Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك : ( الموضوعـيّة والالتزام : هل ثمّة تناقض؟ )

إلى السادة فرسان القلم الليبي طارق القزيري والأستاذ فرج بوالعـشة وكافة القراء المحترمين
أهدي هذا المقال عـسى أن ينال إعجابكم.

الموضوعـيّة والالتزام : هل ثمّة تناقض؟
أ. د. عماد الدين خليل


المصدر : صفحة إسلام اليوم ـ 19/3/1427 17/04/2006
http://islamtoday.net/articles/show_articles_content.cfm?id=37&catid=185&artid=7124

بعض الدارسين يقيم صراعاً، قد يكون مصطنعاً، بين الموضوعية والالتزام عند دراسة الإنسان الفرد، والإنسان والمجتمع والتاريخ والحضارة والمستقبل. وهذا يثير إشكالية تبحث عن جواب ..
بإيجاز شديد، نحن كمسلمين نؤمن -حتى النخاع- بمصداقية عقيدتنا الإسلامية في تعاملها مع الإنسان والمجتمع والنشاط الحضاري .. أي بموضوعيتها، وإلاّ ما غدونا مسلمين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً). [الأحزاب:36]. (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً)[المائدة: من الآية3].. فالإسلام ـ كما هو بديهي ـ كلمة الله الأخيرة إلى الإنسان، ومنهجه الخاتم في الأرض، وما يقوله بصدد الفرد والمجتمع والنشاط الحضاري هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (ويجب أن نفرّق هنا بين معطيات كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين اجتهادات المسلمين أنفسهم).
فليس ثمة خط فاصل ـ في الرؤية الإسلامية ـ بين الموضوعية والالتزام. بل على العكس، إن الالتزام بالمفهوم هذا يمنحنا معايير صادقة ومنضبطة للحكم بموضوعية على مفردات التعامل.
والقرآن الكريم يقولها بوضوح: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). [المائدة:8]. (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). [الأنعام: من الآية152].
إنها دعوة صريحة مؤكدة للتعامل العادل مع الجماعات والظواهر والأشياء، بغض النظر عن اختلاف المبادئ والمنطلقات.
ثمة شيء مدهش إذا صحّ التعبير ما عرفه مذهب من المذاهب في التعامل " الموضوعي " العادل مع "الآخر"، ولكنه في تقاليدنا القرآنية والنبوية يصير ظاهرة مؤكدة بل أمراً ملزماً!
لنسترجع معاً هذه الآيات من سورة النساء، ثم لنتأمل المغزى الذي يتشكل في كل حرف أو كلمة فيها، مما يبدو ـ بحق ـ قمة تتضاءل دونها سائر القمم الأخرى في مجال التعامل الموضوعي العادل كالصراط مع الظواهر والأشياء، ومع الإنسان أياً كان موقعه في الزمن أو المكان أو الطبقة أو العرق أو المكانة أو ـ حتى ـ الدين: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [النساء105-113].
هذه الآيات، كما يحدّثنا الشهيد سيّد قطب في (الظلال):
"تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً. وتشهد وحدها، بأن هذا القرآن وهذا الدين لابدّ أن يكون من عند الله؛ لأن البشر ـ مهما ارتفع تصوّرهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم ـ لا يمكن أن يرتفعوا ـ بأنفسهم ـ إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات، إلاّ بوحي من الله .. "إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة على الإسلام والمسلمين.. في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب، ويؤلّبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق، ويطلقون الإشاعات، ويضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج. والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية لا يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين، واليهود أنفسهم، تمثل خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم وتناسقه. في هذا الوقت الحرج، الخطر..
كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الجماعة المسلمة لتنصف رجلاً يهودياً اتهم ظلماً بسرقة، ولتدين الذين تآمروا على اتّهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجنده، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة!
" .. إن المسألة لم تكن مجرّد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام ـ وإن كانت تبرئة بريء أمراً هائلاً ثقيل الوزن في ميزان الله ـ إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع الموّدة والشنآن أياً كانت الملابسات والأحوال. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية في كل صورها، حتى في صورة العقيدة، إذا تعلّق الأمر بإقامة العدل بين الناس، وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيّبة النظيفة الصلبة التي لا تدنّسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات.
"ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به، وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس، على هذا النحو العنيف المكشوف. كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم، ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج! كان هناك سبب واضح عريض. أن هذا المتهم " يهودي " من يهود .. يهود التي لا تدع سهماً مسموماً تملكه إلاّ أطلقته في حرب الإسلام وأهله، والتي يذوق منها المسلمون الأمرّين .. والتي لا تعرف حقاً ولا عدلاً ولا نصفة، ولا تقيم اعتباراً لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق !
