Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

وهل يموت الوطن...؟؟

من لخطب اليوم فينا؟ من لغد؟ مات ذا العزمة والراي الأسد.

منذ أن علمت بخبر وفاة المرحوم حسين بي مازق وأنا اصارع مع نازع في نفسي وواعز من ضميري وقلبي – هذا فضلا عن الحزن العميق الذي ألم بي وكأنه جرح ماكن في القلب لايكف نزيفه – أتصارع مع نازع يقول لي أنك لست ممن يمتطي صهوت المديح والتعديد لصفات الأموات كسبا لاعتبار أو حظوة لدى أهل المتوفى ودويه ، ووازع- من جانب آخر- يقول لي ان حسين بي ملك لوطن ولشعب ، أهله ليبيا من أقصاها الى أقصاها ان اهله الوطن ، بل هو الوطن كله ، لولا أن الوطن لايموت ، ويستمر هذا الواعز يتابعني ويلح عليا قائلا أنت لا تعرف المرحوم الأستاذ حسين مازق .. لم تلتقي به .. ولم تستقضيه ولم ولن تكن لك فيه مصلحة.. و لم تربطك به قرابة أو مصاهرة وانتمائك لليبيا الوطن كلها، يلزمك بواجب حيال هذا الرجل العظيم .. فلماذا هذا التردد؟ ولماذ هذا التخوف من أقوال الناس اذا كنت تنتمي حقيقة الى ليبيا وتحبها ؟ خاصة وان الليبيين في هذا العصر لايعرفون لرجالهم قدر ولايذكرون لقادتهم فضل .. لم تفارقني هذه الحالة على مدى الايام الماضية ولم تنفك تعصف بي وتستبد حتى وجدت نفسي- دونما أدري- أكتب هذه الأسطر.

كما أسلفت لم التقي بالسيد حسين مازق مباشرة بشخصه، ولم أجالسه ولكن رأيته عن بعد مرارا عديدة في طرابلس وبنغازي فلم اتكلف جهد تحيته والسلام عليه رغم أن هذا الأمر واجب تجاه شخص بمقدار المرحوم حسين بي خاصة وأني أكن له حبا جما وأحتراما غير محدود وعدري لنفسي في هذا التقصير أنني أردت أن لا يساء فهمي من شخص لايعرفني - ربما يعتقد خلاف ما توخيت من هذه التحية دون معرفة سابقة- هذا رغم يقيني المطلق من تأدب المرحوم حسين مازق ومروءته وأريحيته وكرم خلقه ، ولكن هذا ما قدر الله . وقد تعرفت على العديد من الشخصيات، الذين عرفوا وعاشروا المرحوم حسين مازق، في سني شبابه ورجولته وشيخوته و كان ذلك على مدى الاربعين سنة الماضية ، سمعت من هولاء الرجال الكثير حول مناقب هذا الرجل وخلاله وقدراته وخبرته وكفاته وانضباطه ومعشره وصبرة العظيم على الاستماع الى الأخر واحترامه لأهل وطنه ورجالاته ، وفوق ذلك كلة ليبيته ووطنيته ، مما زاد وقار هذا الرجل في نفسي ومحبته في وجدانى وثبات ورسوخ ذكراه في خاطري .

رأيت حسين بي أول مرة مباشرة بميدان السرايا الحمراء بطرابلس وأنا في مقتبل الصبا يوم 24 ديسمبر عيد الاستقلال منتصف ستينات القرن الماضي بدا حسين بي ذلك اليوم متألقا أغر المحيا ناصع الجبين أشم الانف فائق ألاناقة وقور يجسد هيبة المسؤلية العامة في تواضع جم وحياء يعبر عن حلم كبير وعقل راجح ورجولة نادرة.

