Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قضية الإخوان: الانبعاث، السجن والإفراج (4)

الانتقال إلى بنغازي

"إن الإنتماء السياسي والفكري ليس معرة وانما مفخرة لمنتسبيه." صالح منصور

استدراك
تكلمنا في الحلقات الثلاثة السابقة عن نشأة حركة الإخوان المسلين في ليبيا، وصعود وهبوط مؤشراتها، سواء أكان ذلك الصعود والهبوط ذاتياً بسبب ظروف التنظيم ومنهجيته ، أو قسرياً نتيجة لتصدي السلطة وقمعها للحركة، بالإضافة إلى الظروف الموضوعية لوعي الجماهير وإدراكها سلباً أو إيجاباً لما يطرح عليها من قبل التنظيمات العقائدية المتنافسة آن ذاك.
ثم انتقلنا في الحلقة الثانية إلى الصحوة الإسلامية في نهاية السبعينات إلى منتصف الثمانينات، واستفاذة حركة الإخوان منها، والتفاف الشباب حول برامج الحركات الإسلامية ومنها برامج الإخوان، ورأينا كيف استلمت قيادة الحركة قيادات شابة وواقعية ساهمت في انبعاث هذه الحركة من جديد بمنهاج واضح ومحدد المعالم.
أما الحلقة الثالثة فقد تحدثت عن حملة الاعتقالات في صفوف الحركة، وكشف برامجها بالكامل للنظام، وتطرقنا للوقفة الشجاعة والمسئولة لقيادة الإخوان المسلمين في مواجهة الأزمة وقرار البقاء في الوطن، رغم فرص الهروب المتاحة، وكيف تحدت السلطة بأفكارها وآرائها الإصلاحية المعتدلة بعيداً عن التشنج والاستفزاز فنالت تعاطف الجماهير، وإعجاب الأصدقاء واحترام الأعداء، ومهدت الطريق للاعتراف من السلطات بتعدد الآراء ولو على مضض، ثم استمعنا لشاهد عيان يروي لنا عن رحلته المريرة إلى تلك الزنزانة الرهيبة وأولئك الوحوش الذين يطلق عليهم مجازاً ـ محققين ـ. ولنترك هذا الأخ الفاضل يكمل حكايته، ورحلة الكرامة من التنظيم إلى السجن ورحلة الشموخ من السجن إلى البيت والأحبة بعد أن أعتقد يوماً أنه لن يراهم، ولكن رحمة الله أوسع، و إن مع العسر يُسراً.

رحلة بنغازي(*)

بعد عدة أيام من التحقيق والعذاب، تعودنا على تلك الغرفة الكريهة، والتي تبدو وكأنها فندق خمسة نجوم عندما تقارنها بجلسات التحقيق والضرب والإهانات. لم أتصور أن يكون بيني وبين هذا القبو-الزنزانة- ارتباط عاطفي، فكنت إثناء جلسات التحقيق المطولة ، لا أفكر إلا في ذلك القبو واسمنته البارد فهو أرحم من كلمات المحقق ولكماته. كنت انتظر بفارغ الصبر الكلمات الأخيرة للمحققين والتي لا تختلف كثيراً، فما أن يقول المحقق "اخرجوا هالـ...، أو أخرج يا كـ... "، - فاللفظ عندهم يعكس رتبة المحقق وغروره-، فما أن اسمع هذه الكلمات وبغض النظر عن حالتي الجسدية والنفسية، فإني لا أتذكر إلا ذلك القبو وكيف سأكون فيه لوحدي أتكوم على أرضيته الباردة وجدرانه المعتمة ، نعم إنها أرحم من السجان والمحقق.

في احد المرات، بعد أن رجعت من غرفة التحقيق وبعد أن تمرن أحدهم في وجهي وبطني المتكرشة قليلاً، فكنت ذلك اليوم "كشوال " الملاكمة لتدريب الهواة، من كثرة اللكمات الطائشة إثناء جلسة التحقيق. لم أتمالك نفسي وأنا أسرع الخطى إلى زنزانتي الحبيبة, واسمنتها الذي لا ينطق. لم أتناول كسيرات الخبز تلك الليلة ودخلت في نوم عميق وكغير العادة، بدون أحلام، ولم أصحو إلا على كلمات الصباح التوبيخية، "نوضوا يا كلاب" ، هكذا ينادينا من لا يساوي كلماته!!!.

