Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
التناقض بين الدولة الإسلاميةالعلمانية ودولة الاخوان المسلمين الدينية

د. أحمد صبحي منصور

مقدمة
السائد خطأ بين الناس أن للإسلام دولة دينية، والوهابيون السلفيون والاخوان المسلمون يناضلون لاقامة تلك الدولة الدينية على أنقاض دول الاستبداد العسكرى والحزبى الحالية. ومن قبل نجح السعوديون بمذهبهم الوهابى فى اقامة دولة دينية تحكم طبقا للحاكمية التى تجعل الحاكم يحكم باسم الله تعالى ويستمد منه السلطة وليس مسئولا الا أمام الله تعالى يوم القيامة، وهذه الحاكمية شر أنواع الاستبداد الذى ساد فى العصور الوسطى فى العالم بأسره ، وكان تعرفه أوربا وقتها بمبدأ الحق الملكى المقدس. وبعد نضال استمر قرونا تخلص الغرب من الاستبداد الدينى وأرسى الديمقراطية. ثم تسللت رياح الديمقراطية والاصلاح الى مصر منذ عصر اسماعيل الى جهود محمد عبده الاصلاحية لولا ان الدولة السعودية أنشأت حركة الاخوان المسلمين فى مصر فنشرت ثقافة الاستبداد الدينى المنتمية للعصور الوسطى وعطلت الاصلاح السياسى والدينى وقامت بتغييب الديمقراطية كفريضة اسلامية. والمؤسف ان يحدث هذا ويستمر فى عصرنا الحديث ؛عصر الديمقراطية.
وهكذا فبينما تغزو رياح الديمقراطية دول أفريقيا فان الشرق الأوسط ـ مهد الحضارات والرائد الطبيعى والملهم لأفريقيا ـ لا يزال بعيدا عن الديمقراطية بسبب ثقافة التخلف السنى الوهابى التى نشرها الاخوان المسلمون على أنها الاسلام مع تناقضها مع الاسلام. وبينما تنادى كل حركات المعارضة فى كل دول العالم بالديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الفكر والعقيدة فان المعارضة السنية السلفية الوهابية الاخوانية تقف ضد الديمقراطية وحقوق الانسان وحرية الأقليات الدينية والمذهبية والعنصرية وحقوق المرأة .وبينما تتطلع حركات المعارضة ـ وأحيانا النظم الحاكمة نفسها ـ الى المستقبل وتستعد له فى ظل ثورة المعلومات والاتصالات وقفزاتها الهائلة فان الاخوان والوهابيين يريدون العودة بنا الى العصور الوسطى واكاذيب البخارى وتفاهة أبى هريرة وتخلف الشافعى وتحجر ابن حنبل والارهاب الدموى لابن عبد الوهاب .وبينما تحول الكفاح فى عصرنا الى الوسائل السلمية والسياسية فان الجهاد السلفى أصبح قتلا للمدنيين فى الشوارع والمساجد والكنائس والمقاهى والبيوت.
ما أتى الاسلام الا للقضاء على الدولة الدينية وكهنوتها ، لذا كانت دولة النبى محمد دولة علمانية ديمقراطية لا تزال ملامحها فى القرآن الكريم، ومع القضاء على كل ملامح هذه الدولة فلا يزال باقيا من معالمها أنه ليس فى الاسلام كهنوت أو مؤسسة دينية أو رجل دين، هذا مع أن المسلمين أقاموا كهنوتا ومؤسسات دينية ودولا دينية.
يزيد المشكلة تعقيدا أن العلمانيين العرب يعتبرون أن الأزهر وتنظيمات الاخوان المسلمين السرية والعلنية هم الممثلون للاسلام، وأصبح من الأخطاء الشائعة تسميتهم بالاسلاميين ،مع أنهم سلفيون وهابيون وليسوا اسلاميين . ويعتبر العلمانيون مشروع الاخوان السياسى فى الدولة الدينية أنه الدولة الاسلامية مع التناقض الهائل بين الدولة الاسلامية والدولة الدينية. الذى لا يعرفه العلمانيون ان الاسلام دين علمانى وأن دولته الاسلامية دولة علمانية . صحيح انه توجد خلافات بين علمانية الاسلام وعلمانية الغرب التى تأثر بها العلمانيون العرب ، ولكن الصحيح أيضا ان هناك خلافا فى داخل العلمانيات الغربية ذاتها ، منها العلمانية الشيوعية التى ترفض الدين مطلقا وتعتبره افيونا للشعوب ، ومنها العلمانية الرأسمالية بانفتاحها وقبولها للمسيحية . وهناك خلافات محلية داخل العلمانية الشيوعية، كما توجد خلافات نوعية داخل العلمانية الغربية حول مدى الفصل بين الدين والدولة والدين والسياسة. وهكذا فمن الطبيعى ان توجد خلافات بين علمانية الاسلام وعلمانيات البشر المختلفة فيما بينها . ولكن لا بد من التذكير والتأكيد على التنافض بين الاسلام وثقافة الاخوان المسلمين والسلفية حتى نستريح مقدما من ذلك الخلط المؤلم بين النقيضين. نحن هنا نتحدث عن حقائق الاسلام التى جاءت فى القرآن ، والتى يمكن فهمها بسهولة اذا قرأنا القرآن الكريم قراءة موضوعية وفقا لمفاهيمه ومصطلحاته بعيدا عن مفاهيم التراث وسمومه.

