Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ديموقراطيه.. بتفصيل أمريكي

(الفلسطينيّون برهنوا للعالم بأن الشعب العربي ناضج، وهو جاهز بالتمام للخيار الديموقراطي؛ وبأن مخاوف الحكام العرب ما هي إلاّ وسيله للحفاظ على الكراسي)

كنت أظن وحتى قبيل الإنتخابات الفلسطينيه بأيام معدوده بأن أمريكا والغرب لايعجبهم العجب، وبأننا كعرب مهما فعلنا ومهما إجتهدنا فلن نرضي هؤلاء المتغطرسين؛ وكنت أستشهد على صدق تخميناتي بالإنتخابات الجزائريه وإختيار عبد العزيز بوتفليقه، والإنتخابات التونسيه وإختيار زين العابدين بن على، والإنتخابات المصريه الأخيره وإختيار حسني مبارك، والإنتخابات اليمنيه وفوز علي عبدالله صالح، والإنتخابات السودانيه الأخيره وفوز أحمد حسن البشير، وأخيرا الإنتخابات العراقيه وفوز تكتلات الشيعه.
كان الأمريكيّون والأروبيّون أول من يشكك في نزاهة تلك الإنتخابات، وكان ذلك يحزنني كثيرا؛ إذ كنت أصّدق والى حد كبير بأن تلك البلاد ـ التي ذكرت على سبيل المثال لاالحصر ـ لم تكن مضطرّه الى إجراء تلك الإنتخابات، ومن هنا فإن إقدامها على إجرائها ـ وبدون ضغوط "ظاهريّه" من أحد بما في ذلك طبعا أبناء تلك البلاد أنفسهم الذين يتعايشون مع الواقع مهما كان ظالما أو مظلما ـ ربما يوحي بأن هذه البلاد كانت قد ملّت التكرار الرتيب لمسلسل ال99.9 في المائه وحاولت صادقه هذه إجراء إنتخابات نزيهة.. لكننّي أيقنت الآن بأنّهم أي الأمريكيّين والأوروبيّين ربما كانوا صادقين في إدّعاءاتهم، وبأنّ حكاما مثل هؤلاء يجري الفساد والغش في عروقهم ويعشعش في نخاع عظامهم ربما بالفعل يغشوّن ويكذبون على شعوبهم، وبأن تلك الإنتخابات ومهما قيل عنها ومهما وصمت بالنزيهة فلم تكن تختلف عن كل سابقاتها؛ إلاّ ربما في طريقة إخراجها وفبركتها.
نعم بعد الإنتخابات الفلسطينيّه الأخيره والتي أفرزت منتسبي حماس ليتصدّروا قائمة المنتصرين برهنت على أن الصدق والنزاهه في الإنتخابات في عالمنا العربي ربما بدأ فجرها في البزوغ، وقد يكون بعد الآن من العبث الإستمرار في العروض المسرحيه المبتذله التي تعودنا على مشاهدتها من على خشبات المسارح الحياتيه في بلادنا العربيه لحقبة طويله من الزمن. نعم ربما جسّدت الإنتخابات الفلسطينيه واقعا جديدا مختلفا تماما عن ذلك المتعارف عليه، وقد تكون تلك نقلة موضعيّه ذات قيمة عاليه غير مسبوقه في عالم تعوّد فيه المواطن على رؤية نفس الوجوه الشريره من جديد بعد كل إنتخابات صوريّه يجريها النظام الحاكم من أجل إرضاء من هم في خارج البلد وليس من أجل سواد عيون الشعب؛ فالشعب عندنا تعوّد على المهانه والسكوت عليها. لم ينتقد الأمريكيّون ولا الأوروبيّون هذه المرّه الإنتخابات، ولم يشككوا في نزاهتها وحينها فقط عرفت بأنّ هذه الإنتخابات كانت بالفعل نزيهة وبأن النتائج مهما كانت مخيّبه لآمال الأوروبيّين والأمريكيّين وقبلهم الإسرائيليّين كانت نتائج صادقه وتعبّر بالفعل عن الرأي الحقيقي للشعب الذي تحمّل الصعاب وذهب ليدلي بأصواته لكل من أحب وأراد. هنيئا ومن كل قلبي للشعب الفلسطيني الذي وبرغم كل شئ خرج بمجاميعه لينتخب من أراد؛ فهذا الشعب إستطاع بالفعل أن يقلب كل الموازين، وأن يفاجئ الجميع بأنّه نجح في الرهان بل هو من برهن لهم على أنّهم كانوا يتحاملون على هذا الشعب المتحظّر والذي بالفعل إستطاع بكل ذلك من أن يرسم وضعيّه جديده وبالفعل غير مسبوقه:
1ـ برغم كل العراقيل التي وضعتها أمامه قوات الإحتلال فإنّه لم يجبن بل ذهب وصوّت.
2ـ أسقط أكذوبة إسرائيل التي ظلّت تروجّها لأكثر من خمسة عقود بأنّها الدوله الديموقراطيه الوحيده في منطقة الشرق الأوسط.
3ـ أبان بأن المسلم من الممكن أن يفوز في الإنتخابات، وبأنّه يعرف حينما يتاح له كيف يمارس العمليّه الإنتخابيّه.
4ـ أظهر بأنّه من الممكن حمل البندقيّه في يد والورقه الإنتخابيّه في اليد الأخرى.