"وكان هنالك سبب آخر، أنّ الأمر في الأنصار الذين آووا ونصروا. والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن. بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق! وكان هنالك سبب ثالث هو عدم إعطاء اليهود سهماً جديداً يوجّهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضاً ثم يتهمون اليهود! ولا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها.
" ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله .. أن يُقام ميزان العدل في الجماعة المسلمة لتحكم به بين الناس، مجرداً من جميع الاعتبارات الأرضية والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئاً كبيراً لا يقدرون على تجاهله!
" .. ومن ثم لم يكن هناك مجال للياقة! ولا للكياسة ولا للسياسة! ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء. ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها! هنا كان الأمر جداً خالصاً، لا يحتمل الدهان ولا التمويه. وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله، وأمر هذه الأمة التي تعدّ لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس إلاّ بوحي من الله.
".. وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة في جميع الأمم على مدار الزمان، فيراها هنالك في السفوح، ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخوراً متردية، هنا وهناك، من الدهاء والمراء والسياسة والكياسة والبراعة والمهارة ومصلحة الدولة ومصلحة الوطن ومصلحة الجماعة، إلى آخر الأسماء والعنوانات، فإذا دقّق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها الدود ..".
دعونا نسرد ـ في مقابل هذا ـ بعض الشواهد على العلاقة (الحرّة !) بين الموضوعية والالتزام في الحياة الغربية. كلنا يذكر الفيلسوف الألماني (الكبير!) هيغل صاحب التفسير المثالي للتاريخ، والذي كان من أبرز دعاة العرقية الألمانية والتفوّق الجرماني. فلما غزا نابليون بونابرت ألمانيا، بعد أن اكتسح مساحات واسعة من أوروبا، اعتبره هيغل المعبّر عن العقل الكلي، المهيمن على قدرات الصيرورة التاريخية، و (البطل) الذي جاء (على حصانه الأشهب) لكي يصنع التاريخ. على الرغم من أن عسكرية نابليون، وما أدّعاه من التبشير بمبادئ الثورة الفرنسية في الوقت نفسه، يتناقضان في الأساس مع نموّ القومية الألمانية وفلسفتها وأهدافها.
وكلّنا يذكر ما فعله فيلسوف الاجتماع (الكبير!) أوغست كونت عندما بعث رسالة بعنوان (رسالة فلسفية في التذكار الاجتماعي) إلى محبوبته (كلوتليد دي فو) يغير رأيه في المرأة ومكانتها الاجتماعية تغييراً تاماً. فقد كان منذ أشهر يكتب إلى تلميذه (ستورات مل) فيرى أنه ليس في المرأة أمل ولا خير، أما الآن فهو يرى المرأة عنصراً أساسياً في الإصلاح الاجتماعي الذي وقف نفسه عليه.
والسبب في هذا الانقلاب الفجائي من النقيض إلى النقيض هو أنه في الأولى كان يحب امرأة قبلت الزواج، ولكنها خدعته فدفعته إلى محاولة الانتحار والالتحاق بمستشفى المجانين حيناً من الدهر، وفي الثانية أحب فتاة لم يُتح له الزواج بها، لكنها منحته نفسها، وأحبّته حباً صادقاً. وهكذا أصبح الحكم على جنس المرأة مستمداً من خبرة الفيلسوف الشخصية ومطارحاته ونزواته.
هناك ـ أيضاً ـ حادثة المدرّسة الفرنسية الخاصة التي استقدمها ستالين، أيام زعامته للاتحاد السوفياتي المندثر، لتعليم أبنائه. لقد اكتشفت نسخة من رواية (الحرب والسلام) لتولستوي وعلى هوامشها ملاحظات بخط ستالين تحمل معنى التحامل على تمجيد الأبطال، وتكرار جملة "خطأ اشتراكي".
فهل ثمة في التاريخ المعاصر، بل ربما في مساحات واسعة من التاريخ البشري، غير هتلر وموسوليني، من مارس في سلوكه وسياساته مفهوم البطولة الطاغية وشرب كأسها حتى الثمالة مثل ستالين؟ والمجازر الجماعية التي نفذها؟ وحصاد الملايين من أبناء أمته، ما كانت في جانب من جوانبها سوى تعبير عن هذا التفرّد الطاغي الذي يصل على يدي ستالين حدّ التألّه، وليس مجرد البطولة التي اعتبرها "خطأ اشتراكياً"!
لنرجع إلى إسلامية المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للنشاط العلمي والمعرفي عموماً، فإننا سنجده يعكس ـ بشكل من الأشكال ـ هذا التماسك العميق في الإسلام بين الحقائق والتصورات، أي بين الموضوعية والالتزام. بل إن بمقدور المرء أن يمضي خطوة أخرى فيقول بأن إسلامية المعرفة هي وضع للأمور في نصابها الحق. ذلك أن الالتزام بالمعايير الإسلامية يمنح من المحفزات والضوابط (معاً) ما يتطلب التسريع بالكشف والابتكار والتنمية العلمية، وجعل هذا كله لصالح الإنسان والجماعات البشرية وليس (ضدّها)، كما يحدث في بعض حلقات العلم الغربي.
وهذا لا يعني من قريب أو بعيد دخول مفردات التصوّر الإسلامي إلى المختبر للحكم على الظواهر والأشياء وإرغامها على الدخول من هذه القناة أو تلك، مما هو نقيض العلم ابتداء. هذا ما يتصوره أو يوهم به أعداء المشروع وخصومه أو بعض السذّج من المسلمين أنفسهم. والمقصود شيء آخر تماماً يتمثل في رسم إطارات شاملة ومرنة لحركة العلم وتوظيف نتائجه، لا تخترق على رجال المختبر خلوتهم، ولكنها تعطيهم المؤشرات التصوّرية التي تمكنهم من جعل الكشف أكثر موضوعية، وأقدر على تأكيد الإيمان في هذا العالم لا نفيه والاصطراع معه. وهذا على وجه التحديد ما نستطيع أن نقرأه في المعطيات الأكثر حداثة للعلماء وفلاسفة العلم المعاصرين على الرغم من أنهم لا ينتمون للإسلام!


أخوكم المحب نادر الشريف


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home