أن قيم الاسلام العليا - وهى العدل والحرية المطلقة فىالفكر والعقيدة والدين - هى مهمة الدولة وعليها توفيرها للافراد.. تطبيق معظم تشريعات القرآن موكول للفرد وحريته فى الطاعة أو الرفض دون اكراه أو تدخل من الدولة، وهو مسئول عن ذلك أمام الله تعالى . لا يتدخل المجتمع ـ ممثلا فى الدولة ـ الا ما يتعلق بحقوق الأفراد وحق المجتمع -أى العقوبات ، وهى تسقط بالعفو و بالتوبة. والتوبة تعنى ارجاع الحقوق للأصحابها والتعهد بعدم العودة للجرم والاعتداء. وعموما معظم تشريعات القرآن تفصيلات فى قوانين الأحوال الشخصية والميراث ، وبعضها قواعد عامة أو احتكام للعرف أو المعروف- وهو ما يتعارف الناس على انه عدل وتيسير . وعموما فان المذكور فى تشريعات الاسلام فى القرآن لا يتعدى مائتى آية بالمكرر والتفصيلات والقواعد ، ومعناه أن هناك مساحة هائلة متروكة لسن التشريعات البشرية فى ضوء العرف أو المعروف المتعارف على انه عدل وخير وفيه مصلحة للمجتمع . وبهذا يمكن تطبيق كل القوانين العصرية بما يلائم حركة المجتمع ومصالحه . وأى قانون يحقق مصلحة المجتمع ويتماشى مع العرف أو المعروف فهو تشريع اسلامى ، كما أن أى دولة تحقق العدل وحقوق الانسان والديمقراطية هى دولة اسلامية بغض النظر عن جنسيتها وخلفيتها الحضارية والثقافية.
وواقع الأمر أن النبى عليه السلام أقام دولة مدنية ديمقراطية علمانية فى أشد العصور الوسطى اظلاما . لم يلبث المناخ المظلم للعصور الوسطى أن أطفأ نورها الا أنه بقى منها أصولها القرآنية وما تواتر فى السيرة النبوية عن إقامة تلك الدولة فى الجزيرة العربية. دولة الإسلام المدنية العلمانية الديمقراطية ما لبثت أن تحولت إلى الاستبداد السياسى والحكم القبلى بعد الحروب الأهلية بين الصحابة أو ما يعرف بالفتنة الكبرى وتأسيس الدولة الأموية، ثم تحول الحكم الاستبدادى القبلى إلى حكم دينى سياسى فى الدولة العباسية، واستمر هذا النظام سائداً إلى سقوط الدولة العثمانية تحت اسم الخلافة. وقد اصطلح المؤرخون على تسمية الدولة المدنية الإسلامية بعد النبى محمد بالخلافة الرشيدة أو الراشدة، وأطلقوا على الدول التالية مسمى الخلفاء فقط، أى لم يكونوا خلفاء راشدين. وهذا فى حد ذاته دليل على تحول هائل فى نظام الحكم دفع المسلمون ثمنه غالياً ولا يزالون. وقد تم تدوين التراث فى عصر الخلفاء العباسيين غير الراشدين، وذلك التدوين تجاهل كتابة التاريخ الحقيقى لدولة النبى محمد وفق الاشارات التى جاءت فى القرآن الكريم ، بل على العكس قام باضافة ما يتفق وأيديولوجية الاستبداد فى الدولة الدينية العباسية.
وسنناقش سريعاً التناقض بين الدولة الإسلامية فى عصر النبى والدولة الدينية فى العصر العباسى وما تلاه.
أساس التناقض بين الدولتين: الإسلامية والدينية:
سبق العلامة ابن خلدون فى الإشارة إلى الاختلاف بين الدولة الدينية والدول التى نعرفها الآن بالعلمانية، ففى فصل فى المقدمة بعنوان "معنى الخلافة والأمامة" يقسم النظام الملكى إلى نوعين وهما الملك الطبيعى وهو الذى يحكم بالهوى والشهوة، ويراه فجوراً وعدواناً، والملك السياسى وهو الحكم بالعقل فى جلب المصالح ودفع المضار. ويراه أيضاً مذموماً لأنه ينظر بغير نور الله. وفى النهاية يرى ابن خلدون أن نظام الخلافة هو الأفضل، لأنه إرغام الكافة بالشرع للنظر فى مصالحهم الدنيوية والأخروية "أى هى خلافة عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به".
باختصار يرى ابن خلدون أن أساس الدولة الدينية هواكراه الناس فى الدين وإلزامهم بإقامة الشرع،ليس شرع الله تعالى الحقيقى ولكن الشرع الذى يكتبه فقهاء السلطة الاستبدادية. ولكن هدف الدولة غير الدينية إذا كانت عاقلة هو جلب المصالح للناس ودفع الضرر عنهم. وابن خلدون باعتباره قاضياً شرعياً ينحاز للدولة الدينية التى يعيش فى كنفها ويسيطر عليه تراثها، ونحن هنا نختلف معه ومع الآخرين.
فليس إدخال الناس الجنة وهدايتهم إلى الحق هو الأساس فى إقامة الدولة الإسلامية. لأن الهداية مسئولية شخصية لكل إنسان ﴿مّنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ﴾ (الإسراء 15) بل إن الهداية ليست وظيفة النبى حتى حين كان حاكماً، يقول تعالى له ﴿لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة 272) ويقول له ﴿إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ (القصص 56) ويقول له يؤكد عدم الإكراه فى الدين ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ﴾ (البقرة 256) ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّىَ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس 99).
أما اٍلأساس فى إقامة الدولة الإسلامية فهو إقامة القسط بين الناس، أو بتعبير الفقهاء رعاية حقوق العباد أو بتعبيرنا رعاية حقوق الإنسان.والفقهاء المستنيرون أكدوا على أن حقوق الله تعالى من الإيمان به جل وعلا وعبادته هى مسئولية شخصية والحكم فيها مرجعه لله تعالى يوم القيامة، أما حقوق العباد فهى مسئولية الدولة فى هذه الدنيا. والله تعالى يقول ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد 25) أى أن الهدف الأساسى من إنزال الكتب السماوية وإرسال الأنبياء والرسل هو أن يقيم الناس القسط فيما بينهم. والقسط نوعان، القسط أو العدل فى التعامل مع الله تعالى بحيث لا نشرك به أحدا، والله تعالى يقول ﴿إِنّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان 13). والحكم فى هذا الموضوع مرجعه لله تعالى يوم القيامة فى كل ما يخص تصورات البشر عن ربهم جل وعلا، يقول تعالى ﴿قُلِ اللّهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر 46) أما النوع الثانى فهو القسط أو العدل فى التعامل مع البشر وذلك يستلزم نظام حكم، ويقدر نجاح ذلك النظام فى إقامة العدل تكون إسلاميته، وذلك معنى قوله تعالى ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ولذلك فان العقوبات فى تشريع القرآن تهدف أساساً لحقوق العباد أو حقوق الإنسان فى الحياة والمال والعرض والشرف. ومن إقامة القسط تتفرع كل حقوق الفرد وحقوق المجتمع والتوازن بين العدل والحرية فى منظومة رائعة تفتقدها البشرية المعاصرة.
