Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

طـار السوّ... عمد الدنمـارك

يابتـّي دونك لخوك اللي يريد ينكلب يانا عليّا... هتفتْ جدتي بصوت خافت، وهي تدلفُ إلى غرفتي وتستعجلني لإرى ماذا حلّ بأخي... تساءلتُ أي من إخوتي... وبيني وبينكم أدركتُ من يمكن أن يكون ذلك المنفعل الإنفعالي: أيّن من خوتي؟ قالتْ بلهجة أقوى... تي فهمي يابنيّة... أنظر شنو ادعوة الشر اللي اركباته... انظر فيش يخرط في المربوعة اوحده. انطلقتُ إلى المربوعة وانطلقتْ هي في إثري وهي تقول... يانا علّي العيّل خذا وعطا.

لم يكن فهمي على مايرام منذ عدّة سنوات. كان يطوي نفسه على جرح ٍ عميق نازفٍ، جرح أصاب كرامته وربما كينونته كلّها ، وما برح ينزف. كان ذلك أيام مطاردة الأمن لإفراد الجماعات الإسلامية. كان مازال في الثامنة عشر،حيث اعترضته وصاحبه طارق دورية أمن في شارع شعبي في إحدى أحياء مدينة بنغازي الصابرة حتى التلاشي على ما ابتليت به. كانا ذاهبان سيرا على الأقدام لحضور مباراة في الحي، وبينما هما يتحدثان ويضحكان سمعا صوتا منكرا يصيح بهما، كان صادرا من مسخ يركب سيارة أمن وبجانبه مرافق لا يقل شكله قبحا: هيه.. أنتم يلّي اتـّفصّعوا زي القـ... عليش تضحكوا؟.. تعال هنا ياولد الـ... أنت واياه. ولإنهما لم يسكتا على وصفهما بالبغايا وابناء البغايا، فقد دفعا ثمنا فادحا. أهُدِرتْ كرامتهما، ورجولتهما وقيمة وجودهما، علنا...أمام الناس إمعانا في إذلالهما وفي تخويف الناس من باب اضرب القطوس تستادب العروس (تمتثـل). ترجّل المسخان من سيارتهما، واقتربا من فهمي وطارق اللذان وقفا بصمود لمواجهة قدرهما. ضُربا على رأسيهما بأخمس البنادق، رُكلا بالكادارات العسكرية المقيتة في كل مكان.. بلا رحمة ولإنهما قاوما ببسالة ولم يستجديا عطفا، طُرحا أرضا وأُمتُـطيا... نعم أُمتُـطيا... أمام الناس... واللي مايشري يتفرّج، سيقا بعد تلك الوجبة إلى احد المعسكرات حيث احتُجٍزا لعدة اسابيع. وحيث أن الواسطة في هذه البلد يمكن ان تُدخٍل اليهود والنصاري للجنّة المزعومة، فقد شفعتْ لفهمي وطارق. أُفرٍجَ عنهما وخرجا بكسور لا تنجبر وجراح لا تندمل. وكمحاولة من جامعة قاريونس لإثبات ولاءها قامت بفصلهما غير أن فهمي تمكّن من العودة لإستئناف دراسته في لحظة غفلة.

عود على بدء...
قلتُ لجدتي.. توّ نخش نشوفه كنّه.. وانتي راجيني هَنا... باهي؟
باهي ياحنّة.. خشّي شوفي خَيّك وهدّيه... الله يربّحكْ.
دخلتُ على فهمي متعللة بأني أريد شيئا من المكتبة، فوجدْته كما قالت جدتي يحدّث نفسه... وقد جلس على كرسي وغطّى وجهه بوسادة وكتبه ملقاة على الأرض.
اسم الله الكريم ...مع من تحكي؟
مع روحي كيف ما تشوفي...
إنشاءالله خير... شنو فيه هالمرّة؟ لم يجب... بل نظر إلي للحظة ثم أشاح بوجهه بعيدا وجعل ينظر الى لا شئ...
قلت بالحاح... فهمي إحكي معاي... مش صح تكمي همّك... هضا يصيّفك من دون جيلك... قال بحرقة مؤكداً : جيلنا كلّه صاف... جيلنا صاف من دون جيله في باقي العالم...
أجبته: كلامك كلّه صح... قولّي شِللي مزعلك تــوّا؟ شنو فيه؟
رد بحماس ساخر: شنو فيه... يا ما فيه؟ كيف..؟ ماتجيبيش علم من شي؟ لاتسمعي فخبار ... لا يحكنلك صاحباتك في الجامعة... مانكش عايشة معانا والا شنو؟

