Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قبل النطق بالحكم بخصوص أطفال الأيدز

لم تفاجئنا الناتشر البريطانية عندما خرجت علينا بورقة بحثية يدعي مؤفوهاوجود فيروس الأيدز في مستشفى الأطفال قبل عام 1998م، ولم نفاجأ أيضاً ببعض المواقع الليبية التي هرعت لنشر هذا البحث وكأن مسيريها من متتبعي الأخبار والأبحاث العلمية، وللعلم فقط فإن مرسل البحث والكاتب الرئيسي فيه باحث في قسم علم الحيوان (Zoology) وليس الامراض المعدية أو الامراض الفيروسية ولا يعمل حتى بقسم علم الأحياء (أو البيولوجي) وهذا مذكور في التعريف بالباحثين المشاركين في نفس الورقة البحثية التي أشارت إليها بعض المواقع على شبكة الأنترنت. مع العلم بأن البحث تم على أساس دراسة تتبع الخريطة عائلية الجينية للفيروس (Phylogenic) ولم يعتمد إظهار حقائق ووقائع ملموسة.
قلت بأني لم أفاجأ بهذا "البحث الهزلي" لأنه سبق لي مشاهدة عروض مسرحية مماثلة أكثر هزلية. أحد هذه العروض ماترتب عليه ضياع وتدمير لدولة وقتل أكثر من مليون من مواطنيها ونهب لثرواتها المادية والتراثية. وأقصد هنا مسرحية كولن باول امام الأمم المتحدة بالصوت والصورة وهو يعرض على العالم المعامل المتنقلة لأسلحة الدمار الشامل العراقية مع إبراز فاتورة مشتريات العراق من مادة اليورانيوم من النيجر، وتم وقتها تصديق الراوية الأمريكية وترتب عليه ماذكرت آنفاً وماسيأتي لاحقاً وإن غداً لناظره لقريب.
نفس السياق المسرحي يتبع مع قضية أطفالنا الأبرياء الأطهار ومن مخرجين تتلمذوا في نفس المدرسة المسرحية التي تخرج منها باول، وذلك عبر تقديم سيناريو يهدف إلى ممارسة الضغوط الترهيبية والترغيبية على الحكومة الليبية، وبأن ملف علاقتها الخارجية مع الغرب مرتبط بحل هذه القضية والحل كما لخصه بوش الصغير وبكل وقاحة في جملة واحدة عندما قال بالحرف: "يجب على ليبيا إطلاق سراح الممرضات وهذه رسالة واضحة لها" وعندها بدء جميع التُبّع من من رايس إلى بلير إلى علماء السلطان من بحاث علميين في مجال الحيوان فنحن لسنا أكثر من ذلك في نظرهم. مع ذلك لم يتقدم أي من المطالبين بإطلاق سراح الممرضات (المخرجون الجدد) بأي سيناريو بديل كالبحث عن الجاني الحقيقي وسبب ذلك هو تأكدهم من أن الجاني الحقيقي موجود فعلا وراء القضبان ولكنه رغم ذلك يجب أن يغادرها، ولهذا فالحل يكمن في إتهام الأهمال وسوء الممارسة الطبية، وهو أبسط وأنسب الحلول للجميع بما في ذلك الحكومة الليبية وأهالي الضحايا (لو أراد أحدهما أو كلاهما بيع القضية) بإعتبار هذا الحل هو الطريق الوحيد لحل المشكلة بدون ضرر على كل الأطراف، وربما يعود بالمنفعة الوقتية على من أراد التخلي عن سيادته وكرامته. إذ لا وجود لمحاكمة ولا أدلة ولا دوافع ولا حتى جاني، وستتلخص المسؤولية كلها على عاتق أمين صحة بمدينة ومدير مستشفى بالتسيب والإهمال، ولا مسؤولية على أحد وستتحمل الدولة المسؤولية المالية عن الأضرار التي تسبب فيها موظفيها وستصدر التعويضات المليونية أو النصف مليونية لأسر الضحايا. وهنا أتذكر تصريح رئيس بلغاريا أثناء لقاءه بعائلات الممرضات المعتقلات قبل أعياد الميلاد العام الماضي (ديسمبر 2005) بأنه تلقى وعودا شخصية من عبدالرحمن شلقم وزير الخارجية الليبي بأن الممرضات العام القادم سيمضين أعياد الميلاد بين ذويهن في بلغاريا (أي ديسمبر 2006) رغم أن شلقم سارع بنفي أعطاءه أي وعد من هذا النوع وبأن القضية في يد القضاء الليبي وأهالي الأطفال.
