Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قضية الإخوان : الانبعاث.. السجن والإفراج (2)

" وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً " (1)

الصدفة وعـمليات القبض

تمهـيد

ذكرنا في الحلقة السابقة نبذة مختصرة عن تاريخ حركة الإخوان المسلمين في ليبيا ونشأتها، واستخدمت في هذا الصدد مصادر الحركة وأدبياتها، حتى أكون منصفاً ومحايداً قدر المستطاع، ورأينا كيف أن الحركة بدأت بموافقة السلطات الملكية ومباركتها، مع دفئ خاص في علاقة الحركة بالمرحوم إدريس السنوسي رحمه الله، وكيف استضاف هذا الأخير الإخوان المسلمين في قصره بعد هروبهم من مصر إثناء عهد الملك فاروق، وبحسب رواية الإخوان المسلمين أنفسهم(2)، ورأينا كيف أن الحركة لم تخلق تياراً شعبياً لها، ولم تتخطى حدود بعض العناصر القادمة من مصر وتلاميذهم، رغم الحرية الحركية والفكرية التي كانت تتمتع بها دون غيرها من الحركات السياسية الأخرى في العهد الملكي، والتي استطاعت اكتساح المجتمع الليبي بكل فئاته رغم التضييق والمحاصرة(3). ثم تحدثنا عن الثورة الثقافية في سنة 1973، وسجن العديد من قيادات الإخوان المسلمين وخروج البعض الآخر بحثاً عن النجاة في ديار الله الواسعة(4).

في عام 1995 حدث انشقاق الطرابلسي وآخرين عن حركة الإخوان وتكوينهم التجمع الإسلامي والذي لم يصمد كثيراً، ووقع العديد من منتسبيه في قبضة الأجهزة الأمنية، ورافق هبوطه ضربة موجعة لحركة الإخوان المسلمين، إذ اعتقل العديد من كوادرها وهاجرت أعدادُ أخرى، والتي كونت فيما بعد الجماعة الإسلامية في المهجر(5)، وبعد هذه الأحداث تولى قيادة الحركة في الداخل وجوه شابة ذات تعليم عالي أثبتت وفي فترة قصيرة نقل حركة الإخوان المسلمين من إطار النخبة إلى رحاب شعبية أوسع، فأصبحت وبدون منازع الحركة الشعبية الوحيدة في ليبيا ذات الحضور الجماهيري الواسع من شرق ليبيا إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، بمنهاج وسطي محدد المعالم، لا يفرط في الثوابت ولا يقفز على الواقع.

اعـتقالات 1998

شهر حزيران – يونيو، من الأشهر الساخنة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ولكن حرارته كانت اشد، في عام 1998. ففيه أُلقي القبض على حوالي 152 ليبياً، بتهمة الانتماء لحركة الإخوان المسلمين المحظورة. لم يكن مستغرباً في ليبيا أن تتسرب معلومات عن اكتشاف خلايا حزبية محظورة وإلقاء القبض على منتسبيها الافتراضيين أو الفعليين وفي العادة لا يكترث العامة بذلك، وإنما الغرابة في الزلزال الغير متوقع و الذي أحدثته هذه الاعتقالات على المستويين الشعبي والحكومي والتي شملت هذا الكم من ذوي الخبرات المهنية والعلمية ومن جميع ربوع الوطن، وكان من ضمن هؤلاء المعتقلين عدد من المهندسين والأطباء والاقتصاديين المتميزين، وكذلك أعداد كبيرة من أساتذة الجامعات وطلابها، و الغير معروف عنهم أي توجه سياسي أو معارضتهم للنظام.

لقد كانت الاعتقالات صدمة كبرى للنظام والشعب على حد سواء، فكانت أسباب النظام أن هؤلاء الشباب من صفوة المجتمع المتميزة مهنياً وخلقياً، ومن ثم لا يستطيع أن يصفها بالأوصاف التي كان يكيلها لمعارضيه في السابق. ومن أسباب صدمة النظام وأجهزته الأمنية كذلك هو نجاح هذه الحركة في استقطاب خيرة الشباب المثقف إلى صفوفها وأمام ناظريه رغم حملات القمع الفكري والسياسي التي كان يمارسها ولا يزال. لقد فاقت صدمته هذه تلك الصفعة التي حدثت إثر محاولة أكتوبر 1993، إذ ولأول مرة تخترق حركة سياسية حاجز الخوف وتصل إلى أعماق العقل الوطني وتظم إلى صفوفها عناصر أكاديمية ومهنية لها حضورها الوطني و على رأس مؤسسات النظام نفسه كمركز البحوث الاقتصادية، ولم ترتكب هذه الحركة أي جريمة قد يتذرع بها النظام وأجهزته الأمنية فيقمعها، بل كانت مسالمة لدرجة يصعب معها تبرير أي عمل انتقامي من هذه الأجهزة كما كان في السابق، وفي نفس ألقت فإن الظروف الدولية والمحلية لا تسمح بممارسات الماضي بل تخطته.