أما فى الدولة الدينية فالأمر مختلف.
فكل دولة دينية تتبنى مذهباً دينياً ترغم الناس على قبوله وتستخدمه فى تدعيم سلطتها، وفيها يتمتع الحاكم وحده بالسلطة والثروة ويعاونه رجال الدين فى اخضاع الشعب لاستبداده ، بحيث يصير انتقاده خروجاً على الدين. وبطبيعة الحال تعاونه قوة عسكرية يستخدمها لارهاب الناس ، وبالكهنوت الدينى والعسكر يصير الحاكم المستبد المتأله فى اعتقاد الناس متحكماً فى الدين والدنيا والآخرة . وبينما يكتفى الاستبداد العادى بقتل المعارضين فإن الاستبداد فى الدولة الدينية يصادر حق الخصوم فى الدنيا وفى الآخرة أيضاً ، اذ يقتلهم باسم الشرع متهما اياهم بالكفر وحد الردة، ويزعم انهم أيضا من أهل النار منتزعا سلطة الله تعالى فى الآخرة بعد أن انتزع سلطة الشعب فى الدنيا.. وكل ذلك تحت لافتة الشرع وإقامة الدين. وفى ذلك ظلم عظيم لله تعالى ورسوله ودينه. وهذه هى خلاصة التاريخ الواقعى للدول الدينية فى الشرق والغرب فى كل العصور القديمة والوسطى والحديثة والمعاصرة فى تاريخ المسيحية والاسلام ـ كلها استغلت دين الله تعالى فى ظلم الناس وارهابهم وأكل أموالهم بالباطل . وهذا ينافى إقامة القسط، وهو الهدف الأساسى للدين الالهى الحقيقى.
التناقض فى حقوق الإنسان بين الدولتين:
أولاً: فى الدولة الإسلامية:
إقامة القسط بين الناس فى الدولة الإسلامية تتوازن فيها حقوق الفرد مع حقوق المجتمع، كما يتوازن فيها العدل مع الحرية، أما فى الدولة الدينية فلا يحتاج الأمر إلى هذا التشابك والتداخل، حيث يتمتع فيها فرد واحد بكل الحقوق وهو الحاكم، وتنتهى الأمور عند هذا الحد.
ونأتى إلى التفصيل:
فللفرد حق مطلق فى الدولة الإسلامية فى شيئين وهما القسط وحرية الفكر والاعتقاد. وللمجتمع حق مطلق فى ثلاثة أشياء، وهى السلطة والثروة والأمن. وللفرد حقوق نسبية فى هذه الأشياء الثلاثة.
(1) حق الفرد المطلق فى القسط:
لن نتوقف بالتفصيل مع الآيات القرآنية التى توجب إقامة العدل والقسط فى التعامل مع العدو أو الصديق مثل قوله تعالى ﴿إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ (النحل 90) ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (النساء 58) ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ﴾ (الأنعام 152) ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للّهِ وَلَوْ عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَىَ بِهِمَا فَلاَ تَتّبِعُواْ الْهَوَىَ﴾ (النساء 135) ﴿يَا أَيّهَآ الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوّامِينَ للّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىَ أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَىَ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة 8).
لن نتوقف مع هذه الآيات الكريمة إلا فى تقرير حقيقة قرآنية واحدة، وهى أن الحكم المقصود فى الآيات هو الحكم القضائى، أو الحكم بين الناس، وإقامة ذلك الحكم بالقسط يعنى أن الوظيفة الأساسية للدولة الإسلامية هى إقامة العدل والقسط، أو الحكم بين الناس بالعدل، وليس حكم الناس أو التحكم فيهم. والمعنى المقصود أن يقتصر تدخل الدولة بين الناس على إقامة القسط فى الداخل. ولكن إلى أى حد؟ نقول إلى حد القسط المطلق للأفراد، أى بنسبة مائة فى المائة، وتتعرف على ذلك من التفرقة الدقيقة بين كلمتين قرآنيتين وهما "المقسطين"، و"القاسطون" والمقسط هو تعبير مبالغة يفيد تحرى القسط دائماً، أى القسط بنسبة مائة فى المائة.
ويتكرر فى القرآن قوله تعالى ﴿إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (المائدة 42، الحجرات 9، الممتحنة 8) فالذى يراعى العدل بنسبة 100% يحبه الله، أما القاسط الذى يراعى العدل بنسبة أقل من 100% فمصيره جهنم، يقول تعالى ﴿وَأَمّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنّمَ حَطَباً﴾ (الجن 15).
(2) الحق المطلق فى الفكر والعقيدة:
فى القرآن الكريم أكثر من خمسمائة آية قرآنية تؤكد حرية العقيدة وحرية التعبير عنها وحرية الفعل العقيدى إيماناً وكفراً، وإرجاع الحكم فى العقائد لله تعالى يوم القيامة، وأن ذلك يسرى على النبى نفسه. ونكتفى من مئات الآيات القرآنية التى تؤكد حرية العقيدة ببضع آيات قلما يستشهد بها الناس.
فالله تعالى يقول للبشر ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ مّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ﴾ (الزمر 7) إذن هى حرية مطلقة فى الإيمان والكفر، ومسئولية شخصية والحساب عليها أمام الله تعالى يوم القيامة.