أما الباحثين كوليزي ومونتييه فلم يتورط كلاهما بأعطاء أي جواب قاطع فظهر تقريرهما المكتوب بالخصوص للصحافة الأوربية فضفاضاً لا مقياس له ولا قواعد فيه، وبدا كلاهما كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء، وأقتصر تقريرهما على أستعمال جميع المصطلحات التي تحمل معنى ممكن وجائز ومحتمل وربما، وأستندا في بداية التقرير على أقوال وأبحاث الغير ليتمكنوا من تغيير أقوالهم إذا تغيرت المعطيات (وللعلم فقط هم غير أطباء)، ولم يذكر الأثنان في تقريرهما أي شئ عن الزعم بوجود معدل إصابات مرتفع بفيروسات إلتهاب الكبد الجيمي أو البائي، الشئ الذي ذكرته الأوبزرفر اليوم الأحد على لسان مونتييه، ولكن حتى وإن ثبت إدعاء مونتييه هذا فهو إدعاء أحمق ولا يجب أن يصدر عن باحث عملي وسنأتي لشرح هذا لاحقاً.

ولدحض وتفنيد هذه المؤامرة التي تحاك ضد أطفالنا ليس غير، سنبدأ بتحليل المشكلة بشكل موضوعي وبسيط لمن أراد البحث بالحقيقة وسنختمها بقليل من الأدلة العلمية ولكنها ستكون دامغة وداحضة لكل مايقال.
ونبدأ بذكر الحقيقة مجردة وهي "أكثر من 436 حالة إصابة في مدة لا تتجاوز الثمانية أشهر وفي مكان واحد بل في جزء معين من مكان واحد" ونبدأ في سلسلة من التساؤلات البديهية! هل كانت الحالة الصحية قبل وبعد هذه الفترة مثالية حتى يقتصر إنتشار المرض بشكل وبائي على هذه الفترة؟ هل يتبع قسم الباطنية في مستشفى الأطفال نظام صحي يختلف عن باقي أقسام المستشفى ليقتصر إنتشار المرض على وحداته العامة والعيادة الخارجية؟ هل يمتلك هذا القسم معدات وتجهيزات طبية تختلف عن باقي أقسام المستشفى؟ وهل تختلف معدات التعقيم في قسم الباطنية عن باقي أقسام المستشفى ليقتصر إنتشار المرض فيه دون غيره؟ بل هل يمتلك هذا القسم معدات طبية تختلف عن باقي مستشفيات بنغازي؟ وهل يمتلك المستشفى معدات وتجهيزات تختلف عن أي مستشفى آخر في ليبيا؟ مع العلم بأن كل المعدات الطبية والأدوية في ذلك الوقت كانت تستلم من مخزن واحد في منطقة الماية غرب طرابلس، أي أن نفس المعدات موجودة في شرق وغرب وشمال وجنوب البلاد ومن نفس المصدر.
إذاً لماذا أقتصر الوباء على جزء من قسم واحد في مستشفى واحد فقط؟؟ ولماذا أقتصر إنتشار المرض على الفترة مابين فبراير 1998 إلى ديسمبر 1998م؟؟ ما الذي تغيير في الممارسة الطبية أو المعدات الطبية خلال تلك الفترة بالذات ليقتصر إنتشار المرض في تلك الفترة؟ في حين لم تثبت أكثر من 7 إصابات بفيروس الأيدز في مستشفى مركزي آخر في منطقة بنغازي في نفس السنة. ذلك المستشفى الذي يقوم بتقديم الخدمات الصحية في المنطقة الشرقية من البلاد من سرت غرباً إلى أمساعد شرقاً إلى الكفرة جنوباً.