وأما صدمة الشعب فتكمن في إلقاء القبض عل نخبة من أبنائه، لم يعرف عنهم استخدام العنف أو الدعوة له، وكانوا من المجدين والمتفوقين و من ذوي الشهادات العالية والتي انفق عليها الكثير من الأموال ويعول عليها قي تنفيذ خطة تنموية طموحة في المستقبل (عندما تكون هناك خطة) . وكان خوف الناس من تفريغ المجتمع من خيرة أبنائه المشهود لهم جميعاً بالوطنية والاستقامة والتفاني في العمل بغض النظر عن توجهاتهم السياسية والفكرية.

كيفية اكتشاف الحركة

كان للصدفة دورها في الكشف عن أسرار الحركة، إذ لم تكن هناك أي خيانة، ولا يقظة الأجهزة الأمنية وشطارتها، ورغم الحيطة والحذر كانت مشيئة الله أن يتباطأ نهر الخير وتحبس تدفقه أحجار الصدفة وحطب الاجتهادات القاصرة للبعض عن غير قصد، فمنعت الأقدار الأستاذ من ألقاء الدرس وعلق الطبيب سماعته ولم يطرح المهندس خرائطه، وفوق ذلك تعطل مشروع الإصلاح الذي كان يمخر عباب المياه الآسنة لبحر الاحتقان السياسي والاقتصادي الليبي ، وخلت الساحة الليبية من حركة فاعلة ولو مؤقتاً، وما على الله ببعيد. الصدفة وحدها كانت بالمرصاد لحركة الإخوان والصدفة وحدها التي كشفت أمرهم. اشرنا في السابق إلى عودة بعض الأعضاء المؤهلين من الخارج في فترة صعبة من تاريخ الحركة، ورغم ثقافتهم العالية وإيمانهم بمبادئ الحركة، فإن خبرتهم القيادية محدودة وبالأخص النهوض بأعباء العمل السري في الداخل ومصاعبه، ولكن للضرورة أحكام، وأحكامها هذه المرة هو الفراغ في المراكز القيادية العليا والتي حدثت مؤخرا وكما أسلفنا سابقاً. ألحت قيادات الحركة في الخارج وبعض الكوادر في الداخل(6) على هؤلاء العائدين حديثاً على قبول الأمر الذي رفضوه في البداية، و بعد عدة لقاءات و مداولات، وجدوا أن من الأفضل للحركة والوطن، تحمل المسؤولية كاملة واكتساب الخبرة من خلال العمل الحذر، وتسلم هؤلاء الفتية مشعل القيادة على مضض.

لم تضيع القيادة الجديدة الوقت ، بل بدأت على الفور في تحمل الأعباء ووضع برنامج عمل جديد للحركة والذي يشمل الدعوة و الاستقطاب و حماية العمل السري( الذي لم يتعودوا عليه في الخارج)، و منتسبيه من الوقوع في أيدي الأجهزة الأمنية.

وفي مراسلة من احد الإخوة المعنيين(7)، في الداخل، والذي أطلق سراحه أخيراً، أعلمني فيها بأنهم كونوا فريق عمل متكامل لوضع هذه البرامج والطموحات موضع التنفيذ، والتي تتكون من:

1. الدراسة المستفيضة للظروف المحلية والإقليمية والدولية.
2. التركيز على الدعوة للفضيلة وتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي.
3. الاستفادة من تجارب الإخوان المسلمين في الأقطار العربية الأخرى، وخصوصاً في تنفيذ برامج اجتماعية واقتصادية، ودراسة هذه التجارب ومدى ملائمتها للواقع الليبي.
4. التركيز على أن الحركة ليست بديلاً للآخرين ولا تسعى لتغير السلطة بالقوة ولكنها تؤمن بالحوار بين ألوان الطيف السياسي بما فيه النخب الحاكمة.
5. الإقرار بالتعددية السياسية والفكرية في ليبيا.
6. التأكيد على سلمية الحركة ونبذها للعنف وعدم حمل السلاح لتحقيق مكاسب سياسية.
7. عدم استفزاز النظام أو الدخول معه في أي نوع من الصراع بل تشجيعه على تبني مشاريع الإصلاح بما فيه خير البلاد والعباد.
8. التعاون مع جميع ألوان الطيف الليبية وتشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي، والتعاون مع الآخرين في هذا المجال بما في ذلك أقطاب النظام.
9. تفعيل ألاستقطاب واستخدام منهج الإخوان في ذلك مع توخي الحذر والحيطة.
10- البقاء داخل الوطن وتشجيع الآخرين على الرجوع إلى ارض الوطن إن كان ذلك ممكناً.

