Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

المعـارضة الليبية.. سيناريوهات ما بعـد مؤتمر لندن

لم يكن المؤتمر المشبوه الذي عقده المعارضون الليبيون بالعاصمة البريطانية لندن على مدار يومي 25 و26 يونيو 2005 نسخة كربونية باهتة من مثيله الذي عقده المعارضون العراقيون بالمدينة ذاتها خلال شهر نوفمبر 1999 للتهيؤ للاستيلاء على الحكم بعد الإطاحة بالرئيس صدام حسين فحسب، وإنما أيضا كان استنساخاً ممقوتاً للنموذجين العراقي والأفغاني في الاستقواء بالخارج ضد الحكم القائم.
إلا أن ما لم يكن يضعه المعارضون الليبيون بحسبانهم، أن ليبيا ليست العراق أو أفغانستان، سواء فيما يتعلق بمقبولية النظام السياسي وتمتعه بالشرعية داخليا، وذلك على خلاف نظامي بغداد وطالبان اللذين كانا قد بلغا حد الرفض الشعبي التام، أو فيما يتعلق بمنظومة علاقاته الخارجية، لاسيما بعد إقدامه على تسوية قضية لوكيربي وتخليه عما بحيازته من أسلحة الدمار الشامل، الأمر الذي وضع حداً للعداوة التي كانت قائمة بينه وبين القوى ذات النفوذ في النظام الدولي، وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على خلاف نظامي بغداد وطالبان، واللذين كانت علاقاتهما بواشنطن قد بلغت أقصى مراحلها صدامية، ومن ثم جاءت مخرجات المؤتمر أشبه بالأمنيات المثيرة للسخرية..
إذ الأمنية الأولى الخاصة بتنازل العقيد القذافي عن كافة السلطات السياسية والعسكرية والأمنية تمثل الاستحالة ذاتها، وذلك على اعتبار أنه ليس من المعقول أن تتنحى أية قيادة سياسية عن حكمها الحائز للشرعية لمجرد قلة معارضة (لم يتعد عددها على أقصى التقديرات 150 فرداً)..
في حين مثلت الأمنية الثانية، والخاصة بإقامة حكومة انتقالية بعد تنحي الحكم، استباقاً جنونياً للأحداث؛ حيث تنحي الحكم أبعد عن شوارب هذه القلة، فكيف يستقيم ذلك مع تخطيطهم لإقامة حكومة انتقالية بعد تنحيه؟.. أليس ذلك تحليقاً زائداً عن اللزوم في دنيا الأمنيات؟!..
أما الأمنية الثالثة، والخاصة بإعادة إنتاج مضامين دستور 1951، فقد كانت اجتراراً مفضوحا للذكريات الاستعمارية المأساوية الخاصة بالقوى التي صاغت هذا الدستور للملك السنوسي وأشياعه، وربما يتناغم ودوافعها المصلحية..
وربما كانت الآليات التنفيذية التي ارتسمها المؤتمرون لتحقيق أمنياتهم أكثر إثارة من هذه الأمنيات ذاتها؛ إذ تحدث رموزهم عن مفاجآت وعصيان مدني وتحركات من الداخل..و....و...، الأمر الذي أعطى انطباعا بأنهم إنما يتحدثون عن دولة أخرى غير ليبيا التي يحظى حكمها بقبول شعبي مطلق (تعتبر تظاهرة المليون التي خرجت لتأييد هذا الحكم في ذكرى الاحتفال بثورة الأول من سبتمبر 1969 برهاناً قاطعاً في هذا الصدد)..
تحدث رموزهم أيضاً عن إجراء اتصالات مع الدول الغربية من أجل الحصول على دعمها المعنوي والسياسي، وهي مسألة غير مجدية من الناحية العملية، ليس فقط لأن ليبيا قد أوشكت على تطبيع علاقاتها بصورة تامة مع هذه الدول، ولكن أيضاً لأن هذه الدول قد باتت على اقتناع بأن احتضانها لهؤلاء المعارضين سوف يؤثر على مصالحها لدى ليبيا بالسلب من ناحية، ومن ناحية أخرى، تأكد لدى بعض هذه الدول أن مِن هؤلاء المعارضين مَن له علاقات بتنظيمات إرهابية، لدرجة أن دولة كبريطانيا، والتي كانت تعتبر من أبرز الملاذات بالنسبة لهم، قد بدأت تتخلى عنهم وتخطط لتسليم بعضهم إلى ليبيا.