إن ماحدث في مستشفى الأطفال في بنغازي هو حالات إصابة "إستثنائية" وقلت إستثنائية لأنها إصابة بفيروس واحد في وقت محدود وبشكل جماعي في مستشفى واحد لا بل في قسم واحد من مستشفى وهو قسم الباطنية فقط بوحداته العامة وعيادته الخارجية فقط مع أستثناء ذوي المناعة الضعيفة في ذلك القسم (المفترض إصابتهم بالمرض) وأقصد بذلك مرضى أقسام الكلى وأمراض الدم وحديثي الولادة والأمراض المعدية (المفترض به أن يكون هو بؤرة المرض)!! والأكثر غرابة هو خلو قسم الجراحة بنفس المستشفى من هذا المرض، رغم أن هذا القسم يجري العلميات للأطفال بشكل مكثف بما يقرب من 20 عملية جراحية في اليوم الواحد ومعلوم للجميع بأن المعدات الجراحية يمكن أن تنقل العدوى بعدة ميكروبات بين المرضى!!!. ولكي أزيل كل علامات الإستغراب والتعجب، أقول بأن خلو أقسام الكلى وحديثي الولادة وقسم الأمراض المعدية من هذا المرض هو نتيجة لوجود هذه الأقسام في أماكن منفصلة ومعزولة جزئياً عن باقي أقسام المستشفى بل إن قسم الأمراض المعدية موجود في مبنى منفصل ولهذا تعذر على الجناة الوصول إليهم. أما قسم الجراحة فسبب خلوه من المرض هو كونه القسم الوحيد الذي يسمح فيه بوجود الأمهات كمرافق للطفل طيلة فترة إقامتهن، وقامت تلك الأمهات بدور الحارس الأمين على فلذات أكبادهن. ألا تستحق هذه الحقيقة فقط التمعن قبل أن يتحدث أي عاقل ويتهم الأهمال الطبي، وسبق وأن أقررنا كأطباء معاصرون لتلك المشكلة بوجود نقص في بعض المعدات والأدوية في ذلك الوقت بل حتى قبله وبعده. ولكن هذا النقص لم يتطلب في أي وقت من الأوقات الإستعمال المتكرر للمحاقن (cannula) لسبببين أولهما أن ذلك مستحيل وغير عملي لان جسم المحقن بلاستيكي وليس معدني والجزء المعدني منها يستعمل لإدخال الجزء البلاستيكي للوريد فقط، وثانيهما هوببساطة هو معاصرتنا للواقع ونعلم بأن ذلك لم يحدث.
كما سبق أن قلنا وقال غيرنا بأن فيروس الأيدز ضعيف جداً ويعتبر من أقل الفيروسات إنتشاراً بواسطة الأهمال الطبي وعدوى المستشفيات، إذ لايمكن لهذا الفيروس العيش خارج الدم أو مشتقاته لفترة طويلة.
ذكرت أعلاه أنه حتى وإن ثبت إدعاء مونتييه هذا فهو إدعاء أحمق ولا يجب أن يصدر عن باحث علمي، لأن فيروس الكبد الوبائي لديه القدرة على الإصابة أكثر من 20 مرة من فيروس الأيدز الضعيف الذي لا يقدر على العيش خارج الدم أو مشتقاته، الذي يكفي للقضاء عليه إستعمال الوراكينا أو البوطاس (Bleach) وذلك وفق توصيات منظمة الصحة العالمية، في الوقت الذي لا يستطيع هذا المحلول المنزلي القضاء على الجراثيم البكتيرية الاخرى السريعة القتل. وللدلالة أيضاً على ضعف الفيروس وسهولة التخلص منه هو دراسة أجريت في أمريكا على إبر ملوثة بفيروس الأيدز وثبت أنه يكفي غطسها (ولو لمدة وجيزة) في محلول البوطاس أو الوراكينا (Bleach) لتنظيف الإبرة من هذا الفيروس كما أثبتوا أن غسل الإبرة 3 مرات بالماء يعطي نفس النتيجة وهي إزالة فيروس الأيدز من الإبرة. رغم أنهم أوصوا في النهاية بعدم المشاركة المدمنين في الإبر(1) وهذه توصية بديهية لأن هذا الإجراء غير كافي للتخلص من باقي الميكروبات والفيروسات. إذاً تستوجب مثل هذه الحالات (عدوى المستشفيات) وجود أعداد هائلة من الإصابات بفيروس إلتهاب الكبد الفيروسي البائي والجيمي وعدد قليل يقل عن نسبة 1:20 من فيروس الإيدز. ولهذا فإننا نتوقع حدوث أصابتين فقط بفيروس الايدز مقابل ال50 حالة إصابة بفيروس الإلتهاب الكبدي الجيمي لو كان المسبب هو فعلاً عدوى المستشفيات. ولكن الأمر المهم جداً هو التوقع وفق لمنطق العلم والعقل حدوث عدد هائل من الوفيات بسبب التجرثم الدموي البكتيري خلال أيام من الإستعمال المتكرر للحقن لأن الدم سائل معقم (sterile) ولكنه أيضاً بيئة خصبة لنمو البكتيريا والدليل هو إستعماله كبيئة لتنمية وتكاثر البكتيريا (Blood agar) في المختبرات (وليس الأيدز). إذاً فوجود حقنة عليها دم شخص ولو كان معافى سينتج عنه تلوث الحقنة بالبكتيريا بعد إخراجها من الطفل الأول وقبل ولوجها في وريد الطفل التالي. مما يجعلنا نتوقع حدوث عدد كبير من الوفيات في أولئك الأطفال (المشتركون في المحاقن) وخلال أيام بسبب التجرثم البكتيري (Bacteraemia-Septicaemia) وحتى قبل ظهور فيروس الأيدز في مريض واحد. إذاً فالإستدلال بوجود فيروس التهاب الكبد الوبائي البائي والجيمي في دم 50 من أصل 436 طفل كدليل على إن المسبب هو الإهمال وسوء الممارسة الطبية، هو كذبة حمقاء إما أن يكون قائلها أحمق بالفعل أو أن قائلها يعتقد بأننا حمقى وسنصدق إدعاءته.