الواقعة

ويستمر الصديق المفرج عنه في سرد الأحداث في رسالته القيمة والتي أذن لي بنشرها قائلا" إثناء تفعيل استقطاب وضم الأعضاء الجدد،فاتحت مجموعة بنغازي أحد الأخوة بغية ضمه بعد أن توسمت فيه الخير، دون الالتزام بآلية الحركة في هذا الخصوص، واعتمدت في ذلك على الاجتهاد الشخصي والذي بانت خطورته على الحركة برمتها في ما بعد عندما وقع هذا الأخ في قبضة الأمن ووجهت له تهمة العضوية في تنظيم جهادي فأنكر التهمة وتحت طائلة التعذيب البدني، ولإثبات حسن النية أفاد بعلمه وجود حركة للإخوان المسلمين ومعرفته الشخصية لبعض أعضائها.

تلقفت الأجهزة الأمنية هذه الأسماء وثم القبض على عدد من الطلاب وصغار الموظفين في اقصر وقت، وإثناء استجوابهم وتحت طائلة التعذيب اعترف هؤلاء الإخوة بوجود تنظيم للإخوان المسلمين وعضويتهم فيه ، عند مداهمة عدداً من البيوت ثم مصادرة عدة وثائق تخص التنظيم وتدل على خيوطه مما وسع دائرة الاعتقالات في كل من مدينتي بنغازي وطرابلس وغيرهما من المدن الليبية، وشملت هذه المرة عدداً من القيادات وعلى رأسها الأخوين د.عبدالله عزالدين المراقب العام السابق للجماعة ونائبه د. سالم أبو حنك."

لم تخفي قوات الأمن حنقها وكذلك تخبطها بعد أن تأكدت من وجود هذا التنظيم القوي، فصبت جام غضبها على المعتقلين الذين كانوا في حوزتها، وذلك بالضرب على الأرجل واللكمات واستخدام الألفاظ النابئة من اجل تحطيم الروح المعنوية للمعتقلين والحط من كرامتهم الإنسانية، ولم تحترم مكانتهم العلمية والاجتماعية ولم تلتزم بمبدأ أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وكان من الصعب على هذه الأجهزة التستر على هذه الاعتقالات وعدم الإعلان عنها نتيجة للأعداد الكبيرة من المعتقلين ومكانتهم العلمية والوظيفية.

هذه قصة اكتشاف حركة إخوان المسلمين في ليبيا ،وهذه قصة إلقاء القبض على منتسبيها في شهر حزيران يونيو عام 1998 مختصرة، وكما رواها شاهد عيان مشكوراً قي رسالته ، وفي الحلقة القادمة سوف أتطرق لروايات شاهد العيان لحالات معينة من إلقاء القبض دون ذكر الأسماء رغم إنها ليست سراً الآن، ويعرف بها القاصي والداني في ليبيا فما بالك للمتتبع للشأن السياسي الليبي من أبناء وطني الكرام، مع التعريج عل الآثار الإيجابية لهذه الاعتقالات على الشارع الليبي رغم تلك الأيام العصيبة التي مرت على هؤلاء المعتقلين وذويهم والتي ذهبت بفضل الله إلى غير رجعة، بعد أن تنفس الأخوة نسيم الحرية بفضل الخيرين من أبناء ليبيا وغيرهم من كرام الناس .

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة : نجاحات باهرة.

صالح منصور
________________________________________________

(1) سورة الفرقان ، الآية 20
(2) الإخوان المسلمون في ليبيا انتشار حقيقي ..رغم التضييق ! : موقع المختار على الشبكة الدولية للمعلومات: الثاني من آذار(مارس) 2002
http://www.almukhtar.org/IslamicLectures_display.cfm?ID=21
(3) نفس المصدر السابق.
(4) بعد ما يسمى بالثورة الثقافية وإلغاء القوانين في عام 1973، زج بالكثير من ذوي التوجهات الفكرية في السجون وكان لحركة الإخوان نصيب الأسد من التنكيل والمطاردة.
(5) الإخوان المسلمون في ليبيا انتشار حقيقي ..رغم التضييق ! : موقع المختار على الشبكة الدولية للمعلومات: الثاني من آذار(مارس) 2002
http://www.almukhtar.org/IslamicLectures_display.cfm?ID=21
(6) رواية شاهد عيان من الأخوة المفرج عنهم حديثا، وهو عضو بحركة إخوان الليبية، وذلك في رسالة استلمتها منه حديثاً.
(7) نفس المصدر السابق.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home