والله تعالى يقرر أيضاً حرية الفعل الإلحادى مع آيات الله، ويجعل العقوبة عليه يوم القيامة، ويؤكد حفظ كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقول تعالى ﴿إِنّ الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىَ فِي النّارِ خَيْرٌ أَم مّن يَأْتِيَ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالذّكْرِ لَمّا جَآءَهُمْ وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت 40: 42).
يوم القيامة يكون البشر حسب تصوراتهم عن الله وعقائدهم فيه قسمين كل منهما خصم للآخر، وأحدهما فى النار والآخر فى الجنة، والله تعالى يقول ﴿هََذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ ﴾ (الحج 19) والملفت للنظر أن القرآن الكريم ساوى بينهما فى وصف الخصومة، ولم يجعل أحد الخصمين حكماً على الآخر، إذ كيف يكون الشخص خصماً وحكماً فى نفس الوقت، هذا مع أن أحد الخصمين سيكون ناجحا وفائزا يوم القيامة، بل أن النبى محمدا سيكون يوم القيامة خصماً لأعدائه الذين اضطهدوه فى مكة وماتوا على كفرهم وبغيهم دون توبة ، والله تعالى يقول للنبى محمد وخصومه ﴿إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ. ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر 30: 31) فالنبى عليه السلام سيختصم معهم أمام الله تعالى، والآية تساوى بين النبى وبينهم فى الخصومة واستحقاق الموت.
وهكذا فإن الفرد يتمتع فى الدولة الإسلامية بحق مطلق فى العدل وحق مطلق فى حرية الرأى والعقيدة فى الإيمان أوالكفر، فى الهداية أوالضلال طالما لا يتعرض فى حريته القولية والفعلية الى سب الأشخاص واهانتهم ، هنا يقع فى عقوبة القذف وهى من حقوق الأفراد أو حقوق الانسان وليس من حقوق الله تعالى. حسابه عن عقيدته عند ربه فقط يوم القيامة وليس لأى بشر أن يتدخل فى تلك الحرية الدينية بأىحال من الأحوال ، والا كان مدعيا للالوهية متقمصا دور الله تعالى ، وهذا ينافى عقيدة الاسلام فى أنه لا اله الا الله.
(3) حق المجتمع المطلق فى السلطة السياسية: أو "الشورى"{الأمة مصدر السلطة }
الله تعالى وحده هو الذى لا يُسأل عما يفعل، وما عداه يتعرض للمساءلة (الأنبياء 23) وعليه فإن المستبد بالسلطة والذى يتعالى عن المساءلة من الشعب إنما يجعل نفسه مدعياً للألوهية، ولذلك فإن الاستبداد يقترن بادعاء الألوهية صراحة أو ضمنا، وهذا ما يؤكد التناقض بين الاستبداد والاسلام فى مجال العقيدة، وفى نفس الوقت يوثق الصلة بين الشورى ـ أو الديمقراطية الاسلامية وعقيدة أنه لا اله الا الله تعالى. وقد جعل الله تعالى من فرعون موسى مثلا للمستبد الذى أوصله استبداده لادعاء الالوهية، وتكررت قصته فى القرآن للتأكيد على هذا المعنى للأجيال القادمة بعد نزول القرآن الكريم.. وهذا هو موقع الشورى فى عقيدة لا إله إلا الله الإسلامية، يعزز ذلك أنه إذا كان النبى محمدعليه السلام مأموراً بالشورى فى قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ (آل عمران 159) فإن أى حاكم يستنكف من الشورى يكون قد رفع نفسه فوق مستوى النبى، أى يكون مدعياً للألوهية.
على أن الآية الكريمة ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ تؤسس حق المجتمع المطلق فى السلطة، أو أن الأمة مصدر السلطات، وهذا يشمل كل الأمة من رجال ونساء وأغنياء وفقراء على قاعدة المساواة. تقول الآية فى خطاب النبى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ﴾. أى بسبب رحمة من الله جعلك ليناً معهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، وإذا انفضوا من حولك فلن تكون لك دولة ولن تكون لك سلطة، لأنك تستمد سلطتك من اجتماعهم حولك، وإذن فهم مصدر السلطة والقوة لك، وبهم تكونت لك دولة وانتهت قصة اضطهادك فى مكة، ولأنهم مصدر السلطة فاعف عنهم إذا أساءوا إليك واستغفر لهم إذا أذنبوا فى حقك وشاورهم فى الأمر لأنهم أصحاب الأمر، فإذا عزمت على التنفيذ فتوكل على الله.
إذن فالنبى حين كان "حاكماً" للدولة الإسلامية فلم يستمد سلطته من الله كما يدعى أصحاب الدولة الدينية، وإنما يؤكد القرآن على أنه كان يستمد سلطته من الأمة ومن اجتماعها حوله، ولذلك جعله الله تعالى برحمته ليناً هيناً معهم، ولو كان فظاً غليظ القلب لتركوه وانفضوا عنه وانهارت دولته. وهذا هو النبى وتلك دولته الإسلامية..!!
والدولة الإسلامية تتفق مع الدولة العلمانية فى أن الأمة أو المجتمع هو مصدر السلطات. وتختلف الدولتان (الإسلامية والعلمانية) عن الدولة الدينية فى ذلك الأمر، إلا أن الدولة الإسلامية تختلف أيضاً مع الدولة العلمانية فى تطبيق مبدأ "الأمة مصدر السلطات" الذى يعبر عن حق المجتمع المطلق فى السلطة.
فالدولة العلمانية فى تنفيذها هذا المبدأ تعتنق نظرية العقد الاجتماعى، وهو أن الأمة تتنازل عن جزء من سيادتها لحاكم ومجموعة من الناس لكى تحكم بالنيابة، وتنتخب الأمة مجموعة تمثلها فى البرلمان وتنوب عنها فى التشريع ومساءلة الحاكم، باختصار فالأمة فى الدولة العلمانية لا تحكم وإنما تنيب عنها من يحكمها وتنيب عنها من يمثلها ويتحدث باسمها، وهذه نقطة الخلاف بين الدولة المدنية الإسلامية والدولة المدنية العلمانية.