وسأورد لكم بعض الدراسات العلمية الحديثة جداً والتي أجريت في أماكن متفرقة من العالم ويمكن الرجوع للمراجع التي سأرفق عناوينها للتأكد منها. أقول هذا لعلمي بأنه يصعب عليكم تصديق طبيب ليبي عمل بمستشفيات بنغازي وتخرج من مدرسة الإهمال والتسيب (حسب رأيكم) حتى وإن حمل فيما بعد أعلى الشهادات من بريطانيا. لهذا أجد نفسي مضطراً للإستدلال بهذه الأبحاث الدولية والتي نشرت في مجلات طبية متخصصة والتي أجرتها أطقم بحثية طببية متخصصة، ومايميز هذه الأبحاث أنها لم تُرسم وتُفصل لتُلائم حالات مستشفى الأطفال ببنغازي. وأبدأ بعرض هذه الأبحاث طالباً من القراء التمعن والتركيز على العينة المستهدفة من البحث والنتائج.
أبدأ بدراسة أجريت في الصين حول أسباب نقل عدوى الأيدز في 197 حالة مصاب بالأيدز ثبت إصابة حالة واحد فقط بسبب دم ملوث(2). وفي بحث مقارن آخر حول أصابة مرضي الغسيل الكلوي بفيروسات الكبد والأيدز في كل من الهند وبريطانيا وبولندا وأمريكا الشمالية، ذُكر فيه وجود حالات إصابة متفاوتة بفيروسي إلتهاب الكبد البائي والجيمي ولكن التقرير أكد بأن معدل إنتقال الأيدز من مريض لآخر أو من مريض للطاقم الطبي أو العكس هو 0%(3). وفي دراسة أخرى أجريت في بودابست على 150 مدمن للمخدرات بواسطة الحقن الوريدي (IDUs) ثبت أن أكثر من 68% منهم يتشاركون في المحاقن (وليس إفتراض كما هو الحال بخصوص مستشفى الأطفال) ولكن رغم ذلك لم يصب أكثر من شخص واحد (1 من أصل 150) بالأيدز(4) !! وفي دراسة أخرى على مرضى من نفس النوع وأقصد هنا المدمنين بواسطة الحقن الوريدي وأستهدفت الدراسة عدد 231 مدمن للمخدرات ممن يعالجون في مستشفيات بشرق وجنوب فرنسا وأثبتت الدراسة أن معدل الأصابة بفيروس الأيدز هو 0% وأن معدل الأصابة بفيروس الكبد الجيمي هو 95%(5)!!! وتكررت نفس النتيجة في دراسة أخرى أجريت في الدنمارك على نفس النوع من المرضى(6). أما في يلجيكا فقد أثبتت في دراسة أجريت على 244 من نفس النوع من المرضى (المدمنون بالحقن والمشتركون في المحاقن) إصابة 78.3% منهم بفيروس إلتهاب الكبد الفيروسي الجيمي وإصابة 35.7% منهم بفيروس إلتهاب الكبد البائي وإصابة 0.9%فقط بفيروس الأيدز (أي مدمنيين أثنين فقط من أصل 244)(7) وفي مسح أوروبي شامل أستهدف 1049 مدمن أوروبي يعالجون في مراكز أزالة السمية (علاج الأدمان) ممن أقروا بالمشاركة في إستعمال المحاقن ثبت إصابة 4.8% فقط(8) وهذا لا يهمنا كثيراً ولكن يهمنا أن نذكر أن الأصابة أقتصرت على المرضى الذين أقروا بالعيش مع مدمنين أمثالهم (أي أن المعاشرة الجنسية قد تكون هيالمسبب)(8)، ومايهمنا أيضاً ويهم مناصروا مونتييه أكثر هو أنه ثبتت إصابة 92% من هؤلاء بمرض التهاب الكبد الجيمي(8)، وليس 11% فقط كما هو حال أطفالنا بمستشفى الأطفال (50 من أصل 436)، مع صعوبة وغياب الموضوعية في المقارنة بين هؤلاء الذين أقروا بالمشاركة في المحاقن وتعدد المعاشرة الجنسية مع أولئك الأطهار الذين لم تثبت مشاركتهم في المحاقن وإنما وردت فرضية المشاركة في المحاقن وفق نظرية المؤامرة (ربما أعطيت كفرضية تحليل علمي) التي يسمح للبعض بافتراضها ولا يسمح للطرف الآخر بإستعمالها حتى وان وجدت دلائل مادية ملموسة تنقلها من مجرد كونها فرضية بوجود المؤامرة إلى حقيقة دامغة. ولنا في إستعمال البعض لماورد في مجلة "لا" خير دليل، إذ قلب هؤلاء ماقيل في المجلة وفسروه حسب أهواءهم من دليل إدانه للجناة إلى دليل براءة لهم وسنأتي على ذكر هذا لاحقاً.
