Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

محتاجون "نصرالله"(*)

شاءت لي الأقدار ان التحق بالعمل في مركز اعادة تأهيل المعوّقين (المعاقين) بمدينة بنغازي لمدة عام ونصف خلال منتصف عشرية التسعينات بدعوة من الدكتور الشهيد علي عبدالرّحمن نتفه (احد ضحايا مذبحة بوسليم الرهيبة). دعاني الدكتور علي لألتحق مدة شهرين فقط بديلا عن احد الأطباء المصريين الذي سافر لقضاء اجازته السنوية بالقرب من اهله وذويه بقاهرة المعز.
في آخر يوم لإكمال مهمّتي في المركز المذكور، شاءت الأقدار ان يختطف الدكتور علي عبدالرحمن نتفه من قبل جهاز الأمن الداخلي في ليلة ليلاء من صيف شهر يونيو 1995 وبالتحديد في ليلة الـ 26 منه، أي بعد قرابة شهر تقريبا من حادثة اختطاف الشهيد خالد البكشيشي من داخل عنابر مستشفى الجلاء، الحادثة التي حمي على إثرها الوطيس بين أبناء الحركة الإسلامية الجهادية واجهزة القمع الخاصة بحماية القيادة التاريخية.
اتذكّر حينها مهاتفتي من قبل احد المشرفين على المركز راجيا فيه مني الاستمرار في العمل بديلا عن الدكتور نتفه الذي ـ على حد زعمه ـ سافر فجأة لعلاج والدته ولا نعرف متى يعود. أختلق صاحبي المشرف هذه القصة من باب التمويه، وكان المشرف ملحاحا في اقناعي بالالتحاق بالمركز في فترة غياب الدكتور علي. في الحقيقة لم تكن لدي الرغبة الكاملة في الاستمرار في العمل بديلا عن الدكتور المختطف، ولكن بعد الإلحاح الشديد وجدّتني مضطرا لقبول المهمّة على مضض كما يقولون.
بداية كان يحدوني أملا كبيرا في ملاقاة الدكتور نتفه من جديد لتسليمه مهام العمل التي اوكلت لي في غيابه، ولكن قدّر الله وماشاء فعل، لقد غاب طيفه عن الأنظار إلى غير رجعة. عسى الله ان يجمعنا به في جنات النعيم، آمين.
استمريت في العمل في مركز المعوّقين و بدأت اتعرّف رويدا رويدا على عالم الإعاقة وسراديبها المظلمة، بدأت اتعرّف على اسرارها وطلاسمها. بدأت اتعرّف على ماهية الإعاقة واسبابها وانواعها، والأضرار الرئيسة والجانبية الناتجة عنها.
على الرغم من مزاولتي لمهنة الطب في امراض الباطنة قبل التحاقي بمركز تأهيل المعوّقين إلا اني في الحقيقة وجدت نفسي أميّا في مجال الإعاقة وكيفية التعامل مع ذوي الإحتياجات الخاصة. لقد اكتشفت ان الإعاقة عالم آخر لم يره او يتعايش معه كثير من الناس حتى الأطباء منهم. بدأت أتعرّف على نزلاء المركز من ذكور وإناث، تعرّفت على اسماءهم واسباب اصابتهم، تعرّفت على مشاكلهم واحتياجاتهم الكثيرة غير المنقطعة. تعرّفت أيضا على زملائي الأطباء الذين سبقوني في الإلتحاق بالمركز، استفدت من نصائحهم وتوجيهاتهم، تعرّفت على طاقم التمريض ومساعديهم. بدأت تقريبا اتعرّف على كل شئ خاص بمحيط النزلاء.
هكذا استمر بي الحال رتيبا اقضي ثلاث فترات اسبوعيا اتعايش فيها مع اناس فقدوا القدرة على تحريك اطرافهم السفليّة (شلل نصفي)، او اطرافهم العلويّة والسفليّة معا (شلل رباعي) نتيجة لأصابات بالغة في الفقرات العظميّة المحيطة بالحبل الشوكي العصبي. صاحب الشلل الرّباعي ينظر إلى صاحب الشلل النصفي بأنه غير معوّق ولا يحتاج لعناية مقارنة بحالته المستعصية، وكم تمنى صاحب الشلل الرّباعي لو كانت اصابته نصفيّة وليست رباعيّة، بمعنى الهـم فيه ما تختار،، عافانا وإيّاكم الله.
