك للتصوير, كل شيء يرموك اليرموك, قل اليرموك و لن تخطيء في جنزور, حتى و لو قلت سينما اليرموك أو مسرح اليرموك أو جامعة اليرموك أو ملهى اليرموك أنت محق كلها موجودة!!! ما علاقة اليرموك اليرموك بجنزور؟! أنا لا أعرف!!. في زليطن لو سمي كل شيء باسم الشيخ (عبدالسلام الأسمر, تستور و البركة), يبدو منطقي. في تاورغاء و التي تبدو المباني فيها حديثة (العهد) على جوانب الطريق, خاصة بعد تحول سرت الى شبه عاصمة (أو ماذا أسميها؟ عاصمة؟ لا أدري!!) في تاورغاء كل شيء يسمى بالنهر, مقهى النهر و مطعم النهر و استراحة النهر و محطة و قود النهر ووو... و حدثني صديق عن تعجبه في اختيار اسم النهر في منطقة سبخية صحراوية قاحلة, و عندما خمنت ان المقصود بالنهر الصناعي الذي يمر تحت أرض تاورغاء في اتجاه الغرب ابتسم و ضحك (و قهقه) صديقي و قال (لو تسمع الأنهار تندلف في البحار!!) و هي أصلا مندلفة, و فرح بأن وجد لحيرته وعلته سبب. في سبها أغلب الأشياء تسمى على القلعة, تلك القلعة الممنوعة من الصرف و الممنوعة من الدخول حتى على أهاليها, لو زرت سبها لاستهواك الصعود الى تلك القلعة التي هي من أجمل ما يوجد في سبها, و لمنعك الحراس حتى من الاقتراب منها, قلعة سبها و هي ارتفاع طبيعي في أرض مستوية مثل الشجرة الملعونة في الجنة, لم أرى في حياتي مكانا مرغوبا و ممنوعا مثل قلعة سبها, كل من زار سبها من محليين و عرب و أجانب غادر سبها بخفي حنين (عاد ب: خليها تاكلك) كل شيء و لا القلعة (عدي لفندق القلعة و مطعم القلعة و سوق القلعة و حتى حمام القلعة (برد فيه), أما القلعة نفسها صقع), صدقني ان من يزور سبها و يرى القلعة و يمنع من زيارتها يكره سبها تلك الواحة بل المدينة الجميلة و يقرر مغادرتها, منع القلعة قد يكون سببا رئيسيا في هجرة بعض السبهاويين من سبها, لم يفكر مسئؤل في سبها أو في الدولة من نقل الحامية (المعسكر) الى أرض الله الواسعة (و منتهى السفرتح), لم يفكر أحد في بناء برج أعلى من القلعة ليراقب سبها و ناسها و يترك القلعة للسواح و للفضوليين مثلي. لا لا لا قلعة القاهرة لا تأبى الا ان تودعك مقهورا مدحورا, حتى و ان كانت نياتك سياحية و فضولية بحثة, قلعة القاهرة بسبها تقول للجميع: للوراء در!! الأمثلة على ارتباط أسماء بعينها ببعض المدن و المناطق كثيرة, في البيضاء كل شيء أبيض و في الخليج البرق الخاطف و النجم الساطع, في ترهونة الشرشارة, و في غات قلعة أخرى ممنوعة (و على فكرة كل مكان مرتفع في بلادنا فهو ممنوع, اما بسبب ارتفاعه و اشرافه على كل ما هو واطيء, و اما بسب تواجد الحاميات و الهوائيات و مراكز البث و المراقبة التي يمنع من الاقتراب منها, مطلوب من الجميع ان يلعب أرضي), في سوسة كل شيء يسمى على الآثار و في درنة أغلب الأشياء تسمى على الشلال بما في ذلك الفرق الفنية و الأنغام.

