Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

السابع عـشر من فبراير
بين نبل المقصد ومشبوهية الاستثمار

لم يكن الحدث الذي شهدته مدينة بنغازي يوم السابع عشر من فبراير الجاري قاصراً في تداعياته السياسية على مجرد الكشف عن عمق الرغبة لدى الجماهير الليبية في الانتصار للكبرياء الإسلامية المجروحة في المجال الدولي على خلفية قيام إحدى الصحف الدانماركية بنشر عدد من الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وما تلى ذلك من إصرار أحد الوزراء الإيطاليين اشتهر بكراهيته للعرب والمسلمين على ارتداء قميص يحمل الرسومات ذاتها، بقدر ما كشف أيضاً عن أن هناك فرقاً للظلام كان الحدث بالنسبة لها أكثر من فرصة ذهبية للتحرك وسط الحشود كما الميكروبات (ضعيفة وغير مرئية.. ولكنها تحت السطح كفيلة بإصابة جسد قوي بأمراض تحتاج لسنوات للشفاء منها) لتحول مسار التظاهرة من عمل حضاري نبيل المقصد إلى عمل تخريبي فوضوي سيئ المخرج في تحدٍ صارخ للعوامل الموضوعية وحقائق الظروف والإيقاع الضروري لنضج الأفعال والتصرفات.

والأمر الملفت في المشهد برمته، أن قرابة 90% من الذين تسببوا في تحويل مسار التظاهرة ليسوا من ممارسي السياسة أو حتى من هواتها (وهو أمر سيكشف النقاب عنه إن عاجلاً أو آجلاً) وإنما ينتمون إلى تلك الفئات الطفيلية التي تمكنت خلال الفترة الماضية من التكاثر بصورة متسارعة عبر استغلال الأوضاع الخانقة التي عايشتها البلاد طيلة حصار لوكيربي من تجار المخدرات والعملة والقوت والمهربين والمرتشين وغيرهم ممن صدرت ضدهم من قبل أحكام بالسجن. ولعل التساؤل الذي قد يدور بذهن البعض هنا.. ولكن ما هي الفائدة المرجوة, أو الضرر المراد دفعه، بالنسبة لهذه الفئات من وراء تهييجها للجماهير والتلاعب بمشاعرها وتأليبها ضد الحكم؟

والإجابة عن هذا السؤال تكمن في عنصرين أساسيين..

أولهما: أن هذه الفئات قد أحست أن تخلص البلاد من قضية لوكيربي وهبوب رياح التغيير والإصلاح قد يهدد مواقعها بكل ما تعج به من روائح كريهة، كما قد يحرمها مما تظن أنه حقوق امتيازية لها بالأمر الواقع.

وثانيهما: أن هذه الفئات قد أحست أن النهج الإصلاحي الذي شرعت البلاد في اتباعه سوف ينطوي بصورة أو بأخرى على اتخاذ إجراءات قاسية تستهدف الفساد عامة ومواقعهم خاصة.

ومن ثم وجدت أن استثمار حدث كهذا من شأنه ليس المحافظة على مواقعها فحسب، وإنما أيضاً إلهاء الحكم – باستباق التصرف - عن سلوكياتهم عبر إغراقه في مستنقع صراعي مع مجتمعه.

ومن الطبيعي أن يكون استثمار هذه الفئات في صناعة ثقيلة كهذه متجاوزاً لقدراتها المادية والتعبوية، وهو نقص مثل إغراءً للأصوات الساعية إلى تدمير الحس الوطني والسياسي لإتمامه من خلال إثارة البلبلة وإذكاء النعرات الجهوية واستغلال التناقضات القديمة المتخلفة من تواريخ مظلمة والدعوة إلى تحويل البلاد إلى مزرعة للذئاب يتم استزراع العينة الأولى من تقاويها أو بذورها في بنغازي، فانطلقت الكتابات من هنا وهناك، تراهن على تكتيل جماهير بنغازي بصورة يسهل التلاعب بها واستخدامها لإحداث نوع من الغانغرينا المجتمعية المدمرة وإقامة نوع من الحواجز بينها وبين السلطة، والقضاء على أية إرادة للإصلاح أو تغيير حقيقي في الحياة السياسية والاجتماعية، وهي لعبة قذرة معايير الخسارة فيها أكبر مئات المرات من معايير الكسب، لاسيما وأن قطار الإصلاح قد انطلق ولا بد له من بلوغ محطته المرجوة.

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home