Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

أطفال الإيدز بين المصاب والتعويض

في الواقع، لقد ترددت كثيرا عندما قررت أن أقدم مقالاتي إلى صفحات الانترنت ونشرها للقراء وهذا راجع في الحقيقة، لعدة أسباب ربما سأبوح بها في فترة زمنية لاحقة، ولكن أكثر ما شدنى للكتابة في موقعكم الكريم، والذي أتمنى أن أكون احد أقلامه التي تنطق بالحق ضد استبداد الحكم الجماهيري الجاثم على صدورنا ما يربو عن ستة وثلاثون عاما ونيف - هو مسألة أطفال الإيدز الذين ذهبوا ضحية جراء مؤامرة هذا النظام البغيض ، فقد لاحظنا سابقا إلى أي حد وصل التلاعب بمصير هؤلاء الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة من خلال إجبار أهالي الضحايا بقبول ما يسمى بالدية تعويضا لهم عن معاناتهم المرضية المزمنة ، وقد رأينا من خلال المباحثات كيف كان أهالي الضحايا متشبثين بمبادئهم النبيلة تجاه هذه القضية بسبب إصرارهم على معرفة الفاعل الحقيقي أو منّ كان وراء ارتكاب هذه الجريمة البشعة . غير انه بعد ذلك تحولت هذه المبادئ إلى القبول بالأمر الواقع والتفاوض مع الممثلين البلغار بطلب تعويض مالى يصل إلى 5 مليارات دولار ، فهذا التغير الفجائي نشك أن يكون نابعاً من أفكار أهالي الضحايا أو محاموهم ؛ إذ أننا نشم فيها رائحة سياسة العقيد السلطوية النتنة التى تسعى إلى إرضاء المجتمع الدولي من اجل رضائهم عليه ، ولعل المساعى التى قام بها الأخ سيد قذاف الدم في إجبار أهالي الضحايا بقبول الدية المغرية والتنازل على كل القضية برمتها وعدم فتح هذا الملف مرة أخرى هو اكبر دليل على ذلك ، ولعل أيضا التهديدات التى صرح بها ابن العقيد سيف الإسلام ضد مدينة بنغازى بحرمانها من الميزانية والمشاريع الاستثمارية جعلت أهالي الضحايا ، بسبب ضغوط قادة الفاعليات القبلية ، يرضخون للأمر الواقع ويقبلون هذا الحل بدلا من التعنت والعناد ، لاسيما وإن اغلب الأطراف الخارجية التى تتحكم فى سياسة العالم تقف إلى جانب البلغاريات فى سياستها وعلى رأسها الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية التى ترى أن الإفراج عن البلغاريات من اولوياتها السياسية . فى الحقيقة إذا قارنا هذه القضية وطلب التعويضات فيها نجدها لا تختلف كثيرا عن قضية لوكربى فهذه الأخيرة استمر خوض غمار المفاوضات فيها ما يقرب من عشر سنوات ووصل الحل التفاوضى فيها بالدرجة الأولى إلى قبول مبلغ مالي وقدره 2.7 مليار دولار رغما عن انف السيادة الليبية . وبالمثل نجد أن قضية أطفال الإيدز ليست ببعيدة من تلك المدة الزمنية وفيها أيضا مطالبة أهالي الضحايا تعويضا يقدر بالمليارات والذى وصل الى ضعف ما جنته الولايات المتحدة الأمريكية وكأن المسالة هى إعادة ما سلبه الغرب ولو كان على حساب الأبرياء . إذن المسالة برمتها مجرد متاجرة بالأرواح . غير أن المختلف فى القضيتين هو أن قضية لوكربى كانت تساندها دولة قوية هي سيدة العالم التى دافعت على ضحاياها واستطاعت أن تحصل لذويهم على جزء من التعويض وأصبح الجزء الأخر معلقا حتى الآن إلى حين إشعار أخر .

أما أطفال الإيدز فتساندهم دولة هزيلة قامت بتسليم شبحها النووى إنقاذا للنفس من المصير الذى آل إليه العراق وسيده . فيا ترى من سيبقى للدفاع عن أطفال الإيدز من البشر ويعيد إليهم حقوقهم إذا ؟ فلو نظرنا إلى الوراء فى سجلات التاريخ سنجد انه لا توجد سابقة تاريخية تم فيها تعويضا ماليا كما وصلت إليه قضية لوكربى حتى عندما قُتل ملك النمسا فى الحرب العالمية الأولى . وهكذا أصبحت المليارات هى المخرج الوحيد لكل قضايا زهق الأرواح ولكن هل ستمسح هذه المليارات دموع الحزن والأسى من على أسيل أولئك الأطفال الأبرياء فى مُصابهم العظيم قبل أن يعرفوا من كان وراء هذا الجرم الجلل ؟ وهنا تبقى العديد من التساؤلات التى تطرح نفسها وهي من سيدفع هذا المبلغ ؟ وهل إذا ما دُفع هذا المبلغ إلى أهالي الضحايا سيصل إلى ذويهم مباشرة من دون المرور على مقص الرقيب الليبي ؟ وما هو المغزى أن تكون التعويضات مجرد صندوق دولى لمعالجة الضحايا إلى الأبد بدلا من التعويض النقدي ؟.