التعبير و الدعاية بدون استعمال الكلمات شيء آخر, منهم من يقوم بتعليق رؤؤس أو أحشاء أو قطع للحيوانات من أبل الى بقر الى غنم الى ماعز الى دجاج و غيره عند أبواب محلات بيع اللحوم, تفنن البعض في ملء أفواه الحيوانات بالخضراوات أو غيره (المعدنوس, الفجل, السفناري, البصل, السجائر الخ..), و أغلبهم فشل في القضاء على الديدان و الحشرات و الذباب الذي تطاير و تكدس و أنتج البيض و اليرقات و حتى الشرنقات فوق الرؤؤس المقطوعة بدمها المتقاطر, و هذه المناظر طبعا تسد النية في أكل لحم الرأس و الأحشاء و اللحم كله و تجعلك في ان تفكر ان تعيش نباتي و ينحل جسمك حتى تصير مثل غاندي (متاع) الهند. الرسومات الغير فنية هنا و هناك أظهرت جملا بحجم القنفود, و جملا اعتقده البعض حيوان اللاما الأفغانستاني, و الذي صار يربى في مزرعة للدولة في منطقة بئر الغنم ليجعلك تتساءل عن علاقة منطقة بئر الغنم بأفغانستان!, هذه قصة أخرى!!. أحيانا تجد الرأس رأس ذكر ماعز (تيس, عتود, عتروس, هكي طول قرونة), و الجلد جلد كلب بأرجله و أظافره و ذيله (يدرجح, كمان, على قول المصريين, و الدعاية ربما تستهدف المحليين و جماعة شرق آسيا-ان صحت الرواية-في آن معا), و اللحم لحم ضأن (يقولك: خريف حليب وطني), مسكين هذا الوطن!! بعض الرسوم أوحت للبعض بأن بعض القصابين يبيع لحوم البغال و الحمير, و بهذه المناسبة أطمنهم, لأن البغال و الحمير صارت من الحيوانات الآيلة للانقراض في بلادنا, منظمة الأمم المتحدة و منظمات حقوق الحيوان و حماية الحياة البرية وغيره ربما لا تعلم بان البغال و الحمير في ليبيا قريبا تلتحق بقائمة الغزلان و الودان و الحيوانات الأخرى التي انقرضت, أعرف صديقا أشترى حمارا من تونس بثمن غالي, فهي في ليبيا أغلى بكثير من ان يباع لحمها بثمن الفعود أو الضان, خاصة عندما يتم جمركتها في الحدود. أحدهم رسم على محل لبيع العسل نحلة بحجم دبور, و سألني أحد الأصدقاء الأجانب ما اذا كان في ليبيا يباع عسل دبابير!! (نعم في ليبيا يباع عسل دبابير و عسل من .... البوزنان كمان, هكذا كانت اجابتي), البعض يبيع أكياس من تربة و حصى الوديان قيل أنها تستعمل لأحواض سمك الزينة, و الذكي من يبيع أكياس مياه حنفية مدعيا بأنها تحتوي على أسماك شفافة, أسماك غير مرئية, يشتريها البعض و يربيها (و طبعا تبيض و تلد و تفطم داخل الأحواض, و يتم بيع صغارها و تتم دائرة التناسل و التوالد مرارا و كذلك البيع دون ان يراها أحد) مع العلم ان هذا النوع من الأسماك لا يحتاج الى غذاء غير الذي يتناوله من الماء, عجائب!!. نعود الى الكتابات منها ما يبدو غريب و دعائي بشكل مسرف: (لحم قعود سوداني), (خياط سوداني درجة أولى), (كهربائي مغربي), (يوجد لدينا أسطى باكستاني), (أسطى ملعقة سنغالي), (يوجد لدينا حب سود موص رسل صلعم!!؟), (هناء تاجير بدل افرح). بعض الكتابات غريب و فعلا يستوقفك لتفكر و تتحير, من أمثلة ما أستوقفني: سوق دمشق, و سوق دبي, و ورشة بغداد, سمرقند, بخارى, (محلات بلاش!!), هذه