إنه حتى الرهان على دولة كالسعودية من حيث الدعم والتأييد قد أُفسدا على أرضية ما جرى مؤخراً من خطوات على صعيد المصالحة السعودية – الليبية.
في السياق ذاته، لم ينجح المعارضون في بث تلك القناة التليفزيونية الفضائية التي ضمنوها آلياتهم التنفيذية، وبدلاً من ذلك، شرعوا في بث إذاعة مسموعة لم يُكتب لها الاستمرار بأكثر من عدة دقائق.
والنقطة الجديرة بالإشارة هنا هي أنه سواء مقررات مؤتمر لندن أو الآليات التي ارتسمها المعارضون لتنفيذها لم تكن مقنعة لبعض المعارضين، كما قوبلت بنوع من الانتقاد من جانب البعض الآخر وبنوع من الاستهزاء من جانب البعض الثالث.. ولقد كان قاسماً لظهر المعارضة أنه قد غاب الفصيل الرئيسي، ممثلاً في الإخوان المسلمين، عن حضور المؤتمر رغم اشتراك ممثليه في المشاورات التمهيدية الخاصة به خلال شهر أبريل 2005.
ورغم ما أشيع من وجود صفقة بين النظام والإخوان تم بمقتضاها عزوف الإخوان عن الاشتراك في المؤتمر مقابل الإفراج عن معتقليهم، على خلفية الحوار الذي أجري بين الطرفين خلال العام الماضي، والذي انتهى بإعلان سيف الإسلام القذافي عن "أن المنتمين للإخوان المسلمين والمعتقلين في السجون هم معتقلون في قضايا رأي ويتعين الإفراج عنهم" إلا أن سليمان عبد القادر – أحد قياديي الإخوان المسلمين - قد نفى ذلك جملة وتفصيلاً في لقائه مع قناة الجزيرة القطرية خلال شهر أغسطس 2005، مؤكداً على أن ما يهم الجماعة هو المضي قدماً في طريق الإصلاحات السياسية، وأن اهتمام الإخوان بذلك هو لصالح الشعب الليبي كله، وليس لصالح فصيل الإخوان وحده.
ومن جانبه، فقد تعامل الحكم مع الموقف برمته عبر اتباع قاعدتين رئيسيتين..
الأولى، تمثلت في التلويح بالجزرة، وذلك عبر قيامه منذ شهر يناير 2005 وحتى عشية انعقاد المؤتمر بإيفاد مبعوثيه إلى العواصم الأوروبية لمحاولة إقناع المغتربين بالعودة إلى البلاد والتعبير عن رأيهم في إطار اللجان الشعبية، وهي السياسة التي حققت بعض النجاح..
والثانية، تمثلت في كشف المستور عن المؤتمر والمؤتمرين والجهات التي تقف وراءه والمآرب الحقيقية له بحيث تصبح الصورة واضحة تماماً لدى الشعب الليبي، وربما كانت هذه القاعدة الثانية أكثر نجاحاً من نظيرتها الأولى، باعتبارها قد أفسدت مساعي المؤتمرين الحطّ من قيمة الإصلاحات التي ينشط النظام لإقرارها داخلياً وعلى صعيد السياسة الخارجية، كما عرَّت البطولات الزائفة للحرس المعارض القديم والمحرك الأساسي لعقد المؤتمر والمحتكر لمدخلاته ومخرجاته، فضلاً عما أماطت اللثام عنه من شقاقات حادة في صفوف المعارضين وتصارع زعاماتهم من المنتمين لهذا الحرس القديم على قيادة العمل المعارض وتكالبها على الاستئثار بالدعم والتمويل الأجنبي.
وهكذا انتهى المؤتمر كما بدأ.. صفر المحصلة بغض الطرف عن تلك الضجة الإعلامية التي واكبته، بينما عادت المعارضة إلى سابق حالتها المعتادة "جعجعة بغير طحين".. بينما مضى النظام في طريق إصلاحاته الداخلية والخارجية.. وفي ضوء ذلك فإن سيناريوهات عدة تثور بشأن مستقبل هذه المعارضة..