أرتسمت تلك الصورة في الذاكرة له كشخص أكن له تقديرا واحتراما باعتباره من اعيان الوطن وقادته . و تجلت عظمت شخصية حسين مازق- لي و للقاصي والداني جلاءا باهرا - في ما سمي بمحكمة الشعب .. بحظوره الذي تفرّد فيه وحده و ماكان لمن عداه ممن واجهوا- تلك المحكمة - أن يكون . فبرز حسين مازق كبيرا شامخا رصينا تابتا سديد الخطاب واثق الكلمة حتى أضحت ما سمي بمحكمة الشعب بمافيها من قضاة وادعاء وحضور أمام شخصه الكبير كأنهم ذرة أمام جبل عظيم . فشفى بموقفه في تلك المحاكمة قلوب مكلومة وانفس حزينة وأوجد في خواطر الليبين شعور بالعزة والكرامة تجاه غطرسة ونزق صغار العسكر الموتورين المغرر بهم .ومن ذلك التاريخ قر في نفسي برسوخ أن حسين بي شخصية فدة في هذا الوطن المسمى ليبيا بل زعامة ليس لها نظير وركيزة مهمة من ركائز ليبيا الوطن الجريح .

بعد خروج حسين بي من سجن الانقلاب استقر في بنغازي ورأيته عن قرب في عدة محاضرات ومناسبات كنت أتامل وجهه بامعان فرايته بنفس الهيئة التي كان عليها عندما كان واقف بالمنصة يلقي كلمتة كرئيس حكومة يوم الاستقلال فقلت في نفسي – آنذاك- ان هذا الرجل يضفي على المنصب من شخصيتة ولايفقده ترك المنصب شئ من سماته ووقاره وهيبته يستوى أن يكون في أعلى سدة الحكم أو مواطن مظلوم مسلوب الحقوق كعامة الشعب .. فالمعدن النفيس لاتبدله أحوال الطبيعة أوتقلبات الزمن.

وأنا أكتب هذه السطور دخل عليا أحد المعارف وقراء ماكتبت فبادرني بالقول ان لسان حالنا في مصاب حسين بي كحال الخنساء عندما قالت :-

وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي.

ان كل ما يقال في حق هذا الرجل قليل وقليل جدا ، ومعه كل الحق في ذلك فالفقيد رجل ليس ككل الرجال رجل يعزى فيه كل الوطن .

أجل معه كل الحق أيها الفقيد العزيز .. صحيح انتقلت الى جوار ربك – محفوفا بالرحمة والمغفرة والرضوان انشاء الله – وقد قاربت على نهاية العقد التاسع من عمرك المبارك، وهذه سنة الله في خلقه لامبدل لها ولامغير، وربما لم يكن الحدث في حد ذاته مفاجئا لأحد ، غير أنه بعد حدوثه أبان أن فقدان رجل مثلك ليس كفقدان غيره حتى ولو بلغ من الهرم والعجز مابلغت .

خرجت من هذه الدنيا أيها الفقيد العزيز ولم تنحني لصنم من أجل حفنة من المال ، أوقضاء حاجة دنيوية زائلة ، ولم تدفع ببنيك ليتلمقوا الحاكمين أو ينتظرون أمام أبوابهم في صغار وذلة .كنت عزيزا بعفتك وزهدك وكان غناك بعزمك وصبرك بين الناس وحتى بين أفراد أسرتك في داخل بيتك ، عرفت انها دنيا زائلة فهزأت بها ولم تليها أكثر مما تستحق ، عايشتها بصمتك المحمود وصبرك الذي لاينفذ ويقينك الراسخ. ولاعجب في ذلك فأنت من اخوان السنوسية الأبرار الأطهار الذين يصدق عليهم قول الشاعر :-
ان لله رجال فطنة
طلقوا الدنيا وباعوا الفتنا
نظروا فيها فلما عرفوا
أنها ليست لحي سكنا
جعلوها لجة واتخذوا
صالح الاعمال فيها سفنا

لقد رحلت أيها الفقيد العزيز وليبيانا أحوج ما تكون لعزمك وعقلك وحكمتك ..

رحلت عنا أيها الفقيد العزيز وقد أشتد علينا وعلى بلادنا البلاء والكرب والجور والظلم والطغيان وسدت أفاق ألأمل وليس لها من دون الله كاشفة .

رحلت عنا يا أبا فتح(*) .. وقد فرقتنا السبل .. وتاهت بنا الدروب .. وطال بنا السفر.. وعز الرجال – أمثالك - الذين يجمعون الشمل ويلمون الشعث وتذوب في أحلامهم المواجع من أجل بلادهم وشعبهم ..

رحلت عنا يا أبا فتح .. وليبيانا تعاني وتتوجع من عقوق ابنائها وتقاعصهم عن الواجب حيالها وتيههم وراء أهوائهم والوطن يحتضر ويتلاشى يوما بعد يوم وما من فحل أوفارس يقدح شرارة أو عاقل يخرج برأي سديد .