كان التحقيق يومياً يدور حول عضويتنا في تنظيم الإخوان المسلمين، ودوري القيادي فيه، فكنت انفي ما يدعون، فتنهال علي الشتائم والضرب كل مرة. لا... لا أريد.... أن أتذكر ذلك فقد كانوا وحوشاً، بل كانت الوحوش ارحم منهم، وكانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قساوةً.

* * *

خفت التحقيقات والمعاملة القاسية نسبياً، ولكن لازلنا معزولين عن العالم الخارجي، ولم يسمح لعائلاتنا أو محامي الدفاع بزيارتنا، وفي صباح أحد الأيام، وعلى غير العادة استيقظنا على صخب عالي وهدير محركات السيارات يشق عنان السماء في تلك الساعة المبكرة، مع وجود حركة كبيرة للجنود وهم يصيحون بأصوات عالية، ثم فجأة قُرع باب الزنزانة وصاح فينا أحدهم، أنهض...أنهض، ثم جُمعنا في ساحة السجن، وعندها وجدنا كبار مسئولي الأمن ومدير السجن في هذا الوقت المبكر ولم ندري ماذا يُخطط لنا، وماذا يخفي الزمن !

أُخذنا إلى عدد من الحافلات كانت في انتظارنا في ساحة السجن، وركبناها واحداً واحداً بعد التأكد من هويتنا، وكلما دخل أحدنا الحافلة استُقبل باللكم والركل من قبل رجال الأمن وتحركت بنا الحافلات في ساعة مبكرة ولا ندري وجهتنا وما تخفيه الأقدار. أخذت حافلتنا تنهب الأرض وكأنها في سباق مع الزمن، وتصورت في بادئ الأمر أننا في الطريق الى إحدى ساحات الإعدام كما توعدنا بذلك أحد المحققين، ولكن الرحلة لم تنته ولم استطع أن أتعرف على معالم الطريق فزجاج الحافلة كان معتماً، والرحلة لم تنته ولساعات والسير كان في طريق شبه مستقيم و بدون عراقيل تذكر.

الساعات رتيبة وكأنها أيام، ولم يسمح لنا بالتحدث لبعضنا البعض، بل سُمح لنا بقضاء الحاجة فقط ، حتى وصلنا بعد حوالي اثني عشرة ساعة أو يزيد إلى مكان عرفنا في ما بعد أنه أحد السجون في مدينة بنغازي. وعرفنا فيما بعد أن التحقيقات انتقلت بالكامل للأجهزة الأمنية في بنغازي والتي على ما يبدو أكثر تمرساً في هذه القضية نتيجة للمعلومات التي تحصلت عليها في بداية التحقيق وكذلك للشراسة المعهودة لهم مع المعتقلين.

بداية التحقيق الثاني

أُدخلت في اليوم التالي لوصولنا إلى غرفة بها عدد من كبار ضباط الأمن من المناطق الشرقية من ليبيا - حسب اللهجة- , وكان منهم العقداء والعمداء والبعض منهم بالملابس المدنية، ومعهم أثنين من اللجان الثورية. وما أن دخلت الغرفة حتى بادرني أحدهم بسؤال: كنك ما اعترفتش؟، أي لماذا لم تعترف؟. فأجبت، لم أفعل شيئاً أعترف به. فأردف - نفس الشخص- متسائلاً: ألست أنت فلان، فأجبت : بلى. ثم بدأ في سرد سيرتي الذاتية بالكامل، وكذلك دوري في الحركة، وفي الحقيقة قد فاجأني بالمعلومات التي لديه على عكس زملائه في طرابلس، والتي كانت معلوماتهم سطحية. فجأة انتفض أحد الحاضرين، ورمى بين يدي كومة من الأوراق ، وقال: خذ واقرأ هذه الاعترافات و إن لم تتكلم بعد ذلك أقسم بالله سوف نعلقك من خـ...ّ!!.

تناولت الأوراق المرمية أمامي وكانت اعترافات لأحد الإخوة مكتوبة بخط اليد. أذهلتني دقتها وتفاصيلها، فلقد كانت سرداً للأحداث والوقائع المتعلقة بالحركة وبرامجها منذ 1994، وحتى تاريخ عمليات القبض، عندها أيقنت أنه لا مفر من الاعتراف بمسؤوليتي ومواجهة الأحداث بكل شجاعة ، فأنا لم أرتكب جرما ولم أخالف قانوناً ولكني مارست حقاً من حقوقي الإنسانية وهو التعبير عن أفكاري بطرق سلمية. لا بد من مواجهة النفس والغير وليس لدي ما أخجل منه، وقررت أن أقول ما عندي.

