Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ثـقافة التسامح والاعـتراف بالآخـر

لانستطيع ان نجرد الانسان من عقله. وعقل الانسان يميز بين الحق والظلم او الباطل كما يميز بين النور والعتمة كلا التمييزين طبيعى.

ان الاختلاف أمر طبيعى بل حتمى فى هذا الكون وهذه سنة الهية وان الحق لايرتبط بالاشخاص ولابالدول ولا بالمؤسسات والحق أصيل وقديم,وهو الغالب بالكلمة والحجة والبرهان وأن الحق لايحتاج الى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب وأن الحق لايريد اقصاء الاخر ولا الغاء شخصه ولا الانتقام منه وقهره وازدراءه بل الحوار معه,فى جو يكفل المساواة فى الفرص والامكانات . وكما ان الحق ظاهر فانه لايزال فى صراع حتى يرث الله الارض ومن عليها ان الحوار فى معناه الصحيح لايقوم ولايوصل الى الهدف المنشود الا اذا كان هناك احترام متبادل بين اطراف الحوار واحترام كل جانب لوجهة نظر الجانب الاخر وبهذا المعنى فان الحوار يعنى التسامح واحترام الرأى الاخر والاعتراف بالاخر وليس الهدف من الحوار مجرد فك الاشتباك بين الاراء المختلفة او تحييد كل طرف ازاء الطرف الاخر وانما هدفه الاكبر هو ترسيخ قيمة التسامح وتمهيد الطريق للتعاون المثمر فيما يعود على جميع الاطراف بالخير.

التسامح هو قيمة جوهرية فى العلاقات والاتصال بالاخر وهو اسلوب تفكير ونظرة الى الاخر تقوم على الاحترام واقرار وتقدير التنوع للمفاهيم والاراء وطريق ممارستها. والتسامح هو انسجام فى الاختلاف القائم على العدل ونبد الظلم. ان قيم التسامح والانفتاح وقبول الاخر واحترام الاختلاف لاتنشأ بمقتضى أمر او طلب ولكنها تنبع من عقلية وأسلوب تفكير ذاتى وتتمظهر فى سلوكيات الفرد او المجموعة ذات الخصائص الحضارية المشتركة هذا يفترض ان يبدأ ترسيخها فى البداية اى منذ فترة تكون الشخصية الفردية ثم الشخصية الجماعية وكذلك يكتسب التعليم والتربية الاهمية الاكبر فى زرع قيم التسامح والانفتاح واحترام الاخر والوعى بذلك كله أمر ضرورى يجب ان نعلمه للاجيال الجديدة وبصفة خاصة عن طريق القدوة وليس عن طريق التلقين ولاجدل فى أن التسامح قد اصبح فى فضائنا الليبيى أكثر الحاحا من اى وقت مضى بل اصبح ضرورة الواقع. ان التسامح والحوار والتواصل بنية نفسية واجتماعية وسياسية وثقافية انسانية منطلقها الفرد وهدفها مصلحة المجموعة المحلية او الانسانية عامة والقدرة على اقامة الحوار وبناء علاقة تتواصل مع الاخر موهبة فردية وقيمة انسانية . واذا كانت حاجة الفرد ضرورة لاستخدام قدراته على الحوار والتواصل والتسامح مع الاخر سواء كان فردا داخل عائلته أو مواطنا يشاركه الفضاء الجغرافى والثقافى والسياسى والاقتصادى أو كان انسان يشاركه الانتماء الى نفس الكينونة فان حاجة المجتمعات والدول والثقافات لاقامة حوار مع غيرها أكثر الحاحا. لان انعكاسات انغلاق الفرد وتصلبه مهما اتسعت لايمكن ان تمس من هم حارج محيطه الضيق اما انعكاسات انغلاق المجتمعات والثقافات وتصلب العقليات فتنتشر بسرعة ويتسع تأثيرها الى حد اندلاع الحروب والصدمات والنزعات القبلية والعرفية والدولية.

وان الحوار لايمكن ان يكتب له النجاح الا اذا ساد التسامح بين المتحاورين ان المجتمع الذى لاتقوم ثقافته على التسامح مع المخالفين لايمكن ان يفلح لايعنى التسامح انتهازية تعايشية, اعطيك فرصة حتى تثوب وتتحول الى مذهبى وتنصهر فى حكمى أو نظامى. هذه المناورة مستبعدة كليا من المفهوم المعاصر للتسامح الذى يعنى تقبل الاخرين كما هم عليه.

لايوجد عوائق فى ثقافتنا العربية والاسلامية تؤول دون التفاعل بروح التسامح بمفهومه الحديث الذى أولا وأخيرا الاعتراف بالاخر والتعايش معه على اساس بأن للناس حقوق انسانية متساوية حيث هم بشر ليس الا. وهذا يعنى ان العلاقة الانسانية بين افراد البشر هى علاقة موجودات حرة يتنازل كل منها عن قدر من حريته فى سبيل قيام مجتمع يحقق الخير للجميع وهذا يعنى بعبارة أخرى أن هذا المجتمع المنشود لن يتحقق على النحو الصحيح الا اذا ساد التسامح وزوال الظلم بين افراده بمعنى ان يحب كل فرد فيه للاخرين مايحب لنفسه.