فالخطاب السياسى والتشريعى فى القرآن لا يتوجه إلى حاكم مسلم أو سلطة حاكمة مميزة تختص بالحكم والتشريع والتطبيق. وإنما يتوجه إلى الأمة التى تحكم فعلاً نفسها بنفسها وفق ما يسمى بالديمقراطية المباشرة والتى يكون فيها الحاكم موظفاً بعقد وبأجر ولمدة محدودة لينفذ المطلوب منه باعتباره أجيراً وخادماً للأمة، فإذا انتهى عقده رجع إنسان عادياً يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق.
ولكى تمارس الأمة هذا الحق المطلق لها فى السلطة فإن القرآن قام بتحويل هذا الحق إلى فريضة ملزمة واجبة وقرنها بالصلاة والزكاة، وذلك فى سورة "الشورى" قبل أن يقيم المسلمون لهم دولة، وسورة الشورى مكية، وفيها يقول تعالى يصف المجتمع المسلم المدنى فيقول من ضمن ملامحه ﴿وَالّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى 38) فجاءت الشورى بين الصلاة والزكاة لتؤكد أنها فريضة كالصلاة تماماً، فإذا كانت الصلاة فرض عين فالشورى كذلك، وإذا كانت الصلاة تؤدى فى المسجد فكذلك كانت الشورى، وإذا كانت الصلاة لا تصح فيها الاستنابة والتمثيل النيابى فالشورى أيضاً كذلك. كما أن الحديث عن الشورى جاء وصفاً للمجتمع القوى الذى يمسك زمام أموره بنفسه، فقال تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ﴾.وكون أمرهم شورى بينهم يؤكد على اشتراكهم جميعا فى مسئولية القيام بالأمر على قاعدة المساواة، بلا فرق بين غنى أو فقير ، رجل أو امرأة.
وهنا يتأكد نفس الخطاب القرآنى فى التوجه للمجتمع بأسره دون حاكم. فى التشريع الإسلامى فى الدولة الإسلامية يأتى الخطاب دائماً للمجتمع وعن المجتمع عندما يكون التشريع عاماً وغير مختص بعصر النبى وحده، واقرأ مثلاً ﴿وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ﴾ (الأنفال 60) ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (البقرة 178) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ﴾ (النساء 35) ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ﴾ (النساء 5،6).
وعندما انتقل المسلمون إلى المدينة وأقاموا لهم دولة "مدنية" كانت مجالس الشورى تعقد فى المسجد وينادى على الناس بأذان يقول "الصلاة جامعة". وفى بداية الأمر تثاقل بعض الأنصار عن حضور مجالس الشورى، وبعضهم كان يعتذر للنبى قبل الحضور، وبعضهم كان يعتذر بعد الحضور وبعضهم كان يتسلل لواذاً بعد الحضور دون استئذان. وذلك التثاقل يعنى أن ينفرد بالأمر قلة لا تلبث أن تحتكر السلطة، وتتعطل فريضة الشورى ويضيع حق الأمة بسبب تهاون أبنائها وتحولهم إلى "أغلبية صامتة"، من أجل ذلك نزلت الآيات الثلاث الأخيرة من سورة النور، وهى من أوائل السور المدنية، نزلت الآيات تجعل حضور مجالس الشورى فريضة إيمانية تعبدية وتهدد وتحذر من يتهاون فى الحضور، والتزم المسلمون بعدها فى حضور مجالس الشورى، وتحدثت سورة المجادلة عن مكائد المنافقين وإشاعاتهم فى تلك المجالس (المجادلة 7: 13).
ولأنه ليس فى الدولة الاسلامية حاكم فرد ـ ديمقراطى أو استبدادى ـ ولأن المسلمين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم وفق نظام محدد أشار اليه القرآن وفصلناه فى مؤلفات لنا سابقة فإن النبى محمدا عليه السلام حين مات لم يرشح بعده حاكماً بل ترك الأمة تحكم نفسها بنفسها وفق ما تعودوا عليه فى عصره . وأول خروج عن تعاليم الاسلام حدث حين أقام المهاجرون أبا بكر حاكما بسبب ظروف استثنائية كانت لمواجهة هجوم المرتدين على المدينة فاحتاجوا الى قائد حربى ما لبث أن تحول الى حاكم فردى ديمقراطى. ثم تزايد العصيان لتشريع الاسلام بالفتوحات العربية التى حملت اسم الاسلام زورا لتعتدى على من لم يعتدوا على المسلمين ويحتلوا بلادهم ، وأدى الوضع الجديد ـ الفتوحات ـ الى الحروب الأهلية، والتى أدت بدورها الى تدمير الحكم الديمقراطى للخلفاء الراشدين وتحوله الى حكم استبدادى وراثى قائم على القهرهو الحكم الأموى العسكرى القبلى ، وهو الذى أسلم الراية الى الحكم العباسى الدينى الذى شهد تدوين التراث للمسلمين ليبرر الدولة الدينية ويؤكد زورا انتماءها للاسلام بالأحاديث المنسوبة كذبا للنبى محمد عليه السلام والفتاوى التى أصدرها علماء السلطان المستبد .
الشيخ على عبد الرازق الذى قال بالفصل بين الإسلام والدولة أساء فهم الآيات القرآنية التى كانت تخاطب مجتمعاً ولا تخاطب حاكماً أو رئيساً. ولأن العقول عاشت على وجود رئيس يستأثر بالسلطة ويتوجه إليه الخطاب فإن الشيخ على عبد الرازق فهم خطأ أنه ليس فى الإسلام دولة،لآن القرآن لا يخاطب حاكما. وفعلاً فإنه ليس فى الإسلام دولة ثيوقراطية أو حتى دولة رئاسية، وإنما هى دولة يحكمها شعبها بالديمقراطية المباشرة وفق نظام الدولة السويسرية فى عصرنا. إن أساس قوة هذه الدولة فى قوة أفرادها وقوة المجتمع، والشورى فى مصطلح القرآن وشريعته هى فن ممارسة القوة. وكل فرد مفروض عليه أن يمارس الشأن العام بحيوية وفعالية. وليس من حق أحد أن يستأثر بالسلطة. وإذا حدث ذلك فإن الشورى تصبح فريضة غائبة.