تناولت قلماً وورقة وكتبت اعترافاتي بانتمائي لحركة الإخوان المسلمين، ودوري في هذه الحركة والتي لم يُعرف عنها ممارسة العنف(2)، أو الدعوة للعنف وإنما هي حركة دعوية تدعو لله وتنشر الفضيلة بين الناس. بعد أن فرغت من اعترافاتي أحسست براحة نفسية كبيرة، وأزحت عن كاهلي كابوس الخوف ومزقت إلى غير رجعة جدار العمل السري الذي كان يفصلني عن الناس، وشعرت بفخر أكبر مقارنة بما كنت أعمله ، وما انتسبت إليه لم يكن عاراً أو زندقة كما كانوا يصفوننا به دائماً.

بعد أن ناولتهم اعترافاتي انفرجت أسارير المحققين من مدينة بنغازي، وعلا وجوههم زهواً وفرحاً شديدين؛ ولما لا و قد أنجزوا ما عجز عنه زملائهم في طرابلس، وقد يعطيهم هذا حظوة أكبر عند أصحاب الشأن.

تغيرت المعاملة بعد هذه الاعترافات، وخفت عمليات الضرب بل تلاشت، وحلت محلها معاملة ألطف، وأُعطينا ملابسا جديدة، وتحسن الأكل وازدادت فترات الراحة، وتوافد علينا بعض الأفراد، لا للتحقيق هذه المرة ولكن لنقاشنا في أفكارنا، فكان منهم ضباط الأمن وأعضاء اللجان الثورية وبعض الأكاديميين المحسوبين على النظام. فكنا نناقشهم بكل صراحة ونقدم لهم ما كنا نراه حقا، وأكدنا لهم على سلمية الحركة ونهجها الإصلاحي وأنها لا تسعى لتغيير الحكم أساسا ولا تستخدم العنف. وعندما سُؤلنا : لماذا لا نعبر عن آرائنا من خلال المؤتمرات الشعبية ؟ ، أجبنا بأننا على استعداد للحوار في أي مكان تُتاح لنا فيه حرية التعبير والدعوة وأوضحنا لهم إننا لم نجد في المؤتمرات الشعبية ما يدل على هذه الحرية، والذنب ليس ذنبنا أو ذنب الشعب، وإن المسؤولية في هذا الإخفاق يتحملها القائمون على هذه المؤتمرات.

الرجوع إلى طرابلس

قضينا عدة أسابيع في أحد سجون بنغازي، وقد تحسنت أحوالنا جزئياً، رغم أننا لا نزال في زنزانات ضيقة وتفتقر لأبسط أنواع الحياة التي يجب أن يتمتع بها سجناء الرأي الذين لم يرتكبوا جرما. ففي السجين لا يتمتع السجين بالحق في نقاش الأدلة التي ضده، ولا بحقه في اختيار محاميه، ولا يسمح لنا بالاتصال بعائلاتنا والعالم الخارجي، وغرف السجن، عارية تماماً، فلا فراش أرضي ولا تكييف ولا تهوية ولا توجد بها أسرة لائقة فهي عبارة عن اسمنت بارد في الشتاء وحار صيفاُ. بعد عدةاسابيع من اقامتنا ببنغازي قررت السلطات ارجاعنا الى طرابلس حيث سجن ابوسليم في انتظار المحاكمة.

جرى إعادة التحقيق معنا في طرابلس من ألفه إلى يائه، وكانت التحقيقات روتينية و بقدر كبير من الإنسانية هده المرة. .كانت الاعترافات المنتزعة تحت طائلة التهديد والتعذيب هي الدليل الوحيد ضدنا ، ومع ذلك قررت قيادة الحركة التأكيد على الإتنماء لحركة الإخوان المسلمين، والتي تدعو للإصلاح السياسي والإقتصادي، وإعطاء الشعب الليبي الحرية في التعبير والانتماء السياسي دون تهميش أو إقصاء.