ونعود للدراسات البحثية بدراسة أخرى أجريت في أتلانتا بالولايات المتحدة بخصوص أنتشار فيروس الكبد الوبائي بواسطة معدات الصيدلة النووية التي تستعمل لفحص مرضى القلب من خلال حقنها في الدم (radio-labeled pahramaceutical materials) وأستهدفت الدراسة 90 مريض ثبت إصابة 16 منهم بفيروس إلتهاب الكبد الجيمي ولكن لم يثبت أصابة أي حالة منها بفيروس الأيدز(9). وفي دراسة أخرى أجريت بهافانا كوبا أستهدفت 318 من المرضى الذين ثبت أنهم تلقوا دم منقول لأكثر من مرة، ورغم إصابة 45% بفيروس التهاب الكبد البائي و 51.6% منهم بفيروس إلتهاب الكبد الجيمي إلا أنه لم تثبت أي إصابة بفيروس الأيدز بنوعيه (HIV-1 and 2)(10). وفي دراسة أخرى أيضاً أجراها باحثون من أتلانتا بالولايات المتحدة على 16 مستشفى قروي في أثيوبيا (وليس الولايات المتحدة) ونشرت في مجلة الأيدز الصادرة في بريطانيا، وقد وجد الباحثون أن 12% من هذه المستشفيات القروية الأثيوبية تعيد أستعمال السرينقات والإبر للحقن ولكن لم يثبت وجود الحمض النووي لفيروس الأيدز في تلك الإبر والسرينقات(11). ونختم ببحث أكد أن الإبر الملوثة بفيروس الإيدز لا تعتبر دليلا على نقل العدوى وهذا البحث نشر في سبتمبر 2006(12).

ونأتي الآن لمجلة "لا" والتحقيق المصور الذي نشرته عن الموضوع وأتعجب من إستدلال البعض به وكأنه أحد أدلة البراءة للمتهمين. وأبدأ بالصفحة الثانية منه كما حسب فهرسته بموقع المنارة وفيه العنوان "الأيدز بين أطفالنا إهمال أو جناية" وهذا العنوان في حد ذاته يؤكد وجود الشبهة الجنائية حتى قبل وكشف الحقيقة والقبض على المتهمين. أما في الصفحة الثالثة منه (حسب تصنيف المنارة) فيوجد بها أسماء بعض المساهمين في التحقيق ومنهم إدريس لاغا رئيس جمعية الأطفال الضحايا وخالد المهير الصحفي الجرئ الذي نجد أسمه في قائمة ليبيا اليوم المنادية بعدم الإستجابة للضغوط الدولية وجعل يوم الأيدز العالمي يوم حداد في ليبيا بسبب الجريمة الشنعاء. ونجد أيضا في الصفحة العاشرة (حسب تصنيف المنارة) وفي كلمة وزير الصحة لذوي المرضى بعد إقتحامهم قاعة إفتتاح المؤتمر الرابع للعلوم الطبية يوم 1/11/1998 قوله بأنها جريمة مرتكبة منذ أكثر من عام (في الصفحة 10 حسب تصنيف موقع ليبيا المنارة) بأن الوزير حاول طمأنة الأهالي وضم صوته إلى صوتهم وبأن وجود المرض في ليبيا ليس عار لانه موجود في العالم كله وأن الوباء كان سيصلنا بأي شكل من الأشكال، ولكن العار هو وصوله بهذه الطريقة لأطفال أبرياء. وفي الصفحة 12 وأثناء لقاء محرروا المقال مع وزير الصحة بمكتبه بسرت أفترض وزير الصحة أحتمال وجود عمل أنتقامي كممرضة مصابة بالمرض تريد نشره في أكبر عدد من المرضى، وذكر وزير الصحة وقتها بأنه تم فحص الأمصال ووجد بأنها كلها سليمة، وبأن العامل المشترك بين المصابين هو كونهم جميعا مروا بمستشفى الأطفال وحتى الأطفال الذين من خارج بنغازي سبق لهم وأن عولجوا في مستشفى الأطفال كونه مستشفى مرجعي في طب وجراحة الأطفال. كما ذكر الوزير بأنه لوحظ أنعدام ظهور المرض المصاحب في بداية المشكلة وفي الحالات الاولى (عكس الأدعاء بوجود نسبة كبيرة من العدوى المصاحبة) وذكر الوزير أيضاً بأن عدد الحالات التراكمية المكتشفة على مستوى ليبيا كلها وحتى بدء مشكلة مستشفى الأطفال عام 1998 هو أقل من 1500 حالة (تشمل هذه الأحصائيات الوافدين الذين يتم ترحيلهم بمجرد ثبوت إيجابية التحليل). ثم نأتي للقاء مدير مستشفى الأطفال والذي فرح البعض به وأعتبره دليل البراءة الموعود، فقد حاول مدير المستشفى شرح الأبعاد العلمية للموضوع في محاولة منه للمناورة والتعتيم قدر الأمكان