Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الحقيقة والصواب

لقد ادركت الحقيقة في وقت متأخر ولم يدركنى "الوعي" بحقيقه ماجرى للوطن وما آلت اليه بلادنا من وضع مترد وما حل بها من كوارث إلا بعد سنين من بداية الكارثة، فأنا كمثل الكثير من أخوتي الليبيين والليبيات حيث كنا صغار السن يوم وقعت الواقعة وأستلم العسكر زمام الأمور ومقاليد السلطة وكبرنا مع الكارثة وكبرت معنا، وقبل أن تتقدم بنا السن ويدركنا النضوج ونتكشف حقائق الواقع ونتأكد من أن الذي حدث ليلة الفاتح من سبتمبر 1969 لم يكن "ثورة" مثل ماحدث في التاريخ الإنساني القريب والبعيد من ثورات وإنما الذي حدث، كان مجرد "إنقلاب عسكري" قامت به مجموعة صغيرة العدد وصغيرة الرتب وصغيرة الوعي والتكوين، وإن كانت ورائهم أيد خفية هى التي دبّرت ووضعت السيناريو وخطة التنفيذ الفعلي المحبوكة الفصول الجهنمية الغايات، ووجهت مجموعة العساكر الصغار حتى تمكنوا من استلام السلطة والتحكم فى زمام الأمور، وكان بذلك بدون شك، في غاب الوعى لدى جماهير شعبنا، ووسط تأييد ومباركة وتهليل من جانب قوى دولية متآمرة، وجهل أو تجاهل عربى عام؟

ومن مفارقات الأقدار أن يتحّول الكثير من أبناء جيلنا، بإرادته أو دون إرادته، أو تحت ضغوط حاجاته المعيشية الى "ترس" فى عجلة "بلدوزر" الباطل الذى داهم الوطن، وشرع فى تدميره وطحن كيانه وسحق الأخيار من شعبه وتحطيم كل شيىء سليم وجميل ورائع فى ربوعه.. بل وتخريب الطريق فى اتجاه المستقبل الذي كان الرواد من بناة الدولة الليبية يصرون على شقه وتوسيعه لترتاده الأجيال الليبية الجديدة وفي اتجاه التقدم والتحضر وإرساء دعائم الدولة الحديثة وترسيخ أسس الرخاء والإستقرار والتنمية وتحقيق الرخاء والأمان والعدالة والحرية بين ربوعها..

وليس على أكثرنا ممن هم فى سننا أو ولدوا في هذا العهد ليس عليهم من حرج.. فصغر السن لا يتيح لنا أن نفهم أو نعي ماحدث ، ونحن فى تلك السن، ولا ندرك أسرار وتفاصيل بداياته وخلفياته التي لم تعد واضحة، ولا إستيعاب ماجرى ولا ماكان يجري أمامنا بسهولة وسط تلك الأجواء الصاخبة من "الهوس الثوري" وضجيج الأكاذيب وعواصف الدعاية المصللة والمركزة.

وقد أدركنا فيما بعد أيضا، إن غياب الوعي الحقيقي في أوساط شعبنا قد ساهم في وقوع الكارثه منذ البداية التي شارك "تخلف الوعي" في إستمرار جرائمة البشعة، بل ومكنها من الإتساع والتفاقم والإستفحال، حتى عم السيل الزُبى وجرى خراب على كل شىء، وعندها فقط أخذ جيلنا يتوعب الحقيقة ويعي الواقع المر ويبحث عن الخلاص.. الخلاص من أخطبوط التخلف والخروج من مستنقع الفساد والإنحطاط والفوضى، وهو نفس مايشغل بال جموعنا الصامتة المقموعة الأن على أمتداد وطننا في الداخل.

إذن، فالإحاطة الكاملة بأسباب ماحدث هو الذي يؤهلنا لنبحث عن مخرج حقيقي مما نعانيه.. البحث عن الخلاص.. البحث عن وسائل إنقاظ الوطن من مهاوى الكارثة التي يغرق في ويلاتها، وهو مايلتئم الآن، جمعنا هذا عليه.. الموضوع فى البدء هو الوصول الى تصور شامل وصحيح للواقع الراهن ودراسة المشاكل المستعصية التي أوصلنا إليها النظام القمعي المتخلف ، والهدف هو البحث عن سبل الوصول الى حل علمى وناجع وسليم وممكن التحقيق، ذالكم هو الهدف أو هو الأهداف التى نلتقى عليها جميعاَ.

اننا كمعارضة ليبية في الخارج علينا كخطوة أولى في الأتجاه الصحيح وان يكون عملنا الوطنى منجز ومفيد ويبقى "الأنجاز الأهم" هو قدرتنا على إستحضار القيم والألتزام بما ترسمه لنا من حدود "التجرد ونكران الذات والإخلاص المطلق لليبيا فقط، والترفع عن الصغائر، والعواطف والألتزام بقضية الوطن والبحث عن الحقيقة والسعى فقط لإكتشاف الصواب الذي يمكننا من إداركها.. ولا شيىء سوى "الحقيقة الصواب" سواء جاء على لسانك أو لسانى أو لسان هذا أو ذاك.. ويبقى كل ذلك جوهرا العمل الوطني وأسس قيامه وإنطلاقه وأسباب تقدمه ونجاحه.. إنه جوهر أخلاق المناضلين الحقيقين الشرفاء، والسبيل الوحيد لإنتصارهم، مهما طال مشوار وتعاظم حجم العقبات وبلغت المتاعب والمعاناة.