قلت بلهجة دفاعية: ماهو كلّ يوم صايرة كاينة... أيّن من الكواين اللي حارقتك توّا؟ هروب العرب إلى اوروبا أفواجا، غرقة العبّارة المصرية.. والألف بنادم اللي مشوا دخان سحور مساكين.. هالحديث اللي صاير في العراق.. ها لبطالة اللي كل يوم تزيد عندنا... هالجوع في السودان في ظل حكم إيّاهم... تمزيط الحجّاج بالجملة علشان موكب وحدة... (حاشاك)... والا الفقر والعازة اللي خلاّ البنات، حاشاك، يـ... ؟ حدّد أيّن من الكواين اللي مخليتك فهالحالة؟.. ما تقولـّيش الصحيفة الدنماركيّة حتى أنت!
ردّ مستغربا تساؤلي.. فيه موضوع أكثر جدّية من هضا!!! أنتِ شنو... ماتعتبريش شتم الرسول كاينة؟

غير راجي شويّة... ماتزعّلش روحك... آهو العالم الإسلامي كلّه ثار انتقاما من صحيفة مش معروفة بكّل. هذي حاجة... والحاجة الأخرى شنو الكاينة وشنو الجديد في موضوع زي هضا؟ اللي صار قاعد يصير له سنين. كُره أهل الديانات لبعضهم مش من اليوم.

والله يا مسكينة قريب نخش في عقل مش عقلي... اللي قاهرني في الموضوع كلّه ان حتى في موضوع زي هضا مانقدروش نتحركوا إلاّ إذا اللي فوق يبّوا يحركوا الناس ...

أجبته محاولة تهدئته: ما تزعلش... آهو النظام هو اللي تعامل مع المشكلة.. هاهو صكـّرلهم سفارتهم وحرمهم من متعة التواصل مع ليبيا، وصكّرلكم سفارتكم اللي عندهم والجماعة روّحوا دموعهم ستة سبعة ما يبّوش المرواح... تفرّج علي هالمسرحية واضحك... ما حدّش واخد منها حاجة على قول المصريّة.

هنا دخلت جدتي وقالت موجّهة كلامها لفهمي: إيهديك الله ياوليدي.. كنك ياباتي تشغل فيّ عليك؟

أجاب بلهجة هادئة: بالله ياحنّي شنو اللي يفرّح فهالوقت... خلّيني كاميها خير. اقتربتْ منه ووضعتْ يدها على رأسه وقرّبته من حضنها قائلة... سادّك اللي صارلك... ما تخلّي في عقلك شي وراس اوليدي... اشكي لي نا... والا لأمّك والا لخيّاتك واهو الحمدلله بيّك حي وخيينك يالاك... ما تشيل هم شي... وكيف ماتشوف ياوليدي العرب كلّها مضروبة بعصا وحدة. قالت ذلك ومالت تلتقط الكتب الملقاة على الأرض. جدتي تقدّر الكتب تقديرا خاصّاً رغم أنها أمية، وربما هذا سبب تقديرها للكتاب، فلهجتها دائما تصطبغ بالمرارة حين تتحدث عن ضياع فرصة التعليم عليها.

قالت: والكتابات فيش جن هللي طراطيش عالوطا؟ رد بالك من قرايتك ومن كتاباتك.. راه قرايتك هي اللي تنفعك.. تلقى روحك... وحياة حنّك. نحن ما صدّقنا اللي ردّيت للجامعة بعد ما فصلوك ضنا الحرام... الله لا تربّحهم لاتربّـح الساعة اللي جابتهم.