على الموضوع. ولا أظن أحد يلومه على هذا فالتحقيقات كانت وقتها جارية على قدم وساق. أضف إلى ذلك وجود شكوك في نتائج التحليل بوصفها إيجابية خاطئة (false positive) إذ لا يوجد شخص يمكن أن يصدق وجود ذلك العدد الهائل من الحالات الموجبة دفعة واحدة في ذلك الوقت. أضف إلى ذلك ثقافة التعتيم الأعلامي المنتشرة في مجتمعنا وإعلامنا في ذلك الوقت وحتى الآن. وتوجد في صفحة اللقاء صورة ضوئية لتعميم أو قرار بعدم إجراء الفحوصات الخاصة بالتهاب الكبد الوبائي والايدز قبل إجراء العمليات الجراحية (يفترض أنه صادر من مدير المستشفى)، وهنا أقول لكم وقبل أن يخرج أحد صائحاً بمقولة أرخميدس الشهيرة "أوريكا أوريكا" أن هذا هو الأجراء الصحيح الواجب أتباعه وفق توصيات منظمة الصحة العالمية وذلك بعد استنزاف مواد الكشف عن هذه الفيروسات، إذ كان الطبيب (أي طبيب بأي درجة علمية أو مهنية) يجري فحص ثلاثي (الكشف عن فيروسات إلتهاب الكبد البائي والجيمي والايدز) لجميع المرضى الذين يدخلون المستشفى ولأي مريض يتقرر إجراء عملية جراحية له. وجاءت توصيات منظمة الصحة العالمية بالخصوص (تعليمات عامة ولا تخص ليبيا فقط) لتقول بأنه يجب أتباع الإرشادات الوقائية الصحية السليمة مع الجميع. وللعلم فقط فلم يتبع أحد هذه التوصية من الصحة العالمية وأستمر الهدر في إجراء فحوصات لا لزوم لها وبشكل عشوائي. ونأتي لبيت القصيد وهي جملة ذكرت على لسان مدير المستشفى في آخر اللقاء بانه طلب من الطاقم الطبي والتمريض عدم حقن الشخص بنفس الحقنة التي أستعملت من قبل ونعطيه بديلا للحقنة في نهاية الصفحة التاسعة (حسب تصنيف المنارة)، وأنا هنا لا أعلم الكثير عن مصداقية ماقيل ونشر. لأن مدير المستشفى نفى نفياً قاطعاً بأنه صرح بمثل هذا القول، ولكن رغم هذا فإن الجملة لا يوجد بها أي أقرار بأن هناك إشتراك في إستعمال المحاقن، بل يوجد بها تأكيد على عدم إستعمال نفس الحقنة لنفس الشخص وهذا دليل على رفض فكرة الأستعمال المتكرر للحقن حتى ولو كان لنفس الشخص، وفي أشد حالات الذكاء وقوة الاستنباط فإنه يمكن أن نستخلص وجود حالات سابقة لإستعمال متكرر لنفس الحقنة ولكن لنفس الشخص. وإذا ثبت هذا فربما يكون مع مرضى السكري وفق توصيات منظمة الصحة العالمية التي أجازت لمريض السكري (نفس المريض) إستعمال نفس الحقنة لعدة مرات لحقن الأنسولين تحت جلده وليس في وريده بالتأكيد. وربما أستدل بعض الأطباء المشرفين على مرضى السكري بهذا لمرضاهم الذين يتابعون في العيادات الخارجية وليس داخل المستشفى. ثم نأتي لتصريحات أولياء الأمور في مجلة "لا" والذين جزموا منذ البداية بوجود يد آثمة وفي شهادة مكتوبة نشرت في مجلة "لا" ومنها شهادة الممرضة التي كانت متواجدة كمرافقة لأختها (لسوء حظ المتهمة) في الصفحة 4 حسب تصنيف موقع المنارة، هذه الممرضة المرافقة أكدت حدوث "أشياء غريبة" في المستشفى وهي قيام ممرضة أجنبية بحقن أختها المريضة بحقنة بها دم ملوث سبق لها ان حقنت بها مريض مجاور. وهنا نقف قليلاً عند هذا الكلام، فهذه ممرضة أستغربت مارأت ولا أظنها كانت ستعتبره شئ غريب لو كان أعتادت على فعله أو رؤيته أو حتى السماع به. وفي الصفحة رقم 8 توجد صورة ضوئية من شكوى تقدم بها ولي أمر يؤكد وجود التعمد والقصد الجنائي في العدوى رغم أن المجلة نشرت في نوفمبر 1998م وقبل كشف المتهمين والقبض عليهم بفترة ولكن وجود الشبهة الجنائية كان هو التفسير الوحيد لكل مايجري من الجميع. حتى من مونتييه نفسه (قبل أن يغير أقواله أو يميعها ويفضفضها) عندما ألقى محاضرته في مدرج بنك الدم بسيدي حسين عام 1998 وبشهادة من حضر تلك المحاضرة وهم كُثُر.