رحلت عنا يا أبا فتح .. و قوى الدنيا تتكالب علينا جشعا ونهما وطمعا في خيرات بلادنا ، وثمن تنعّم تلك القوى بخيراتنا ونفطنا معانات شعبنا وألامة وعوزه وحرمانه واذلاله.. على أيدي من باعوا البلاد بمن فيها ومافيها من اجل ملء بطون لاتشبع من حرام وأهواء لاتكبح عن غي .

رحلت عنا يا أبا فتح ..وقد أستبيحت في ليبيانا مكارم الأخلاق وأنتهكت الحرمات وقلت المرؤة بيننا وذهب العرف والفضل ودمرت القيم الرفيعة والاخلاق النبيلة التي كانت هي شمائلك وخلالك طول حياتك ، وكانت تلك هي عوائد اهلنا ودرائبهم الليبية الأصيلة .

عندما يرحل أمثالك يا أبا فتح .. يجزع المراء ايما جزع على فقدان تلك القيم والاخلاق الكريمة والخلال النبيلة التى عز كثيرا من يتحلون بها ويتصفون ..

عندما يرحل امثالك يا ابا فتح .. يخشى المرء من أن بغياب ذلك الجيل تغيب كل القيم الرفيعة والمعاني الرائعة التي كانت تطبع مجتمعنا الليبي ونراها تدمّر كل يوم.

عندما ترحل يا أبا فتح .. يعني رحيلك رحيل جيل من ألاباء العظام الذين حققوا الاستقلال وأسسوا الحكم وبنوا الدولة الليبية من عدم . وكانوا غاية في النزاهة والنبل وحسن التدبير قياسا بكل من عاصرهم من حكام العرب والمسلمين على الأقل .

كنا نؤمل يا أبا فتح أن يتحقق مانصبوا الية من نصر ويفرج الكرب وينجلي الغم وتعود الى ليبيانا الحبيبة عافيتها وسلامتها وتكون معنا في ذلك اليوم بعافية وسلامة ، وتكرّم بأفضل ما يليق بك من التكريم والتبجيل والثناء والعرفان ولكن هذه مشيئة المولى فجوار الله خير جعله الله مقام بالفردوس في أعلى عليين..و نعم بالله وماعند الله خير وأبقى.

لاتؤاخذني يا أبا فتح في كل ما قد قلت فيحق على أمثالك الحزن والجزع ..رغم أنني مؤمن بقدر الله ومسلم بما يشاء ، ولي في رسول الله أسوة حسنة العين تدمع والقلب يوجع وانا لفراقك ايها الفقيد العزيز على ليبيا وأهلها لمحزونون ولن ولا أقول الا ما يرضي الله انالله وانا الية راحعون.

لقد اظهر نباء انتقالك الى الرفيق ألأعلى لمن لايعرفك حب الناس لك وأنت لاسلطة لك ولامال، وحب الناس من حب الله .. نضرع الى المولى يجعل قبولك عند الله أكبر وأعظم وأن يسبغ عليك أفياض عميمة من رحمته ويجزيك عن ليبيا وأهلها خير الجزاء ويجعل عاقبتك فينا وعلى بلادنا خيرا وفرجا وفتحا قريبين .

وختاما أيها الراحل العزيز الى رحاب قدس الأقداس و أعلى مقام بجنان الرضوان محفوفا بملائكة الرحمة.. أودعك بخير ما ردده أسلافك اخوان السنوسية الابرار (لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله.)

بوخزام العـناني

17\05\2006
bukhzamanani@yahoo.com ________________________________________________

(*) استعملت كنيت أبو فتح في مخاطبة المرحوم نسبة الى المناضلة الصبور والتربوية العتيدة والزوجة الوفية الأستاذة فتحية حسين مازق حرم المناضل المرحوم الاستاذ عبد المولى دغمان صاحب الجهود الكبيرة في انشاء الجامعة الليبية وتطويرها ، وقد كني الفاروق عمر بن الخطاب بأبي حفص مع أنه أب لعدة أبناء منهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر وهذا قدر من احترام و تقدير شخصي مني لهذه السيدة ومواقفها الكبيرة. مع اعتذاري للسيد نجيب حسين مازق.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home