كان المحققون أقل حدة هذه المرة، واكثر لطفاً من زملائهم في بنغازي، وقد حاول بعضهم ثنينا عن الاعتراف وأوحوا لنا بنكران ما اعترفنا به في السابق، ولكننا لم نفهم مغزاهم ، فأعدنا اعترافاتنا السابقة مؤكدين على حقنا في الانتماء الفكري دون وصاية، وحقنا في المشاركة السياسية في القضايا الوطنية التي تهم الجميع دون استثناء.

حورات مع النظام

بعد أن هدأت العاصفة وانقشع غبار التحقيق عن وجود فعلي لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا، وانتساب نُخبة من المثقفين والمهنيين والأكاديميين لهذا التنظيم، لم يجد النظام بدا من الاعتراف بهذه الحقيقة القائمة. وقد أثبتت الاعترافات رغبة جامحة للمعتقلين في التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم في الإخفاقات السياسية والاقتصادية وعلى مدى29 سنة من عمر هذا النظام.

لقد أصبحت ليبيا في ذيل قائمة الدول النامية وتتنافس مع دول مثل ليبريا وسيراليون في مقاييس التخلف والفساد الإداري والإقتصادي، ولنتساءل : لماذا هذا السقوط المريع على كافة الأصعدة، رغم إمكانياتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي المتميز وسط دول شقيقة وصديقة، وتجانس بشري رائع ازداد قوة على مدار ألف سنة بروابط الدين وأواصر القربى؟.

بعد قدومنا إلى طرابلس قام بزيارتنا أعداد من ممثلي الأجهزة الأمنية ومنهم موسى كوسة والتهامي خالد، وكذلك بعض من أعضاء اللجان الثورية ومن بينهم المختار ديرة وبعض أعضاء جمعية الدعوة الإسلامية، وكان الغرض من هذه الزيارات هو الحوار، وقد التقوا جميعاً بخمسة من المعتقلين فوضناهم ان يتكلموا باسمنا جميعاً وأعطيناهم ورقة بيضاء للحوار باسم أعضاء حركة الإخوان المسلمين المعتقلين.

لقد أفصح الإخوة المحاورون عن برنامج الجماعة السلمي والإصلاحي، وفندوا الإدعاءات القائلة بان لا حاجة لتكوين حركة سرية للقيام بعمل إصلاحي فالعمل السري له محظورات كبيرة وقد يسبب في انتهاكات من الصعب التنبؤ بنتائجها، وهنا طلب الإخوة السماح بعلنية العمل السياسي وفق منظور دستوري وقانوني يحمي منتسبي العمل الياسي من الملاحقات. لقد ركز الإخوة الخمسة من السجناء على أن هدفنا ليس الوصول للسلطة،ولا نسعى لتغيير النظام بالقوة،وانماهدفنا هو الدعوة لدين الله وفهمه فهماً صحيحا والابتعاد عن الرذيلة والتمسك بالأخلاق طريقا لتربية الفرد والأسرة، ونسعى للإصلاح السياسي والإجتماعي في جو من الحرية والأمان.

والطريف في الأمر أن السيد مختار ديرة وآخرون قد عبروا عن إيمانهم بكل الأفكار التي طرحها الأخوة ولا يجدون فيها ما يتعارض مع قناعاتهم الشخصية، ولكنهم يتحفظون على العمل التنظيمي السري والذي يتعارض مع فلسفة النظام، ومن هنا أكد الإخوة المحاورون أنهم وغيرهم لا يجدون غضاضة في التعبير عن وجهات نظرهم ومن خلال الوسائل المتاحة، ولكن التجربة أثبتت أن آلية الموجود وايديولوجيته لا يسمحان بذلك.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة والأخيرة :
المحاكمات والإفراج.

صالح منصور
________________________________________________

1. حديث احد الإخوة المفرج عنهم من أعضاء حركة الإخوان المسلمين، في رسالة بعث بها مشكوراً وطلب مني نشرها، وقد نشرتها دون زيادة أو نقصان، وقمت بصياغتها وإعدادها للنشر في حلقات.
2. لقد قامت حركة الإخوان المسلمين بعدة إغتيالات ساسية ومحاولات إغتيلات في السابق وعدة مواجهات مسلحة في عدة اقطار عربية، وكدلك لديها ادبيات تحرض على العنف، مثل كتاب معالم على الطريق، للسيد قطب، وجاهلية القرن العشرين، وحسب علمي لم تتبرأ حركة الإخوان المسلمين الليبية من هده الأدبيات ولم تستنكر الإغتيالات او محاولة الإغتيالات. صالح منصور


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home