السيناريو الأول: الخُلْع
وينهض هذا السيناريو على أن حالة الإملاق السياسي والاختناق الشديدين اللذين بلغتهما المعارضة بعد الفشل الذي آل إليه مؤتمر لندن سوف تدفع العديد من أنصارها إلى خلع أنفسهم من الانتماء إلى صفوفها والتركيز بدلاً من ذلك على استثمار أوقاتهم ومجهوداتهم في الغربة لبناء مستقبل معيشي أفضل لهم ولذويهم.. بل وإمكانية رجوعهم إلى ليبيا بناء على الدعوة المفتوحة الموجهة إليهم من قبل القيادة السياسية الليبية والاستفادة معيشياً من الأجواء الانفتاحية الجديدة التي تشهدها البلاد بعيداً عن السياسة ومعتركها.. وقد يقود مثل هذا السيناريو إلى إحالة المعارضة برمتها كفكرة وممارسة إلى قاع الضياع، على ألا يفهم من ذلك إمكانية القضاء المطلق على المعارضة حسبما يأمل البعض من الموالاة، إذ لا يوجد نظام سياسي على ظهر الأرض منذ بدء الخليقة وإلى الآن قد حاز الرضاء بنسبة مائة في المائة إلى الحد الذي ماتت معه المعارضة تماماً، وعلى حد تعبير البعض، فإن "المعارضة كما نبات البرسيم.. ما إن يُحش حتى يعاود الظهور والنماء من جديد".. كذلك فإن أي حكم رشيد لا ينصب سعيه على تصفية المعارضة بقدر ما ينصب على إبطال مفاعيل أسلحتها الفكرية والتنظيمية والحركية، بحيث تُسلِّم بقبوله مذعنة في النهاية أو تضحي معارضة متصنمة فاقدة المصداقية لا تضر وبالضرورة لا تنفع.

السيناريو الثاني: الانبعـاث من جديد
وينهض هذا السيناريو على أن ثمة رياحاً للتغير قد هبت على كل دول العالم النامي، وليس هناك من النظم السياسية ما يستطيع صدها، لاسيما في ضوء.. ثورة تكنولوجية رهيبة وخارقة لكل المصدات، وضغوط أمريكية متواصلة على النظم العربية دون استثناء من أجل التغيير، ونقلة انفتاحية شرعت الدولة الليبية في إنفاذ حلقاتها ولن يتسنى لها الرجوع، الأمر الذي يعزز - بحسب وجهة نظر المعارضين - من تطلع الشعب إلى المزيد، ويشكل في الوقت نفسه أرضية خصبة للتغير، وهو التغيير الذي يظن المعارضون أنهم سيحملون لواءه، باعتبارهم البديل الوحيد الجاهز لهذه المهمة بما يقتضيه منهم ذلك من الانبعاث من جديد عبر إعادة رص الصفوف، وبناء جسور للوصل مع الداخل، والإعداد لذلك اليوم الذي يزحفون فيه إلى طرابلس للظفر بالسلطة...
ومع ذلك فإن صفوف المعارضين أصعب من أن ترص، ووصلهم مع الداخل أبعد من أن يتحقق، أما زحفهم إلى طرابلس فهو من المستحيلات، وربما الحالة الوحيدة التي يمكن أن يتأتى لهم فيها ذلك هي أن يساندهم الأمريكان كما ساندوا من قبل المعارضين العراقيين والأفغانيين، وهو أمر غير متوقع في الوقت الراهن الذي يسير فيه قطار التطبيع الليبي- الأمريكي قاصداً محطاته الأخيرة.