قد تكون هذه الأسئلة ساذجة من الوهلة الأولى ولكنها تحمل مغزى حقيقى لا يعرفه إلا الليبيون أنفسهم . على أية حال كل ما أريد التنويه إليه أن المؤامرة التى صاغها البعض ضد هؤلاء الأطفال من اجل خدمة قضية غامضة لم تأتِ بما تشتهى نفوس أولئك المتآمرين ولم تُجنِ ثمارها ؛ إذ أن توقيت دخول بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي والذي أعطاها جانبا من الدعم السياسى ، لم يكن يتوقعه عرابو السياسة الليبية وأصبح هناك تخبط واضح حول كيفية الخروج من هذا المأزق الخطير ودفع هذا التعويض . والي الآن لازالت المفاوضات قائمة بين الطرفين حول من سيتكفل بدفع هذا المبلغ الكبير وأتضح من خلال المراسلات السياسة أن ليبيا نفسها ستساهم فى التبرع فى هذا الصندوق بشرط أن تصرح الحكومة البلغارية تصريحا رسميا تفيد فيه أنها ستدفع التعويض ، بينما فى الواقع سيتكفل (النظام الجماهيري) بجزء من المبلغ بمعية مساعدة أوربية أمريكية . غير أن سياسيونا جهلوا أن بلغاريا والعالم الغربى على حد سواء يحكمها دستور وقانون وأنها لن تتورط فى أي تصريح يكون حجة لها باعتراف غير رسمى فى القضية على غرار ما حدث فى قضية لوكربى كما أن إخراج أي مبلغ من خزانة الدولة لا يتم بإيعاز من رجل واحد. ولعل تصريحات وزير خارجية بلغاريا كانت واضحة جدا وهو عدم دفع أي تعويض لطالما أن الممرضات غير مذنبات. بيد انه لم تمض برهة من الوقت حتى خرجت بلغاريا تحمل تصريحا جديدا وهو إن هناك إحدى الجمعيات الخيرية صرحت بأنها ستلعب دور الوسيط وستقوم بجمع ما يقرب من مليار دولار كجزء من المبلغ لكي يقدم تعويضا للضحايا فى دور لا يختلف عن دور جمعية سيف القذافي وهذا ما نعتبره أضحوكة سياسية من إنتاج مصنع سياسة السلطة الليبية المخادعة ؛ إذ انه لو كانت مثل هذه الجمعية تستطيع أن تجمع مبلغ مليار دولار لكان الأجدر بها أن تجمعها لخزانة دولة بلغاريا لتحسن به اقتصادها الضعيف الذى هو فى الواقع الآن عبء على الاتحاد الأوربي، ولكن يبدو أن جمعية سيف القذافي التى انقدت بملايين الدولارات الكثير مِن منّ أُسِروا فى الفلبين ، ودارفور وغيرها، كانت حاضرة هذه المرة لتدفع من خزانة ليبيا الممتلئة بالدولارات بلا حسيب أو رقيب هذا المبلغ ولكن ليس نقدا وإنما بإرسال الضحايا إلى الخارج للعلاج حتى تأتيهم المنية. وهكذا تبقى دماء الشعب الليبى ارخص من ماء نهر النيل.

ولهذا نهيب إلى كل اسر الضحايا بعدم قبول مثل هذا التعويض الملفق الرخيص ورده إلى أهله وان يصروا على مواقفهم النبيلة التى تحلوا بها فى البدء وان يتمسكوا بعدم قبول التعويضات حتى يتم التحقيق فى هذا الجرم وتظهر الحقيقة ، حتى ولو كان المحققون من خارج البلاد وان لا ينخدعوا بنظرية المؤامرة التى يسوقها النظام الجماهيرى ضد الغرب وننصح أهالي الضحايا أن يرفعوا قضيتهم فى محكمة بلجيكا وان يصعدوا الموضوع دوليا وان لا يجعلوا القضية عائمة ويتوكلوا على الله فهو نعم المولى ونعم النصير.

ابراهيم بونجيمة
Ebrahbunjema@yahoo.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home