سألت فهمي عن سبب انفعاله الآن فقال كنّا نحاول منذ اسبوع تنظيم مظاهرة تندد بالسخرية من الرسول وحاولنا نتحصّلوا على إذن أمني واليوم جاء الرد وقالوا واحد يتحرك يشوف دين أمه.

أظهرتُ تأييدي لذلك ولكن فهمي اشتعل غضبا مرّة أخرى، فنهرتني جدتي ثم طلبت مني احضار كوب لبن لفهمي: عدّي ياحنـّة جيبي لخيّك كباية لبن رايب بيش تروّقه اشوية. ويبدو أن جدتي فهمت ما سبب انفعال فهمي ولم تكن قبل ذلك تعلم بموضوع الساعة، فعندما عدتُ بكوب اللبن وجدتُها تتحدث وما أن رأتني حتـّى وجّهتْ حديثها إلي: اسمعتي يابتـّي اش قايلة هالسايبة الديماركية... أياك إلاّ الرسول شين... تاخد السو امغير (الله امصلّي امسلّم عليه) ما فيه سو. على خبر العرب المتعلمة والعرب اللي راته ما هناك اسمح منّه... وحمر أبيض تقول نصراني... وحياة حَنّك قالوا ما اتقول عليه إلا الماني.
قاطعها فهمي بلطف ولكن محتدما: ياحنّي افهمي الموضوع زين... وماتدويش عالرسول هكّي.. راه الكلام اللي تقولي فيه أشرّ من اللي قالوه الدنماركيين... تقول نصراني صحيح... استغفر الله.

قالت مدافعة: اسم الله... كنـّك ياوليدي... نا بيدي اش قلت... قلت الرسول (الله مصلّي عليه) سمح... وهضا كفر؟.. إيـّاك إلاّّ أشّر من اللي قالوه الديماركين.

تدخّلتُ محاولة إفهام جدتي سبب غضب فهمي وأنها لا يجب أن تتحدث عن الرموز المقدّسة هكذا كما لو كانت تتحدث عن المرابطين وذكرتُ تحديدا الشيخ الأسمري... وسيدي مرعي... وهنا، ولدهشتي، قاطعتني جدتي بلهجة صارمة، استجابة للهجة السخرية التي استشعرتها منّي تجاه (سيدي عبد السلام).. أسمعي يابنيـّة... قلت لك ستين مرّة ما اتـّهزّيش عالمرابطين... راه يعشموا فيك... تستور ياسويدي عبسلام... عندها قال فهمي ساخرا: توّا ياحنّي اوجعك سيدي عبسلام وما اوجعكش سيدنا محمّد؟

قالت مبرّرة: كنكم ياعويلتي... سيدي عبسلام لسمر مرابط راهو... وبرهانة قوي... تستور يالسمر... تستور ياجد اعسيلة. نلقاه إنه ديما يفزع لي... والله حتى منين مشيت للحج... في وسط بيت الله وما ننده غير في سيدي عبسلام... كنكم راه هو اللي جاب الفزع لعسيلة اللي كانت ايسيرة عند الطليان... ها... ماله ليش يقولوا يا جد اعسيلة.

قال فهمي : ياحنّي اللي بيشفع فيك يوم بكرة هو الرسول مش سيدك عبسلام ولا حَنـّك اعسيلة.

قالت في لهجة من يؤمن بفكرته: عارفته هو اللي بيشفع فيّ (الله مصلّي وسلّم عليه) ما هو شفيع أمّته عاد... انا مانيشي كافرة بيش ما يشفعليش.