السيناريو الثالث: الالتئام مع النظام
وينهض هذا السيناريو على أن وضعية المعارضة المتدنية الراهنة جنباً إلى جنب الأجواء الدولية والإقليمية غير المواتية، لا تتيح لها إمكانية الاستمرار في تحدي النظام أو تبني أجندات راديكالية للتعاطي معه، فضلاً عن أن النظام اليوم لم يعد نظام الأمس في ضوء تلك الأجندة الإصلاحية التي شرع في تطبيقها على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومن ثم - بحسب هذا السيناريو - فإن الحصول على جزء من ثمار الإصلاح في كنف النظام وبالالتئام معه أفضل من عدم الحصول على شيء بالاستمرار في رفع راية المعارضة.
وقد كان للإخوان المسلمين السبق في هذا الخصوص.. وربما أثار إرجاء النظام الإفراج عن الإخوان المعتقلين – حسبما وعد سيف الإسلام القذافي - وإعادة محاكمتهم مرة أخرى نوعاً من الضجر لدى رفاقهم، وربما فتح المجال للمعارضين المنتمين للفصائل الأخرى لإفساد العلاقة بينهم وبين النظام عبر التشكيك في أن النظام سيفي بوعوده في مسألة الإفراج عن المعتقلين، إلا أنه من الواضح أن عملية إعادة المحاكمة كانت ضرورية حتى تكون مسألة الإفراج مسبَّبَة ومكتملة الإجراءات القانونية (الشكلية والمضمونية) وليست مجرد مسألة سياسية أو مقايضة أجراها معهم النظام كما أشيع.
إلا أن إرجاءها زيادة عن اللزوم من جانب النظام قد ينسف مصداقية أية محاولات مستقبلية يجريها النظام لاجتذاب فصائل المعارضة إلى صفوفه، وعلى العكس من ذلك، فإن التبكير بها من شأنه غرس الاقتناع لدى المعارضين بأن ما يجري على أرض الواقع هو إصلاحات حقيقية وليست مناوراتية، ومن ثم كسب المزيد منهم من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون وقوع أية ضغوطات عليه من الخارج بدعوى عدم جدية وعود الإصلاح.

السيناريو الرابع: التعلق في الهواء حتى إشعـار آخر
وينهض هذا السيناريو على أن المعارضين لديهم من الأفكار وسوابق الممارسة ما يعينهم على البقاء، ولكن المشكل بالنسبة لهم أنهم لا يعرفون طريقاً يصلون منه مجتمعين.. سواء للتخلص من سلبيات هذه السوابق أو لتحقيق تلك الأفكار، ومن ثم - طبقاً لهذا السيناريو - فإن سوابقهم في الممارسة وأفكارهم، بما طرأ عليها من مستجدات، سوف تتحول بفعل حالة الشقاق التي تعتري صفوفهم من أفعال إيجاد إلى أفعال للفوضى تكشف عن المزيد من سلبيات سوابق الممارسة، وبالقدر نفسه تسيء إلى ما في جعبتهم من أفكار، وهو ما يجعلهم، كما أمنياتهم، معلقين في الهواء – إلى حين تغير الظروف - بين الرغبة في تحقيق أهداف (أمنيات) بعينها وعدم القدرة على تحقيق هذه الأهداف.

وأيا كان الأمر، فإن السيناريوهات الأربعة سالفة الذكر ليست نصوصاً مقدسة غير قابلة للتبديل أو التحوير بقدر ما تشكل فتائل لانتساج حبل يمكن لدولة كليبيا، عانت الكثير في ماضيها وحاضرها، بواسطته التعامل مع معطيات الأحداث بصورة أكثر حذراً، وفي الوقت نفسه، صناعة مصيرها بروية ورؤية بعيداً عن التسطيح والمصادفات.

د. يوسف شاكير

www.reallibya.org


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home