Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

مَن يزرع الشوك يجنِ الجراح (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

من يوسف شاكير إلى المحترم يوسف أحمد..

تحية طيبة وبعد،،

أشكرك جزيلاً على الرسالة الثانية التي إليَّ وجهت على موقع اغنيوة بتاريخ 14 فبراير 2006، وأوصيك ألا تغضب إذا قلت لك بصراحة أن هذه الرسالة كانت، كما سابقتها، معسولة المظهر محنظلة الجوهر، ومع ذلك، وجدت أن من سوء الصنيع أن أتركك دون رد، ووجدت أيضاً أن الفائدة فيما قل ودل لا فيما كثر واختل.

فأولاً: لقد ذهبت في رسالتك، وإن على سبيل الافتراض، إلى أنني أومن أو أعتقد أن ما أقوله هو الصواب، وأنه لا يوجد على الكوكب الليبي شريف بالمعنى الوطني وأنني أضع نفسي في بوتقة تقييم الآخرين وأنني أزعم – حسبما فهمت من كلامك – أن قلمي ملك لي.

فأما عن قلمي فهو ملك لي، سواء زُعِم بغير ذلك أو لم يُزعَم.. وأما عن صوابية ما أطرح من أفكار وانتقادات، فالحكم في ذلك متروك لفطنة السادة القراء، والذين أجزم أنهم قادرون على التمييز بين الحق والباطل.. بين الحقيقة والخيال، ولذا تجدني دوماً حريصاً على أن لا أسوق شيئاً دون بيِّنة أو أستخلص استخلاصاً دون معطيات ومؤشرات، ثم إن حق الرد مكفول وعلى مَن يراني قد أخطأت في حقه أن يدافع عن نفسه.. أليس هذا هو سمت حوار العقلاء؟!..

وأما عن وصم كل الذين يعيشون على الكوكب الليبي (معارضين وغير معارضين) بأنهم غير شرفاء، فهو تعميم لم يبدر مني على الإطلاق، بل إنني حتى لا أحبذ إدراج مثل هذا التوصيف على المعارضين على وجه العموم، حيث أن منهم مَن هو غير شريف بالفعل (وهم مَن أشرت إليهم بالرموز في ردي على رسالتك الأولى) ومنهم مَن هو مُغرر به ومنهم مَن هو محب للظهور، ولكن الحادث هو أن غير الشرفاء منهم والذين افتضح أمرهم بأيديهم وأيدي غيرهم يحاولون قدر المستطاع جرجرة ذوي الأسنان اللبنية من المُغرر بهم ومحبي الظهور ومَن لا يعرفون عن تاريخ المعارضة إلا القشور إلى قاربهم بأي ثمن.. رغم أن هذا القارب قد غرس في الطين وأكل أخشابه العطب منذ زمن ولّى..

وثانياً: ذهبت في رسالتك إلى أن الذين يدعون إلى التدخل العسكري الأمريكي في ليبيا إنما يفعلون ذلك يأساً لا تبنياً لأيديولوجية معينة.. وهو كلام لا يستقيم مع العقل السليم؛ إذ لو كان ذلك كذلك لاستعان كل أب غاضب على ابنه – سواء كان غضبه هذا على حق أو على غير حق – بمَن لديه من القدرة ما يمكنه من ذبح هذا الابن، ولإراحتك، فإن الدعوة المؤدلجة إلى استخراب الأوطان لا تفترق بحال عن مثيلتها غير المؤدلجة، كلاهما أمر منكر ومرفوض ويستدعي نزع صفة الوطنية عن أصحابه، وإلا لخرج علينا كل غير راضٍ عن الحكم في بلاده بالدعوة إلى احتلالها من جانب الغير ذي القوة، فهل هذه هي الوطنية في تقديرك؟!.. أم هي فلسفة جديدة يرتأي المعارضون ضرورة أن تلقى حظوظها من الترويج والتطبيق؟!..