خرج علينا شخص ليبي قد تجدونه يعلن تضامنه مع المتهمين في كل مناسبة، هذا الشخص الذي يبدو أنه نسي تخصصه الذي لم يعد يمتلك منه إلا الليسانس، وأنتقل للفتوى في أمور الطب مؤكداً لنا وجود نسبة كبيرة لمرضى الهيموفيليا في بنغازي، وبأنه يستلزم نقل دم لذلك النوع من المرضى وهذه الجزئية صحيحة. ولكن السؤال المهم لفلته عصره: ترى ماهي نسبة مرضى الهيموفيليا في ليبيا؟؟ وماهو عدد مرضى الهيموفيليا بين الأطفال المحقونين بالإيدز (436)؟؟ والسؤال الأهم كم مريض من بين مرضى الأيدز أستقبل دم كعلاج من بين 436 طفل؟؟. هل تعتقد وفق معرفتك الوثيقة بالطب بأن مرضى الربو الشعبي والتشنج الحراري يحتاجون لنقل دم تعويضي أو بلازما مستوردة؟؟ وإليك الصدمة المتعددة الأغراض وهي كذلك لأنها صدمة لك وللمحامي البلغاري الغبي الذي أقر بوجود زجاجات البلازما الملوثة في بيت موكلته الممرضة كريستينا، مطالباً بمحاكمة الشركة النمساوية المصنعة، الأمر الذي أعتبره بمثابة قيامه بلف حبل المشنقة على عنق موكلته، واقول أيضاً متعددة الأغراض أيضاً لأنها تنفي فرضية كون الأهمال الطبي هو المسبب الرئيسيي للمرض بين أولئك الأطفال وأقصد هنا دراسة أجريت على أكبر فئة تستقبل دم تعويضي وكذلك أكبر فئة تستقبل البلازما المصنعة في ليبيا وهم مرضى الغسيل التعويضي في بنغازي كلها، لأن هؤلاء المرضي يشتركون بالفعل في إستعمال أجهزة الغسيل الكلوي (وهي بؤرة لنقل العدوى)، ويتلقون كميات كبيرة من الدم وجرعات كبيرة من البلازما المستوردة خلال فترة علاجهم المزمنة. للعلم فقط يوجد 3 مستشفيات في بنغازي تقوم بإجراء الغسيل الكلوي التعويضي وهي مركز الكلى ومستشفى الأطفال ومستشفى 7 أكتوبر. ونعود للدراسة التي أستهدفت جميع المرضى الخاضعين للغسيل التعويضي بتلك المستشفيات الثلاثة (من بينها مستشفى الأطفال المنكوب) والمصادفة الغريبة أنها أُجريت في نفس فترة إنتشار المرض عام 1998م، والغريب أيضاً أنها ألقيت خلال المؤتمر الرابع للعلوم الطبية والذي أنعقد ببنغازي في الفترة من 1/11/1998 إلى 4/11/1998م والذي أقتحم فيه أهالي الأطفال المغدورون قاعة حفل الإفتتاح، أتعلمون ماذا كانت نتيجة معدل إصابة هؤلاء المرضى في بنغازي كلها بفيروس الإيدز؟؟ إليكم النتيجة "كانت النتيجة عدم وجود أي إصابة بفيروس الإيدز (0%) في أي مريض يخضع للغسيل الكلوي التعويضي. إذاً لا يوجد مريض فشل كلوي واحد يخضع للغسيل التعويضي في بنغازي كلها يحمل فيروس الأيدز!!! (يمكن الإطلاع على كتيب الأبحاث المقدمة للمؤتمر للتأكد مما أزعم). رغم أني تعمدت الأبتعاد عن ذكر التحليل العشوائي للواردات الصحية وتعمدت الأبتعاد عن الذكر بأن جميع المتبرعين بالدم يخضعون لتحليل الأيدز والكبد الوبائي البائي ثم أضيف فحص الكبد الوبائي الجيمي عام 1997 ثم يعاد الفحص في المستشفى وقبل إعطاء الدم للمريض، رغم أن ذلك يعتبر أستنزاف للموارد لكنه يؤكد حقيقة خلو الدم من فيروس الأيدز. كما تعمدت تجنب الحديث عن حقيقة أن أغلب الأطفال المحقونين بالأيدز لم يتطلب علاجهم نقل دم لهم ، وأن المرضى الذين كان يتطلب علاجهم نقل الدم ثبت خلوهم من فيروس الأيدز وأقصد هنا مرضى الكلى وأمراض الدم بمستشفى الأطفال في أغلب الحالات وحالات الجراحة في نفس المستشفى في الحالات النادرة.