(4) حق المجتمع المطلق فى الثروة:
الثروة فى الأصل ملك لله تعالى، وقد جعلها حقاً مطلقاً للمجتمع، وهى حق نسبى للأفراد بحسب العمل وحسن الاستغلال والاستثمار، وهى حق للورثة طالما أحسنوا الاستغلال والاستثمار، فإذا تصرفوا بسفاهة قام المجتمع بالحجر عليهم والالتزام بالإنفاق عليهم وحسن معاملتهم. نستفيد هذا من قوله تعالى ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مّعْرُوفاً. وَابْتَلُواْ الْيَتَامَىَ حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء 5: 6) فالمال حق مطلق للمجتمع ولهذا كان الخطاب للمجتمع فى الإشراف على الثروة ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ والمجتمع هو القائم على تنمية الثروة ﴿الّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ فإذا أحسن الفرد القيام على تنمية ثروته كانت حقاً له ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ويتجلى هذا فى الفرق بين كلمتى "أموالكم" و"أموالهم" فى الآية.
وبالنسبة لمن يعجز عن الكسب فإن له حقاً فى ثروة الأمة، والقرآن يؤكد على "حق" السائل والمحروم وحق المسكين واليتيم وابن السبيل فى الصدقات الفرية والصدقات الرسمية كقوله تعالى ﴿وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ. لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج 24: 25)، ﴿وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات 19) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ﴾ (الإسراء 26) ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَىَ حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ﴾ (الروم 38) ﴿وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام 141).ويلاحظ هنا ان حقوق الفقراء والمساكين واليتامى وأبناء السبيل لا شأن لها بالعنصر والدين والايمان والكفر والملة والطائفة والذكورة والأنوثة. يكفى أن يكون أحدهم فقيرا أو مسكينا أو ابن سبيل أو يتيما ليأخذ حقه .
(5) حق المجتمع المطلق فى الأمن:
الوظيفة الأساسية للدولة الإسلامية نحو أفرادها هى إقامة القسط وضمان حرية العقيدة وحمايتهم داخليا وخارجيا بتوفير الأمن الداخلى والخارجى. الأمن ضد الخطر الخارجى يعنى أن يكون للمجتمع جيش قوى يرهب الأعداء من الاعتداء عليه ﴿وَأَعِدّواْ لَهُمْ مّا اسْتَطَعْتُمْ مّن قُوّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ﴾ (الأنفال 60) وهذا الاستعداد لإرهاب العدو يعنى ردعه عن التفكير فى الاعتداء وبالتالى حقن الدماء ـ دماء العدو ودماء أبناء الدولة الاسلامية ـ وهذا يقع ضمن مشروعية القتال فى الدولة الإسلامية. انها دولة تعتنق السلام كفريضة دينية فى تعاملها الدولى، اذ لا مجال فى شريعة الاسلام للاعتداء على أحد بل مجرد رد العدوان بمثله. وشان الدولة المسالمة أن يتشجع المعتدون على الاعتداء عليها اذا اقترن السلام عندها بالضعف، ولذا كان لا بد من أن يقترن السلام بالقوة الحربية لتخويف المعتدين وردعهم. وبذلك فان القرآن الكريم فى تشريعاته قد سبق سياسة الردع النووى الى استعملها المعسكران الغربى والشيوعى فى النصف الثانى من القرن السابق.
مشروعية القتال فى الدولة الاسلامية تتفق والقسط والعدالة، فكل الآيات التى تحض على القتال هى أوامر تشريعية تخضع لقواعد تشريعية تحصر القتال فى الدفاع ورد الاعتداء بمثله ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿فَمَنِ اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىَ عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة 190،194) ثم المقصد النهائى للقتال هو أن يكون لمنع الاضطهاد والإكراه فى الدين، والمصطلح القرآنى هو الفتنة وتعنى الإكراه فى الدين، يقول تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ للّهِ﴾ (البقرة 193) ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتّىَ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لله﴾ (الأنفال 39) ومعنى أن يكون الدين كله لله أى بدون كهنوت، وأن يكون الناس أحراراً فى اختيار ما يشاءون من عقائد حتى لا تكون لأحدهم حجة أمام الله تعالى يوم القيامة.
إذن فالعدل والقسط هما أساس التعامل مع العدو الخارجى ويكون بتكوين دولة قوية بجيشها وأهلها، لتؤكد حق المجتمع المطلق فى الأمن.
كما أن من حق الأفراد النسبى أن يعيش كل منهم آمناً وعلى أساس التساوى وبحيث لا يستأثر فرد واحد بالحماية دون الآخر، حتى لو كان ذلك الفرد هو رئيس الدولة، وفى الدولة الدينية والدولة المستبدة العلمانية والعسكرية ، وحتى فى الدولة الديمقراطية التمثيلية نرى نصيب الحاكم فى الأمن يفوق ما للفرد العادى من الحماية. بل ان الدول المستبدة ـ علمانية أو دينية ـ تنفق على الأمن السياسى الذى يعنى أمن الفرد الحاكم وزمرته أضعاف ما تنفق على الأمن الجنائى الذى يحمى المجتمع كله.