مما لاشك فيه ان مبدأ التسامح عظيم , لاننا كلنا اهل خطء والحقيقة التى نراها ونعيشها عندما يرى المخالف ان خصمه يراه شريرا او رجعيا وخائنا وظلاميا فانه تلقائيا يستبد برائيه ويستبدل ريشة قلمه بسيف يشهره على خصمه. وعندما يرى كلمات التسامح والصفح والمحبة من خصمه عندها يحس بعظمة التسامح والاحسان والصفح تتملكه هذا هو لسان كل انسان. الجميع يخطىء والجميع يتجاوز والذى يبقى فى النهاية بكل تاكيد هو التفاهم و التسامح .

والحقيقة التى لاجدال فيها أن التسامح متى ماكان أقوالا لاتدعمها السلوكيات, ومواعظ وكلمات وخطب ومؤتمراث لاتبرهن عليها الافعال, كان التسامح ضربا من ضروب الخيال انه من السهل ياسادتى أن ننمق الكلمات والعبارات ونرصف بها شوارع الاوراق لكنها فى النهاية تبقى حبيسة الاطار ومسجونة الالفاظ ان الواقع الحقيقى لكلمة التسامح هو. الثمرة السلوكية العملية فى الحياة نعم من ثمارهم تعرفها, هل تجنى من الشوك عنبا او تينا.ماأسهل التبشير باسم التسامح والعدل, لكن الثمار الشوكية سرعان ماتبدد حلم التسامح والعدل.

فلنبدأ بانفسنا ونفتح باب التسامح والحوار مع محيطنا القريب عبر الحوار المباشر والمفتوح ولنشغل مواهبنا وقدراتنا على الحوار والتسامح لنفتح ابواب التواصل مع الاخر البعيد من خلال كل الوسائل المتاحة لنا ونتحاور معا لايجاد قواسم مشتركة ولنتبادل الافكار والاراء والمفاهيم. والحاجة اليوم ملحة الى تبنى مواقف تتطابق مع المشاعر الانسانية واشاعة ثقافة التسامح بين الليبيين وتفعيل دور الحوار والتسامح يشكل مطلبا وحاجة وطنية ينبغى التمسك بها كعامل مساند لعملية الاصلاح واذكر فى هدا المقام بما يحضرنى من شروط التسامح:

- يجب ان يعلو الحوار فوق كل تعصبات أو اية افكار مسبقة على الاخر .
- الاستعداد لممارسة التسامح مع الاخر وقبول الاراء المضادة بشرط التجنب الصارم لان يتدهور ذلك التسامح الى علاقات مهينة بين متسامح يعتقد انه الاعلى والافضل وأخر تفرض عليه المكانة الادنى ويشار اليه باصابع الاتهام والريبة.
- يجب ان تكون العدالة وموازينها الصارمة هى الحكم الذى يتحكم اليه النقاش وفى الوصول الى نتائج يقبلها الجميع. فقط عندما تتوفر تلك الشروط يمكن ان يكون التسامح والحوار مثمرا ومستمرا وان يبتعد عن ان يصبح عبارة عن علاقات عامة ومصالح شخصية ضيقة.

وان التسامح نفسه والحوار يدعونا الى مراجعة قيمنا ومفاهيمنا ايظا للتاكد من صحتها وشرعيتها .فربما نكتشف خلال المراجعة ثمة انساق فكرية وعقيدية لاتتمتع باسس عقلية او شرعية وانما هى خليط من تراكمات ثقافية وموروثات تاريخية واجتهادات شخصية ومفاهيم فكرية ومصالح استبدادية تبلورت وتحولت بمرور الايام والسنين وبفعل الواقع والظرورف التى اصتحبتها والتعهد والحماية المستمرة لها الى مفاهيم عقيدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم بسلوك الفرد والمجتمع.
اذن المراجعة فرصة جديدة لتفحص مفاهيمنا ومحاولة جادة للوقوف على نقاط الضعف واكتشاف مراكز القوة والصعف وبالتالى سندرك اننا امام مفاهيم تحتاج الى تصحيح وليس غريبا فى روح اصول ديننا وعقيدتنا مبادىء التصحيح والمراجعة وانما اقصتها القر اءات الاحادية والفهم المتحيز فان منهج التستر والمداراة والخوف والمواجهة من خلف الستار حلول ترقيعية لاتنتهى الى نتيجة جدرية , وستعود الامور الى حالتها الطبيعية او تتخد اشكالا جديدة بنفس القيم والمفاهيم . وبهذا الشكل ستستمر الاخفاقات الواحدة تلو الاخرى . لذا علينا اعتماد خطاب ثقافى وفكرى علنى يتناول جوهر الاشكاليات ويتبنى نسقا جديدا من المفاهيم (كالتسامح والاعتراف بالاخر ) كى يتمكن المجتمع من تجاوز محنته.
واخيرا وفى الختام أود ان اشير الى احدى المأثورات الثابتة عن الخليفة الثانى الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه والتى تعد نمودجا رائعا على التسامح والاعتراف بالاخر.
فقد كان سيدنا عمر رضى الله عنه يتجول كعادته فى شوارع المدينة المنورة يتفقد أحوال الرعية فرأى شيخا طاعنا فى السن يتسول فى الطريق فسأل عن أمره وعلم أنه يهودى, فحزن الخليفة الفاروق لما اصاب هذا الشيخ الهرم مما اضطره الى التسول ,فأمر بأن يخصص له ولنظرائه معاش ثابت من بيت مال المسلمين يتيح له حياة كريمة.
وهذا الخليفة الفاروق هو نفسه صاحب العبارة الشهيرة (متى استعبدثم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)

ابوبكر ارميلة
A_armela@hotmail.co.uk
لندن


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home