الأسماء قد تبدو عادية, أحدهم مكتوب على واجهة بيته و بخط كبير واضح بالبلاط الحائطي و الحجر الفرعوني (مشاء الله) بدل (ما شاء الله), غير قابلة للتغيير (الا بمسح الحائط كلية بجرار), أكيد نفذ هذا العمل الفني اللالغوي شخص (أسطى, و راح على حاله), ليبقى الأثر مؤلم لي و لجماعة اللغة العربية و جماعة الفنون الجميلة. سقوط نقطة من حرف التاء بفندق "قوز التيك" بمصراته, اضطر بعض أولياء الأمور ان يتفادوا المرور من أمام الفندق بصحبة أبنائهم و بناتهم, أما "حلاق لبنان المستقبل", اسم حتى في لبنان لا أعتقد و جوده, كلفني التفكير في هكذا أسم الى ان أذهب لهذا الصالون و بعد ان مضيت دهرا أحلق نفسي بنفسي, كلفني ان أحلق عنده, و فتحت حديث مع الحلاق المصري و تظاهرت بصداقته ليبوح لي بالسر, سألته ما اذا كان قد عاش في لبنان و نفى ان تكون له علاقة بلبنان و لا بحركة أمل و لا بحزب الله و لا التيار القومي و لا تيار الأكثرية و لا تموز و لا شباط و لا جنبلاط!!! و سألته مباشرة عن سر التسمية, فأبتسم و قال انه جديد على المحل (فقط ثلاث سنوات يحلق في هذا المحل و لا يعرف سر تسميته!!) و مع حضور صاحب المحل تبين ان صاحب المحل بالكاد يعرف ان عاصمة لبنان هي بيروت, و ان نهر الليطاني هو نهر (غادي) أو فوق الحنوب, هذا بالنسبة لنا نحن الذين نعرف لبنان على الخريطة و ننظر لها بعيون اسرائيلية ربما غير بريئة, كما ننظر الى بلادنا بعيون أفريقية بريئة, و نعتقد ان طرابلس أعلى من سبها بالرغم من ان سبها تبدو أعلى على مستوى سطح البحر, لا نفكر أبدا في جر مياه نهر من أفريقيا لأنه يبدو على الخريطة مستحيل, و أكثر تلاميذنا يظن ان نهر النيل من المتوسط يصب في بحيرة فكتوريا, أما بالنسبة للبنانيين فان نهر الليطاني هو أدنى (جاي) من الجنوب. عموما سألت صاحب المحل عن سر الاسم, و أجاب انه اسم هكذا تم أختياره صدفه و رد علي بسؤال ألم يكن الاسم جميل؟!! و سألته اذا ما شغل أو اشتغل لبناني في محله و أجاب بالنفي!!, يا الهي, ما علاقته كمحترف حلاقة شعر بمستقبل لبنان؟ من أوعز لهذا الشخص الجفائري (نسبة الى سهل الجفارة) الذي لا يفهم في السياسة بهذا الاسم؟ الله أعلم.. هكذا, لبنان المستقبل!!.. فلا تتعجب أخي القاريء أختي القارئة ان وجدت محل باسم عراق المستقبل, أو حركة ايتا المستقبل أو حتى هنودحمر المستقبل لأنه في بلادنا الأسماء هكذا تأتي صدفة مثلما يأتي الماعز (المعيز) المالطي و القبرصي و اللاما الأذربيجانية (بعيدا عن أفغانستان) و ربما قريبا الباندا الصينية و الرنة و الدببة القطبية, و الكلمات هكذا تكتب ارتجالا. في سوق الثلاثاء بطرابلس صاح أحدهم و هو يحمل في يده قنينة (بخاخ) طلاء, و سأل عمن يعرف يكتب, فانطلق اليه أحدهم, و طلب منه ان يكتب على الحائط (ورشة حدادة لجميع أنواع الأبواب و النوافذ و الأقفاص و الحماية) فكتب بخط ركيك غير متبع للسطر الافتراضي (ورشت حدد لجمع نوع البواب و نوفد و قفص و حميه) و لم يرفع الحائط الا ان الطلاء جف.