ان الأمن هو مقياس مدى ما يتمتع به الحاكم من سلطات. فى دول الديمقراطية المباشرة يكون الحاكم أجيرا حقيقيا للمجتمع لا يتميز عن الشخص العادى بشىء ، وهكذا كان النبى محمد عليه السلام فى حياته فى مكة والمدينة ، يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق بدون حراسة، شأن كل شخص عادى. عندما يزداد نفوذ الحاكم فى الديمقراطية التمثيلية يكون ذلك على حساب الشعب الذى تنازل عن جزء من سلطته للحاكم وأعوانه، وبالتالى يحتاجون الى حماية أمنية وحراسة بوليسية ظاهرة ومستترة تتساوى وما أخذوه من حقوق الناس بالرضا أو بالظلم. اذا وصلنا الى الحاكم المستبد الذى يسرق حقوق شعبه الاقتصادية والسياسية والانسانية نجده فى حالة رعب من الناس اعترافا منه بما ارتكبه فى حقهم . لا بد له من ارهابهم وتعذيبهم ليسكتوا عن المطالبة بحقوقهم خوفا من هيبة الدولة التى هى هيبة الحاكم الفرد نفسه. وبزيادة الظلم والتعذيب يزداد خوف الحاكم أكثر وتطارده صرخات ضحاياه ، فيحاول التخلص من تلك الكوابيس بالمزيد من اجراءات الأمن فيزداد الارهاب على المواطنين ويزداد بالتالى هلع الحاكم من انتقام منتظر قادم لا محالة ، وهكذا يدور المستبد فى حلقة مفرغة متزايدة من الظلم والارهاب والخوف من الانتقام القادم أو احتمال الثورة بحيث لا تكفى قوى الجيش والبوليس وأجهزة الأمن المختلفة فى أن تجعل المستبد المذعور الملعون يحس بالأمن. ولو أنصف لأعطى الناس حقوقهم بالعدل والمساواة وتمتع معهم بالأمن والحرية ، وعاش حياته بين الناس متنمتعا بالحب والاحترام أثناء فترة عمله رئيسا وبعد تركه العمل شأن كل خادم للشعب أو حاكم فى نظام الديمقراطية المباشرة حيث لا يمتاز عن غيره من المواطنين فى الحراسة والأمن.
ثانياً: فى الدولة الدينية فى تاريخ المسلمين:
الشورى الاسلامية وحقوق الانسان ضاع فى الدولة الأموية القائمة على العسف والقوة الظالمة فى سياستها العملية، ثم جاءت الدولة العباسية وقامت بتشريع ذلك الابتعاد عن شرع الله تعالى عن طريقين: (1) إسناد أحاديث زائفة للنبى تشرع ذلك الخروج عن شرع الله تعالى. (2) إلغاء التشريع القرآنى الذى يخالفهم بدعوى أنه منسوخ، مع أن النسخ فى مصطلح القرآن يعنى الإثبات والكتابة وليس الحذف والإلغاء، والأهم من ذلك كله أن الدولة العباسية التى شهدت تدوين التراث تجاهلت تدوين السنة الحقيقية للنبى فى إعداده للأمة وتربيته لأفرادها، والقرآن الكريم أشار إلى مهمة النبى فى المدينة ومنها أن يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، أى يسمو بهم، وكان ذلك يتم عن طريقين، الأولى فى خطب الجمعة والأخرى فى مجالس الشورى، ولقد عاش النبى فى المدينة عشر سنوات، وخطب أثناءها الجمعة أكثر من خمسمائة مرة، ومع ذلك تجاهل التدوين العباسى تسجيل تلك الخطب. كما أهمل تسجيل ما كان يدور من حوار سياسى ونقاشات فى مجالس الشورى، وظلت الآيات التى تحدثت عن هذه المجالس فى سورتى النور والمجادلة بدون روايات تاريخية حقيقية تعززها.
والواقع أن الدولة الأموية كانت تحكم بقانون القوة، ولم تكن تهتم كثيراً باستصدار فتاوى تبرر ما تقوم به من فظائع بلغت قتل الحسين وآله وانتهاك حرمة الكعبة والحرم واستباحة المدينة ثم قتل مئات الألوف فى ولاية الحجاج على العراق. ولعل خطبة عبد الملك بن مروان سنة 75 هـ أمام أهل المدينة توضح هذه السياسة، إذ قال "أما بعد، فلست الخليفة المستضعف- يعنى عثمان- ولست الخليفة المداهن- يعنى معاوية- ولست الخليفة المأفون- يعنى يزيد بن معاوية- ألا وأنى لا أداوى هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم، فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم، والله لا يأمرنى أحد بتقوى الله بعد مقامى هذا إلا ضربت عنقه" ومن يتأمل هذه الخطبة لا يصدق أن حاكماً مسلما يمكن أن يقولها علنا للمواطنين.
وجاءت الدولة العباسية تكرر نفس السياسة ولكن تقوم بتبريرها وتشريعها عن طريق فقهائها، ولذلك كان أبو جعفر المنصور يخطب فيعلن فى عرفات للناس "إنما أنا سلطان الله فى أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه". وهذا هو المبدأ الأساسى للدولة الدينية فى الخلافة العباسية والفاطمية والعثمانية، وهو أيضاً نفس المبدأ للإمبراطورية الرومانية المقدسة. أن يحكم الخليفة أو الإمبراطور بالسلطة الإلهية ويملك بها الأرض ومن عليها، ويعاونه فى ذلك رجال الدين وفقهاء السلطة، ومن هذه السياسة نبتت تعبيرات مختلفة منها "الراعى والرعية" و"أهل الحل والعقد". وتعنى أن الحاكم المتآلة هو الراعى وأن المجتمع مجموعة من القطعان يتصرف فيهم الراعى كيف يشاء باعتبار أنه يملك هذه الرعية ومسئول عنها أمام الله وحده، ولا يمكن لأحد من القطيع أن يسائل الراعى. ولكن الذى يعاون الراعى فى قيادة القطيع هم الملأ الذين يستشيرهم الراعى وهم أهل الحل والعقد.
ومن العبث هنا أن نتساءل عن القسط أو عن الحق فى حرية العقيدة والتعبير أو سائر الحقوق النسبية، فقد احتكرها شخص واحد وصار بها مستبداً مدعياً للألوهية.

التناقض بين حقوق المواطنة بين الدولتين:
إذا كان هذا هو حال الأفراد المسلمين داخل الدولة الدينية، فما هو وضع غير المسلمين فيها.. ثم ما هو وضعهم فى الدولة الإسلامية.