من الأشياء التي غالبا ما تغيب علينا هي ان احتياجات نزلاء مراكز تأهيل المعوّقين تختلف اختلافا جوهريا عن احتياجات نزلاء المستشفيات العادية الأخرى من حيث الحاجة إلى طاقم تمريض خاص، ومرافق دائم يساعد النزيل في كل الأوقات وعلى مدار الساعة. فمثلا يتطلّب من طاقم التمريض ومساعديهم الإهتمام بمظهر النزيل من لبس وغسل وأكل وشرب وإعطاء دواء، وعمل علاج طبيعي للأطراف المصابة وغيرها من الأشياء التي لا يتسع المقام لذكرها.
كان ممن تشرّفت بمعرفتهم خلال تلك الايام الخوالي أحد الممرّضين المتفانين في عمله. كان يعمل ليلا ونهارا دون كلل أو ملل. كان صاحب سجيّة سمحة طيّبة تغلب عليه الرحمة واللين والتفاني في العمل. أكثر ما كان يميز ذاك الممرّض هو بساطته وبسمته. كان لا يعير اهتماما لمواعيد الحضور والإنصراف، فتجده يضحّي بأوقات كثيرة من أجل اسعاد النزلاء. فتجده مثلا يشاهد معهم برامج التلفاز المتنوّعة ويتشابك معهم أحيانا في الآراء والأفكار، أو يتسامر معهم في القصص والحكايات، أو تجده مثلا يرافقهم إلى الأسواق لشراء بعض الأشياء الخاصّة بهم، أو يتفانى للذهاب معهم لمشاهدة مباريات كرة القدم في النوادي والملاعب الرياضية، أو يذهب معهم لمشاركتهم افارحهم وأتراحهم المتنوّعة. كانت نفسه حرة طليقة ومعطاءة بلا حدود. نادرا ما تجده مختفيا عن الأنظار. أحيانا كان يجلس 3 ايام متوالية في المركز دون الذهاب إلى بيته من اجل تلبية طلبات النزلاء التي لا تنقطع.
هذا الشخص ولمحاسن الأقدار كان اسمه "نصرالله". جدا جذبتني بساطته وأريحيّته، فتوثقت العلائق بيننا على غير ارحام. كنت دائما امازحه واتحدّث معه عن طموحاته في الحياة، ومشاريعه المستقبلّية، فكان لا يملك اجابة إلا انه يحب ان يساعد هؤلاء المصابين من نزلاء المركز، كان كل همّه السّهر على راحتهم والتفاني في اسعادهم دون التفات إلى شكر أو أجر. نظرا لإخلاصه وحبه للآخرين أسدل الله على وجهه القبول الحسن، فكان محبوبا من الجميع دون استثناء.
بعد هذه المقدمة الطويلة دعوني اوجه كلمات المقال إلى بيت القصيد وأقول لا يخفى على احدنا ما آلت إليه ليبيانا الحبيبة جرّاء سياسة التهميش والإقصاء والإبعاد والطرد لجميع اوجه الخير على مدار العقود الأربعة الأخيرة التي مارستها القيادة التاريخية بوعي وبدون وعي، ممّا نتجه عنه الشلل التام لكل مفاصل وأطراف الدولة ومؤسسّاتها السياسية والإقتصادية والعلمية والصحية والإجتماعية والأخلاقية، فأمست ليبيانا الحبيبة معوّقة مشلولة ذات احتياجات خاصة. نعم الناظر لحال ليبيانا اليوم لا يمكن ان يعجز في تشخيص المرض واسبابه. لقد تعرّض الحبل الشوكي لـ ليبيا الوطن لإصابات بليغة من ذات المعيار الثقيل، وعليه لا يمكن ان تنهض ليبيانا من جديد وتتعافى إلا بعد ابعاد كل أوجه الشر التي مارست سياسة الإقصاء ردْحا من الزمن. لا يمكن ان تنهض ليبيانا من جديد وتتعافى إلا بعد ضخ أعداد وفيرة من المصْلحين تتوافر فيهم خصائص "نصرالله" في جميع شرايين ومفاصل ومؤسسات الدولة المختلفة. مصْلحين لا همّ لهم إلاّ السّهر على المعوّقة ليبيا ليلا ونهارا، مع بذل الغالي والنفيس من أجل عينيها. إن لم نوجد نوعيات "نصرالله" في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا المعاصر، فستطول محنة ليبيانا الغالية.

أفتات
Iftat12000@yahoo.com ________________________________________________

(*) المقالة مهداة إلى أرواح شهداء مجزرة بوسليم، وعلى رأسهم روح الشهيد الطبيب علي عبدالرّحمن نتفه ـ طيّب الله ثراه.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home