* * *

14- حاسة الذوق الفني

(لا تنشديني نحبك لا.. لا تنشديييييني.. لا تناقشيني لا لا لا.. لا تكلمييييني.. لين تعرفي ليش قلبي.. لقلبك يميل.. لين تعرفي يا حبي.. هذا الدليييييل.. هذا الحب بعينه.. هذا الدليييييل.. أكبر دلييييل.. لا تنشديني لا لا لا, (ترد الفرقة): أه دليله جاه يدور على حبه و دليله جاااااااااااه آه دليييله جااااه), نعم هذه كلمات لأغنية ليبية, تذاع على الهواء و عبر المسموعة و المرئية الأرضية و الفضائية مرارا, هل تجد أخي القارئء أختي القارئة معنى لهذه الكلمات؟, أم ان المشكلة عندي أنا الذي لا أفهم في معاني بعض الكلمات؟ هل من عاشق يجيبنا ما اذا كانت هذه الكلمات مناسبة لأن يقولها لعشيقته؟ قفل باب الحوار و السؤال من البداية محير, ثم وصف الدليل بأنه الأكبر هو بالنسبة لي منتهى الحيرة!! و اذا كانت المشكلة مشكلتي فلماذا أنا أطرب و أردد أغنية من مثل (طول عمري مخلص يا غالي.. قلبي و روحي معاك.. من غيرك ما عندي والي.. في الدنيا يسواك.. أرجع صافيني.. ليش تجافيني.. و انا نهواااااااك)؟. الأمثلة كثيرة, هذا مثال آخر: (سمراء جيتي بعيييده.. دونك بلاد الجريييده.. سمراء و صلك محاااال.. سمراء ليش الدلاااااال.. سمراء ليش الجماااال.. عيشي بروحك وحيدة.. عييشي برووحك وحيدة)؟!! بلاد الجريدة هذه مناطق الجنوب, هل يسأل عشيق معشوقته بلماذا الجمال؟ و يدعها وحيدة؟ الكلمات كلها غير ذات معنى بالنسبة لي, و مهما هبطت الأغنية فلن تصل الى هذا القاع من الحضيض, يبدو لي أن كاتب هذه الأغنية جيء به مكبلا فجرا من منامه و قبل ان يحلق ذقنه و يغسل وجهه و يتناول افطاره أو حتى يغير ملابسه, فرض عليه ان يكتب قصيده يمتدح فيها السمراء الأفريقية (حسب التوجه) و في أسرع وقت و كان الملحن جاهز و موزع الموسيقى و الفرقة (جيء بهم بنفس الطريقة) و تم التسجيل دون حضور عاقل و لا فنان و لا متذوق وتمت العملية مثل ما تتم عملية اغتصاب. و يا خوفي اذا ما كانت المشكلة عندي أنا و أكون قد فقدت حاسة التذوق الفني!!!

* * *

15- دقيقة

في صباح أحد أيام الشتاء الباردة و المنعشة في طرابلس, كانت تنبعث رائحة (الهامبورقة) من أحدى المحلات.
- أه.. يا سلااااااااااام, (ههمبورقة) و عصير, كافطار قبل العمل (حاجة ما تفسدش)..
- لو سمحت ممكن (هامبورقة) و عصير (و النبي فلفلها)..
و ما أن استلمها حتى ناداه منادي
- دقيقة يا شاب
- معلهش خلي نكمل (الهمبورقة) و نجيكم..
- دقيقة بس نشوفوا أوراقك و بعدين ترجع ل(همبورقة)ك و تروح على حالك..
بعد 14 سنة من التجنيد الاجباري و المشاركة في الحروب, عاد الى نفس الشارع و الى نفس المحل يتشمم رائحة (الهمبورقة) فوجده منشأة لبيع القرطاسية.

* * *

وإلى حكايات قادمة أستودعكم الله.

البشير بن محمد
albashirm@hotmail.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home