Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الانتلجنسيا العـربية والمجتمع المدني
"تعـاريج عـلى تمظهرات الخلط المفاهيمي والاصطلاحي"

"إن دعاة المجتمع المدني ليسوا خياليين فهم واقعيون،
وهذا الكلام ليس نظرياً وعن بعد بل عن معرفة عميقة وقريبة" د. محي الدين اللاذقاني

منذ تسعينيات القرن المنصرم وموضوعة المجتمع المدني تحتل مساحة لا بأس بها من اهتمام الأدبيات والمؤلفات الفكرية العربية، فلقد حرصت هذه الأخيرة على تناول تلك الموضوعة من مختلف جوانبها وأبعادها المحورية والنسقية وذلك من خلال عدة زوايا ومعطيات دينامية ارتبطت في عمقها المنهجي بتوجهات إيديولوجية ومدارس فكرية متباينة ومتناقضة، أدت فيما بعد إلى أن ترصع أدبيات موضوعة المجتمع المدني بتمظهرات جدلية واستفاهمية تعلقت في صلبها التحليلي بأبجديات السؤال الماهوي للموضوعة.
فمن بين تلك التمظهرات الجدلية والاستفاهمية برز في الآونة الأخيرة النقاش الانتلجنسي الدائر حول معطيات الدلالة اللغوية لمصطلح المجتمع المدني ومدى طبيعة العلاقة التي تجمع بين ذلك المصطلح وبين مصطلحات مقاربة مثل "المجتمع السياسي والمجتمع الأهلي"، فعلى صعيد دلالة المصطلح أبدى البعض تحفضه على دلالته اللغوية واعتبروا أن لفظ مدني يحيل في اللغة العربية إلى المدينة وأنه بشيء من التجاوز فإن عبارة المجتمع المدني تكتسب في اللغة العربية معناها من مقابلها الذي هو "المجتمع البدوي"، تماماً كما فعل ابن خلدون حينما استعمل "الاجتماع الحضري" ومقابله "الاجتماع البدوي" كمفهومين إجرائيين في تحليل المجتمع العربي خلال عهده والعهود السابقة له، وبالتالي نظراً لأن القبيلة هي المكون الرئيسي في البادية العربية فإن المجتمع المدني سيصبح في هذه الحالة المقابل المختلف إلى حد التضاد للمجتمع القبلي، هذا طبعاً مع الأخذ في الاعتبار بأن اللفظ الأجنبي "CIVI"الذي نترجمه بـ"مدني"، في قولنا "مجتمع مدني"، يستبعد في الفكر الأوروبي ثلاثة معان رئيسية هي بمثابة أضداد له وهذه المعان هي "التوحش، والإجرام ـ الانتماء للجيش ـ الانتماء للدين."
وتأسيساً على ما سبق فإن مصطلح المجتمع المدني هو مصطلح تم بناؤه في الفكر الأوروبي على مجتمع متحضر لا سلطة فيه للعسكر والكنيسة الأمر الذي يجعله يتباين من الناحية المفاهيمية مع دلالته في اللغة العربية. (1) وبالإضافة للإشكالية الدلالية الآنفة برزت أيضاً على ساحة المناقشات العربية لموضوعة المجتمع المدني قضية أخرى تتعلق بماهية العلاقة التي تربط المجتمع المدني بالمجتمع السياسي وبالأخص إطاره الحزبي .
حيث دار الجدل حول ما إذا كانت الأحزاب كأطر سياسية تعد ضمن المكونات المعاصرة للمجتمع المدني أما لا؟. وللإجابة على هذا التساؤل يرى كاتب هذه السطور إنه من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الربط ما بين مفهومي المجتمع المدني والمجتمع السياسي هو ربط لا يعد وليداً للأدبيات الفكرية المعاصرة فهو في جذوره التاريخية يمتد إلى الأدبيات اليونانية القديمة وذلك عندما ربط أرسطو بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.
واعتبر المجتمع المدني كميونة سياسية وليست عقداً أو اتفاقاً وإنها تنتقل بشكل طبيعي من الأسرة إلى القرية إلى دولة المدينة وتحكمها أسس ومرتكزات الدستور والقانون وهذا الربط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي نجده واضحاً أيضاً في مطابقة أخرى أوردها الفارابي في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"(2).
إن الربط الآنف بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي كان له مبرره الذي يجد حيثياته الملمحية في بساطة المكونات التي كانت تقوم عليها كل من منظومة المجتمع المدني والمجتمع السياسي في ذلك الوقت، وبالتالي كان من المنطقي جداً مع تعقد تلك المكونات وبداية ظهور بذور تجلياتها الحديثة أن يتم إعادة النظر في منطلقات النسق الفكري الذي كان يربط بين المجتمع المدني وبين المجتمع السياسي.
فكانت البداية من خلال الأدبيات الماركسية، حيث يقول غرامشي في أحد النصوص المهمة من دفاتر السجن إن "ما نستطيع أن نفعله حتى هذه اللحظة هو تثبيت مستويين فوقيين أساسيين الأول المجتمع السياسي أو الدولة والثاني يمكن أن يدعى المجتمع المدني الذي هو مجموعة من التنظيمات"(3).