وقبل أن أختم أذكر هنا أنه حدثت حالات عزوف عن الذهاب للمستشفيات في تلك الفترة وكان الأهالي يفضلون موت مريضهم في بيته على إصابته بفيروس بالأيدز. ونتج عن هذا إرتفاع هائل في عدد حالات وفيات المنازل ومن مختلف الأعمار (وليس الأطفال فقط) نتيجة لهذا العزوف. عليه أطلب ممن تضرر ذويهم أو توفي نتيجة هذا العزوف أن يقوموا بتشكيل لجنة أو جمعية للمطالبة بمحاكمة المتهمين بتهمة القتل الغير متعمد والتسبب بالضرر (بالإضافة لشروعهم بالقتل العمد لأطفالنا بمستشفى الأطفال).

وأختم بالقول لمن لازال بعد هذا كله يعتقد بأن الأهمال الطبي أو نقص المعدات الطبية هو المسبب في هذا المرض بين أطفالنا الأبرياء :
لكل داء دواء يستطب به      إلا الحماقة أعيت من يداويها.

د/ حفيد المختار
________________________________________________

1- Gleghorn AA, et al. Can HIV-1-contaminated syringes be disinfected? Implications for transmission among injection drug users. Journal of Acquired Immune Deficiency Syndromes: JAIDS. 28(5):487-94, 2001 Dec 15.
2- Zhang W, et al. Spread of HIV in one village in central China with a high prevalence rate of blood-borne AIDS. International Journal of Infectious Diseases. 10(6):475-80, 2006 Nov.
3- Saha D, et al. Hepatitis and HIV infection during haemodialysis. Journal of the Indian Medical Association. 99(4):194-9, 203, 213, 2001 Apr.
4- Racz J, et al. Injecting equipment sharing and perception of HIV and hepatitis risk among injecting drug users in Budapest. AIDS Care. 19(1):59-66, 2007 Jan.
5- Lucidarme D, et al. Incidence and risk factors of HCV and HIV infections in a cohort of intravenous drug users in the North and East of France. Epidemiology & Infection. 132(4):699-708, 2004 Aug.
6- Hedberg JC, Gaub J. Hepatitis epidemic among drug addicts in Esbjerg from July 1993 to May 1994]. [Danish] Ugeskrift for Laeger. 157(41):5701-3, 1995 Oct 9.
7- Denis B, et al. High prevalence of hepatitis C virus infection in Belgian intravenous drug users and potential role of the "cotton-filter" in transmission: the GEMT Study. Acta Gastroenterologica Belgica. 63(2):147-53, 2000 Apr-Jun.
8- Backmund M, et al. Risk Factors and predictors of human immunodeficiency virus infection among injection drug users. European Addiction Research. 11(3):138-44, 2005.
9- Patel PR, et al. Hepatitis C virus infections from a contaminated radiopharmaceutical used in myocardial perfusion studies. JAMA. 296(16):2005-11, 2006 Oct 25.
10- Ballester JM, et al. Hepatitis C virus antibodies and other markers of blood-transfusion-transmitted infection in multi-transfused Cuban patients. Journal of Clinical Virology. 34 Suppl 2:S39-46, 2005 Dec. 11- Frances P, et al. Potential for medical transmission of HIV in Ethiopia. AIDS. 19(3):348-50, 2005 Feb 18.
12- Lopman BA, et al. HIV-contaminated syringes are not evidence of transmission. AIDS. 20(14):1905, 2006 Sep 11.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home