ولا بد العودة هنا إلى "الإشارة المتواضعة" التى بدأت فيها مقالتي هذه وهى أن "الكارثة" قد أدهمتنا، نحن غالبية الليبيين ولمّا نبلغ سن الرشد، أو الوعى والتسيّس والفهم العلمي العميق الذي يحول دول تقبل "صانعيها" وتصديق دعاويهم الثورية، وتعايشنا معهم.. مع ما يسمى بالثورة وبقائنا في خدمة نظامها - إذا جاز أن نسميه نظاما - سنين عددا.. وكان بعضنا - بوعى أو بدون وعى بالفعل"ترسا" في عجلات (بلدوزراتها) الرهيبة وهى تطحن الوطن المغدور وتسبب في كل ما أصاب شعبنا من نكبات ومظالم وعذابات!

قليل منا وللأسف الشديد هم أولئك الرواد الذين اكتشفوا المؤامرة حتى قبيل أن تبدأ وأدركوا هول الكارثة التى داهمت الوطن في تلك الليلة المشئومة، وبادروا على الفور في اتخاذ الموقف الشجاع.. الذى دفعوا ثمنه غاليا وباهظا.. إن التزامنا بقيم الوفاء والصدق والإنصاف يلزمنا تذكر أولئك الرواد ونزلهم فى مكانهم المناسب والرفيع من الأعتبار والعرفان... ويحتم على أنا كمواطنة ليبية وأنتم ايها المناضيلين الشرفاء ان نذكر هؤلاء ونجعلهم المرجع الأول لنا في مسيرتنا النضالية واستشارتهم بحكم مسيرتهم السياسية والنضالية ليس فقط تكريما لهم بل الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم وحنكتهم السياسية، وسيبقى في الذاكرة أيضا والوجدان، كل الذين ناضلوا ضد هذا النظام وفى مقدمتهم طلبة الجامعة الليبية من أبطال إنتفاضة ابريل 1976 يتحدون الثورة ويواجهون بلطجية الثورة وعصابات اللجان الثورية، وكذلك من فدوا أنفسهم فى سبيل الوطن من أبطال إنتفاضة أكتوبر وشهداء السجن السياسيى والمنضلين اللذين يخوضون معاركهم المشهودة ضد الدكتاتورية والأستبداد ولا زالوا يحملوا رايات الرفض والمعارضة، وصمدوا على الرغم من كل الأنتكاسات والخسائر.

ولابد من التأكيد على أن الساحة الحقيقة والأولى للعمل الوطني والنضال ضد هذا النظام هى التي تتواجد في داخل تراب الوطن، وأن التركيز ينبغى أن يتم على الطريقة التى يمكن أن تتحرك بها هذه الساحة وتساعد شعبنا على الإنتفاضة الواعية والعمل المنظم لأسقاط سلطة سبتمبر الغاشمة، وفى هذا المجال يبقى علينا نحن الذين نتواجد في الخارج، خارج الساحة الحقيقة، الكثير مما ينبغي عمله لمساندة المناضلين فى الداخل والتضامن مع إصرارهم وجهودهم وتبليغ صوتهم الحر الى كل مكان، والبحث عما نستطيع إضافته لهم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ وطننا.

لتكن هذه نقطه البداية فى مشوار العمل الناضج الفعال والمدروس في اتجاه تحقيق أماني شعبنا وطموحاته في الخلاص وتمكينه من تقرير المصير وإقامة الحكم الديمقراطي البديل الذى يؤمن له الحرية والكرامة والمشاركة الفعلية في السلطة ويضمن له الإستقرار والإزدهار والإنطلاق في اتجاه التقدم، آخذين في الإعتبار ملابسات الظروف الدولية المحيطة ببلادنا، وتحول الدول، التي لا تحركها إلا مصالحها الخاصة، وتهافتها على التعامل مع هذا النظام، مستغلين تشبثه بالسطة ومستفين مما يعاينه من ضعف وهشاشة وعزلة عن الشعب ومن استعداده للتنازل والتساهل والتفريط فى كل شيىء من أجل بقاء السلطة فى يد "الحاكم الأوحد" واستمرار بقاء مباهجها ومنافعها وثروت بلادنا في ايدى القبيلة الحاكمة والمرتزقة من حمايتها.

وأى كان الأمر، فعملنا الوطني مع رفاقنا المناضلين بجهد صبور ومشكور وعظيم، هو بداية المشوار في اتجاه الصحيح ولعلنا من خلال هذا العمل الوطني الساعين من خلاله الى معالم الطريق المستقيم الذى نحن مصممين على ارتياده وننجح في وضع برامج عملى ومدروس ونخطط للتحرك الذكى المطلوب لتحقيق مانطمح اليه من أهداف نبيلة وغايات عظيمة.

ندعو الله العلي القدير أن يوفقنا الله جميعا ويجنبنا المزالق ويلهمنا جميعا الرشاد والصواب ياأبناء بلدى الصابرين.

بقلم / نداء صبري عـياد ـ ريم ليبيا


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home