ولكن كيف كافأ هؤلاء المتبجّحون بالديموقراطيّه وحقوق الإنسان الشعب الفلسطيني على نزاهته وتحضّره؟.

1) بمجرّد بروز النتائج الأوليّه وثبات فوزحماس في هذه الإنتخابات المراقبه دوليّا لم يجد الأوروبيّون ولا الأمريكيّون بدّا من الإعتراف بنزاهتها، لكنّهم تنكّروا للفائز فيها؛ لأنّ النتيجه فاجأتهم فلم يفكّروا أبدا بأن لحماس ذلك الزخم الشعبي حيث كانوا يرون حماس كمنظّمه إرهابيه لارصيد شعبي لها وكانت تلك هي نتيجه للتضليل الإسرائيلي.
2) قرروا صراحة بأنّهم لن يتعاملوا مع حكومه تشكّلها حماس، ولم يكتفوا بذلك فقط بل وبدأوا في محاصرتها إقتصاديّا حتى قبل أن تشكّل هذه الحكومه.
3) بدأ واضحا بأنّ هم أمريكا وأوروبّا الوحيد هو الحفاظ على دولة إسرائيل وسلامة الشعب اليهودي، أما الشعب الفلسطيني فكأنّه قطيع من الغنم يمكن تقديمه قربانا من أجل إسعاد أحفاد داوود ربما لقناعتهم بأنّهم شعب الله المختار بالفعل.