قال فهمي مداعبا: وكيف عاد تبّيه يشفع فيك وانتِ مش زعلانة عليه. قالت محتقرة قيمتها كفرد في هذه الأمة وأنثى: والرسول مستحقلي نا بيش نزعل عليه... منو قال بالزمّيته نهار العيد... انا شنو باللهِ؟ هنا طرق الباب وذهبتُ لإفتح فكانت الحاجة آمنة وهي صديقة لجدتي وأمي. سألتني: أمك قاعدة؟
لا..
وين واخذة وجهها؟
ماشية تعزّي هي وباتي. بدت مفزوعة وهي تسأل: تعزّي في من؟
واحد صاحب باتي.
آآآه... وحنّك معاهم؟
لا... حنّي قاعدة... تفضلي.. آهي في المربوعة.
فيش اتدير في المربوعة؟؟... المربوعة للرجالة ماهي للصباياش
تهدرز مع فهمي.
دخلتْ عليهما: خير ياحاجّة... اشحالك... خير يافهمي... اشحالك يابوي
ردت جدتي: خير ومرحبا... اشحالك ياحنّة.. اياك ما عندك سو؟ تفضلي جوّا
دخلتا لغرفة الجلوس وتبعتهما لإجهّز عدالة الشاهي وبعد قليل التحق فهمي بهما لإنه يجد متعة لا تضاهيها متعة في ثرثرة العجائز.
إتخذ مجلسه في مواجهة جدتي التي نظرت اليه محاولة استئناف الحديث: صار هضا اللي مزعّـلك ومخليك تاكل في روحك؟ قال فهمي مواصلا الحوار: لو كل واحد يقول الرسول مش مستحقلي ما عاد يتحرك حد... أهو انا... لو نلقى نطربق الدنيا عالدنمارك والله ما نتردد... حسّني نغلي غلي من جوّا..
قالت جدتي مدافعة : لا ياوليدي... الديمارك كلّها فيش جت... دونكم لهالسايبة اللي جابدة صور رسول الله وقايلة عليه شين. ضحك فهمي واراد أن يعلّق ولكن تدخّل الحاجة آمنة في الحوار حال بينه وبين التعليق. قالت الحاجّة آمنة: لي يومين والا ثلاثة نسمع فالعويل ما عندهم دوّة امغير علي الدنبارك... ويتحلّفوا ويخنّـقوا في قطاطيسهم... والوطا ماهم قاعدين فيها والسما ماهم لاحقينها. قالت جدتي: تي عاد هي وحدة اللي عايبة في الرسول... العرب الاخرى فيش جت؟ ما فيهم اعويلة وصبايا ماذنبهم شي. قالت الحاجة آمنة مقاطعة: ريتي يا زاهية.. وانت يافهمي... عرب الدنبارك ما جو في شي... لكن هالغضيبة اللي عايبة في رسول الله ما يسكّـتها إلا طبّنا اللي انديروا فيه في بلادنا. أثار هذا الإقتراح فضول فهمي وفضولي، فجئتُ مسرعة بسبت الكعك وسندويشات الجبنة والتن والتحقت بهم. قال فهمي: دونك اسعفينا يا حاجة آمنة... شنو طبّكم؟ قالت وقد اعتدلت في جلستها وامالت جذعها إلى الأمام في اتجاه فهمي وكأنها تريد أن تهمس له: العيل، يافهمي، والا البنت من وهم صغار... اللي يقول منهم كلمة مش كويسة وإلا كلمة ماتطيبش عالكبار نمسكوه ونحكّـوله الفلفل في شواربه... يشعف ما عاد يعاودها... وهذا اللي امخلّي اعويلة وابنيّات هالوطن متربيين وساكتين... والواحد منهم ما يقدر يقول حتى أشهدو لا إله امفيت وهو واخذ لذن (الإذن).. وآهي حنّك زاهية اتكذّبني كان كلامي مش صحيح... حتى هالدنبركية والاخرى قالوا جارتها اللي عايبات في الرسول الكريم... لو كان العقيد يابا ايدزّني للدنبارك... الساع نمسكهن ونحكّـلهن الفلفل في شواربهن لين يشعفن ماعاد ايديرنها... مش هكّي خير يازاهية؟.. بيش هالعويل يهمدوا... ومات البحر وصلّى عليه الحوت.

خلاص، شفتوا كيف لازم نتعاملوا مع المشكلة... مش تقولّي حرق اعلام وسفارات... زاهية وآمنة مازالن ماكمّلن إقتراحاتهن... زرّتهن صلاة المغرب... توا يجن بعد اشوية... وليل الشتاء طويل عالعدو.. والحاجّة آمنة باين عليها بايتة عند حنّي الليلة.. مازال عندهن مايقولن... ارجوهن!

سـدرة المنتهى


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home