(1) نبدأ بالدولة الإسلامية:
هنا نشير إلى أن مصطلح الإيمان والإسلام فى التعامل البشرى بين أفراد الأمة والمجتمع يعنى الأمن والأمان والسلم والسلام. فالمؤمن هو المأمون الجانب مهما كانت عقيدته، والمسلم هو المسالم مهما كان دينه. والجميع مهما اختلفت أديانهم هم مسلمون مؤمنون طالما لا يرفع أحدهم السلاح ضد الآخر، والجميع مهما اختلفت دياناتهم وعقائدهم ومذاهبهم موعدهم أمام الله تعالى يوم القيامة ليفصل بينهم فيما كانوا مختلفين. وإلى أن يأتى هذا اليوم فالجميع يعيشون فى إطار العدل والقسط والمساواة ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. والآيات فى ذلك بالمئات فى القرآن، ولكن نستشهد بآية واحدة جاء فيها الإذن بالقتال، ونصت على حيثيات الإذن بالقتال واختتمت بالمقصد التشريعى للقتال وهو حماية دور العبادة من صوامع وبيع وصلوات لليهود والنصارى ومساجد للمسلمين وفيها جميعاً يذكر أصحابها الله تعالى كثيراً (الحج 40).
ثم نستشهد بآية أخرى يتحدد فيها مفهوم المواطنة، يقول تعالى ﴿إِنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مّنْهُمْ﴾ (القصص 4) فالطائفة المستضعفة كانوا بنى إسرائيل، والقرآن يعتبرهم ضمن أهل مصر مع اختلافهم العرقى والدينى. أى أن تشريع القرآن يجعل الوطن للجميع بدون أقلية أو أكثرية. وفى نفس الوقت فإن الدين كله لله تعالى بلا كهنوت فى الدنيا، ومرجعه لله تعالى يحكم فيه فى الآخرة، أى أن مقولة "الدين لله والوطن للجميع" هى تشريع قرآنى.
ولكن ذلك التشريع القرآنى خالفته الدولة الأموية حين تعصبت عنصرياً ضد غير العرب من الموالى والأقباط المصريين والأنباط فى الشام والبربر فى شمال أفريقيا. ثم جاءت الدولة العباسية منذ خلافة المتوكل العباسى وتعصبت ضد غير المسلمين من النصارى واليهود وضد غير السنيين من الشيعة والصوفية. وفرضت زياً معيناً لتحقير أهل الكتاب، وقبل ذلك تم فرض الجزية على غير المسلمين خلافاً للتشريع القرآنى واعتبروهم مواطنين درجة ثانية فى إطار أنهم أهل الذمة. وتبارى فقهاؤهم فى التعقيد الفقهى لذلك التشريع المخالف للقرآن الكريم.

وفى النهاية:
نقررالحقائق التالية:
1- أن الدولة الإسلامية ليست يوتوبيا خيالية، بل قد أمكن تأسيسها من لا شىء فى عصر النبى محمد وصمدت بعدها، وكان نتيجة انهيارها فى الفتنة الكبرى حروباً طوالاً، أى لم تسقط بهدوء، ولكن قاومت بشراسة حتى أن المقاومة استطاعت إنهاك الدولة الأموية وإسقاطها فى عنفوان شبابها. ثم جاءت الدولة العباسية بعد أن خدعت المسلمين بشعار "الرضى من آل محمد" وزعم إعادة الدولة الإسلامية للنبى محمد . ولكنهم ما لبثوا أن أقاموا دولة تتمسح بالاسلام وتناقضه فى نفس الوقت.
2- برغم التحريف وإرساء قواعد تشريعية للدولة الدينية فى العصر العباسى فإن حقائق القرآن المنزه عن التحريف لا تزال تحتفظ بأسس الدولة الإسلامية وتناقضها مع الدولة الدينية التى عرفها المسلمون والغرب على السواء.
3- "الاسلام هو الحل" شعار يرفعه الاخوان المسلمون لخداع الناس واتخاذ الاسلام مطية يصلون بها للسلطة. ونحن نقول " الاسلام هو الحل " فعلا فى تعرية الاخوان المسلمين واثبات عدائهم للاسلام الذى يتمسحون به. الاخوان المسلمون هم ثقافة دينية تنتمى للعصور الوسطى المظلمة بتعصبها وتطرفها واستبدادها ، وهم أكبر من أن يكونوا مجرد تنظيمات سرية وعلنية. أى اننا لا يمكن أن نواجههم الا بثقافة اسلامية مستنيرة من داخل الاسلام. ومن حسن الحظ أن الاسلام يناقضهم على طول الخط عقيديا وتشريعيا وسلوكيا وأخلاقيا وثقافيا. ومن هنا نقول ان " الاسلام هو الحل " فى مواجهة الاخوان المسلمين . لا بد من مواجهتهم بالاسلام .
4- أن الدولة العلمانية الحديثة هى الأقرب للدولة الإسلامية، ولكن أقرب النظم الحديثة للدولة الإسلامية هو نظام الديمقراطية المباشرة فى الاتحاد السويسرى.واذا كانت الدولة الاسلامية فى عصر النبى محمد قد سقطت لأنها كانت ضد المناخ السائد فى العصور الوسطى فان مبادئها تتسق مع المناخ السائد فى عصرنا، وهى فعلا موجودة على أرٍض الواقع فى الاتحاد السويسرى ، وبصورة أقل فى الديمقراطيات الغربية النيابية التمثيلية.
5- إن نظام العقوبات أو ما يعرف بالحدود فى الدولة الإسلامية جرى تحريفه فى التطبيق التاريخى للمسلمين كما جرى تدوين ذلك التحريف فى تشريعات الفقه التراثى. وهذا يستلزم بحثاً خاصاً فى إطار التشريع القرآنى واختلافه عن تشريع الدولة الدينية وتراثها.

د. أحمد صبحي منصور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ر. ب.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home