ماذا يتوّجّب على حماس فعله ؟

الواضح أنّ حماس أثبتت للعالم حقيقة مفادها بأن الشعب الفلسطيني عندما ترك له الخيار إختار من يريد، وبأنّ فتح رغم تاريخها النضالي الذي لم يتنكّر له أبناء الشعب القلسطيني؛ لكنّها أفلست سياسيّا، وربما أنّها كانت قد لعبت كلّ أوراقها فلم يعد لديها ما تقدّمه للفلسطينيين ولا حتى للقضيّه الفلسطينيّه. هذا من ناحيه، أما من ناحية أخرى فعلينا أن نكون صريحين؛ إن فتح ظلّت في السلطه لفترة طويله من الزمن فإستشرى فيها الفساد، وبدأت وكأنّها أخذت تسير في قطار الحكام العرب والذين يسيرون كلّهم على مايبدو الى وجهة واحده عنوانها البقاء في الحكم الى أن يدركهم الموت؛ وسيلة الوصول اليها تتمثّل في الإستمرار في إجراء الإنتخابات الصوريّه، الحصانه من المحاسبه القانونيّه أو الشعبيه، وإنتهاج الضبابيّه التي تغاير الشفافيّه في الحكم.
موقف حماس كقوّه مغيّره، وكنهج جديد ربما يكون نظيفا وقد يستمر نظيفا ربما يبدو غاية في الصعوبه والتعقيد؛ فإمّا أنّها ترضى بالشروط الأمريكيهّ والأوروبيّه وهي بالطبع وبدون أيّ شكّ إملاءات إسرائيليّه مائه بالمائة الأمر الذي يعني :
1ـ إعتراف مجاني بوجود إسرائيل وحقّها في البقاء في أرض فلسطين.
2ـ رمي السلاح والتنازل الغير مشروط عن خيار المقاومه المسلّحه.
3ـ الإعتراف الكامل بإتفاق أوسلو، ومخطط خارطة الطريق، وكل المبادرات الإسرائيليّه الوحيدة الجانب للإنسحاب من بقع في الآراضي الفلسطينيّه ترى إسرائيل أنّها لم تعد في حاجة اليها لأسباب أمنيّه أو إقتصاديّه.
هذه الشروط التعسّفيه تهدف الى غاية واحده وهي تحقيق المزيد من التنازل لصالح إسرائيل حيث أن فتح كانت قد تنازلت عن كل ما لديها، وتنازل حماس بهذا الشكل من شأنه أن يقدّم شيئا جديدا لإسرائيل مكافأة لها على سماحها بإجراء إنتخابات في القدس، وأيضا لعدم تشددها في منع مشاركة حماس في الإنتخابات الفلسطينيّه التي جرت حديثا.
من الواضح وربما المؤكّد أيضا أن حماس أمام خيار صعب ووضع لاتحسد عليه، وأظنّ أنا شخصيّا أن نجاحها في هذه الإنتخابات قد يتحوّل الى وبال عليها؛ ومن هنا وجب التفكير جديّا في الخيارات المتاحه والقيام بإجراء حسابات عقلانيّه دقيقة جدا فالمجتمع الدولي الذي نعيش بين أركانه هو مجتمع حقير وماكر وهو مجتمع تقوده أمريكا بإعتبارها القوة الوحيده ولكن من الواضح أن اللاعب الوحيد في هذا المجتمع الدولي الظالم هو إسرائيل. نعم إنّ على قادة ومفكّري حماس أن يتريّثوا جيدا وعليهم ألاّ يسمحوا مطلقا بأن يثنيهم النجاح الباهر في الإنتخابات عن التفكير العميق والتحرّك بحذر؛ فنجاحهم هذا قد يتحوّل الى هزيمه أخرى تضاف الى هزائم وتنازلات الشعب الفلسطيني إن لم يكونوا حذرين وأذكياء أيضا.
قد يشتمّ المرء وبسهوله نقاء وصدق قادة حماس، وإخلاصهم في خدمة شعبهم الفلسطيني وهذا ينعكس على تصريحاتهم بعيد النجاح في الإنتخابات، ولكن ذلك لايكفي للتحرك الى الأمام؛ لأننا نعيش في عالم أشبه بقطّاع الطرق الغلبة فيه دائما لمن يمتلك القوّة، وواضح أنّه في عالم اليوم لايوجد مكانا للقيم الإنسانيّه النبيله التي قد يحلم بها قادة حماس. عالم اليوم ظالم، وهو إنتهازيّ الى أبعد الحدود وعلى قادة حماس أن ينتبهوا الى ذلك فلا صديق في عالم اليوم وللأسف الشديد؛ وإنّما نحن نعيش في غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ولا يحسّ مع ذلك بالذنب؛ لأن عالم اليوم لايرى إلاّ طرائد جاهزه للإصطياد، وما هي إلاّ عملية وقت وحاجه لتقرير لحظة الإنقضاض عليها. فلا منظمات إنسانيه، ولامنظمات الأمم المتحده، ولا الأمين العام للأمم المتحده، ولا محكمة العدل الدوليّة، ولا غيرها بقادر ـ أو ربما لنقول براغب ـ على إقرار الحق، وإنصاف المظلوم.
السؤال المطروح هو " ماذا على حماس أن تفعل ؟"؛ وقد يكون هذا السؤال بسيطا لكن الإجابة عليه بالطبع ليست كذلك.
وضع حماس حرج جدا في وجود هذه المعطيات الظالمه، وقد يكون الأجدى على حماس أن تترك الحكم لفتح، وتعود هي الى خنادقها قبل أن تبدأ في التنازلات التي قد لاتنتهي، والتي في نهاية المطاف سوف تؤدّي الى إفراغ حماس من كل محتوى نضالي وسوف يتأتّى ذلك بدون مردودات تذكر. نعم إنني أرى أن تنازل حماس عن هذا النصر الإنتخابي التاريخي وفي هذا الوقت بالذات قد يكون إنتصارا جديدا تضيفه حماس الى رصيدها يحافظ على كرامتها، ويزيد من تراثها النضالي ليسجّل تاريخ الشعب الفلسطيني في صفحاته ملاحم نضاليه خارج حنادق القتال يتنازل فيها المنتصر عن السلطة والجاه من أجل الإنتصار لقضيّة الوطن وحاجة المواطن؛ فهل تفعلها حماس ؟.
نعم لو كنت أنا قائد في حماس وفي هذه الظروف المسمومه، والتربّصات العدائيه المكشوفه وبكل وقاحه؛ لقمت بصنع كرسيا للحكم واضعا على رأسه تاجا مرصّعا لأقوم بعدها بتسليمه وفي حفل علني بهيج منقول على الهواء مباشرة وبكل لغات العالم الحيّه الى السيّد محمود عبّاس رئيس السلطة التنفيذيه وعليه عبارة تقول "هذا كرسي الحكم يرجع إليكم؛ فلم نعد في حاجة اليه، وما لنا إلا خنادقنا النضاليه نعود اليها فالقصور ليست مكانا للمناضلين الشرفاء". إنّهم بذلك سوف يربكون كل المخططات العدوانيّه، وبالفعل سوف ينتصرون على هذه القوى الظالمه بشكل يفوق التصوّرات؛ الأمر الذي سيبقيهم ويبقي "المجتمع الدولي" معهم يقضي كل عمره وهو يتجرّع عقدة الذنب، ولا أرى أنا شخصيّا أي إنتصار أعظم وأنبل من هذا قياسا بما هو متاح لنا في عالم اليوم النذل الحقير قياسا بالقيم الإنسانيّه وحدها.

مصطفى


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home