وثالثاً: طلبت مني في رسالتك، وأظن أن هذا هو مبتغاك الحقيقي، تقييم النظام القائم، وأن أحدد بالضبط موقعي منه.. هل أنا معه أم ضده، مع أن المعيَّة أو الضديَّة هما من الصفات التي لا ينبغي التصاقها – أو إلصاقها – بأكاديمي دارس بقدر ما تمثلان توجهاً لكل سياسي ممارس، أما وقد طلقت الممارسة السياسية منذ هجرتي للمعارضة وتفرغت للأكاديميا والتدارس، فلا أنا مع النظام ولا ضده، وإنما أنا مع الحقيقة، والحقيقة المطلقة لديّ هي ليبيا، ذلك الوطن الذي عايشت عن كثب كيف يُباع ويُبتاع على أيدي رموز المعارضين، الذين وصفتهم أنت بالشرف، وعلى أعين التجار من كل ملة دولية ونحلة، تحقيقاً لمآربهم الرخيصة ومكاسبهم المادية الدنيئة..

أما بخصوص النظام، فهو شأنه شأن كل النظم السياسية في العالم، له من الإيجابيات ما ينبغي الإشادة به وتشجيعه، وله من السلبيات ما ينبغي معالجته وتداركه، وهذا أمر طبيعي في ضوء أن السياسة في ممارستها ليست عملية يعقوبية (نسبة النجاح في تحقيقها أهدافها مائة في المائة) بقدر ما هي عملية واقعية تعتمد على إدارة المتناقضات والسعي إلى تحقيق الممكن من الأهداف، ولكن داء المعارضين العضال أنهم يتحدثون حول الواقع وليس في الواقع، كما أنهم يعرفون ما لا يريدون ولكنهم لا يعرفون ما يريدون.. فهم – مثلاً – لا يريدون بقاء النظام لكونه لم يوفر – حسب رؤاهم – لليبيين المشروب والمأكول والملبوس والحور العين، رغم أن هذا غير واقع (قارن مثلاً بين متوسط دخل الفرد في ليبيا ومثيله في أية دولة شرق أوسطية للتأكد من ذلك) كما يستفرغون كل طاقاتهم لوصفه بالاستبداد والاستكبار وسائر سيء الأسقام، وينسى هؤلاء، أو بالأحرى يتناسوا، أن هذا النظام هو الذي خلَّص ليبيا من سابقه المتخلف والذي لا يزال بعض أنصار المعارضة يذكرون رأسه مذيلاً بالقول "رضي الله عنه"، وأن هذا النظام هو الذي طهَّر ليبيا من القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية التي ظلت جاثمة على أراضيها بعد رحيل الاستعمار الفاشستي، وأن هذا النظام هو الذي حفظ لليبيا استقرارها لحد الآن، وأن هذا النظام هو صاحب المواقف المشرفة عربياً، وأن هذا النظام هو مَن جعل لليبيا مكانة إقليمية ودولية، وأن هذا النظام هو الذي أنقذ مؤخراً ليبيا من التعرية الاستراتيجية.. ثم لنكن صرحاء يا أخ يوسف.. هل ما يسمى بالمعارضة الليبية صالحة لأن تكون بديلاً للنظام؟! أتحدى أن يكون هناك معارضاً واحداً، بما في ذلك الرموز القديمة التي حلمت يوماً بحكم ليبيا، لديه في قرارة نفسه ذرة اعتقاد واحدة في ذلك، كما أن الشعب الليبي لم يعد جاهلاً بما جنته أيدي هؤلاء المعارضين بحقهم ووطنهم، إنه حتى داعميهم قد بدءوا يرفعون عنهم أكفّ الرعاية.. عن نفسي لا أتصور أن يقبع على كرسي الحكم في ليبيا في يوم من الأيام سارق لأموال إحدى سفاراتها بالخارج أو بائع لأدق المعلومات عنها لأطراف خارجية أو عاطل اتخذ من المعارضة وظيفة أو مدمناً للعق أحذية الأمريكان.. يا سيد يوسف، إن قضية لوكيربي (التي يعلم الجميع، بما في ذلك الأمريكان، أنها ملفقة) قد أدخلت البلاد غرفة ولادة ذاقت فيها كافة ألوان آلام المخاض، وهي الآن تتماثل للشفاء، فدعوها تستكمل شفاءها ولا داعي للخروج من الجحور في ثياب التقيات لإفساد ما بدئ فيه من إصلاحات عبر زراعة الأشواك لأن – ومرة أخرى – مَن يزرع الشوك يجنِ الجراح.

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home