ومن خلال الأدبيات الماركسية بدأت تتبلور في الأفق الابستمولجي رؤية تحليلية ناضجة ترمي للتفرقة بين المجتمع المدني وبين الأطر السياسية الحديثة والمعاصرة .
ففي هذا السياق لاحظ عبد الغفار شكر إن "الأحزاب لا تعتبر في أدبيات القطاع غير الحكومي في الغرب من المنظمات غير الحكومية، على أساس إنها ـ يمكن أن تصل إلى الحكم في أي وقت وذلك في إطار مبدأ تداول السلطة" (4).
واعتبر أستاذ التاريخ والعلوم السياسية الأمريكي الدكتور مايكل أسس. جويس أن المجتمع المدني مجالاً مختلف تماماً عن المجال السياسي فهو يضم مختلف المؤسسات التي يعبر الأفراد من خلالها عن مصالحهم وقيمهم خارج مجال عمل الحكومة وبشكل مميز عنها (5) .
وبالإضافة لما سبق فإن تماهي سلوكيات العنف المادي والمعنوي بين بعض الأحزاب والأطراف العربية التي تحتكر مركز اتخاذ القرار السياسي وبين تلك التي تعارضها وتقف في خندق المختلف معها، هو تماهي لا يتماشى مع واحد من أهم الأركان المؤسسة للمجتمع المدني ونقصد بذلك ركن التسامح فالمجتمع المدني قائم كما نعلم على ثقافة الاعتراف بالآخر والتسامح معه، والالتزام الأخلاقي بالإرادة السلمية للاختلافات (6)
كذلك وفي خضم الخلط المفاهيمي والاصطلاحي المتعلق بتناول الإنتلجنسيا العربية لموضوعة المجتمع المدني تبرز بشكل جلي وواضح ظاهرة استخدام مصطلح المجتمع الأهلي كمرادف لمصطلح المجتمع المدني، وهو خطأ فادح باعتبار إن مصطلح المجتمع الأهلي من وجهة نظر منهاجية دقيقة لا يمكن أن يكون مرادفاً لمصطلح المجتمع المدني وذلك لاعتبارات عدة لعل أهمها أن المصطلح الأول يتضمن في مؤشراته الإجرائية مكونات لا علاقة لها إطلاقاُ بالمكونات المعاصرة للمجتمع المدني ، فعبارة المجتمع الأهلي تحيل في اللغة العربية إلى الأهل وأهل الرجل هم اقاربه وعشيرته وقومه أي أهل بلده وإذا استحضرنا كما يقوم الجابري مبدأ بضدها تتميز الأشياء فإننا لن نجد مصطلحاً مضاداً لمصطلح المجتمع الأهلي غير ضده على صعيد اللغة وهو المجتمع الأجنبي، وهذا بالطبع ليس هو المقصود في أدبيات الانتلجنسيا العربية التي تخلط بين مصطلحي المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، إن المجتمع الأهلي بذلك الفهم يحمل في طياته الحاكم والمحكوم والقاهر والمقهور والظالم والمظلوم والمعتدل والمتطرف فهؤلاء جميعاً جزء من الأهل أو من القوم أو البلد وبالتالي ومن خلال استحضار المرتكزات السامية لأطروحة المجتمع المدني فإننا سنستنبط بكل سهولة ويسر مدى عدم دقة ومنطقية ذلك الخلط المفاهيمي والاصطلاحي الذي يرادف المجتمع المدني بالمجتمع الأهلي أو العكس (7) .
عموماً يبقى ما ذكرناه آنفاً مجرد بسطة نظرية مختزلة أردنا من خلالها التعريج على جانب من مضامين محورية الخلط المفاهيمي والإصطلاحي المرتبطة بأدبيات التناول الإنتلجنسي العربي لموضوعة المجتمع المدني وهي بسطة نأمل أن تكون مقدمة لفتح ملفات عدة تتعلق بموضوعة المجتمع المدني والتي رغم كل الاهتمام الذي لاقته في الأدبيات والمؤلفات الفكرية العربية فإنها تظل في مسيس الحاجة للمزيد من الدعم الإبستمولجي البناء والهادف والقائم على متصور ذهني يربط ما بين الموضوعة وموضوعة الإصلاح السياسي والذي يرى محمد محفوظ بأنه بات الخيار الذي لابد منه وإنه بقدر ما أنه لا يمثل الحل السحري لكل أزماتنا ومشاكلنا بقدر ما أنه يعد أسلم الخيارات لواقعنا الراهن ، طبعاً محفوظ لا يتحدث إطلاقاً عن الإصلاح السياسي المؤمرك أو المدجن فكريا وإيديولوجياً.
بل يتحدث عن إصلاح جذري ينطلق من أرضية البناء السليم للذات وتصحيح مسار الآنا العربية المنتكسة (8).

عزالدين اللواج
كاتب وباحث
_______________________________________________

1. د . محمد عابد الجابري، المجتمع المدني (المعني والمفهوم)، الموقع الالكتروني لصحيفة الاتحاد الإمارتية، العدد الصادر بتاريخ 1 مارس 2005 م
2. د . فريال حسن خليفة، المجتمع المدني عند توماس هوبز وجون لوك، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2005م، ص 11 .
3. مجدي شندي ، غياب جزئي للمجتمع المدني في الوطن العربي، موقع صحيفة البيان الإمارتية، العدد 636، 25 يوليو 2003م .
4. عبد الغفار شكر، الدور التنموي والتربوي للجمعيات الأهلية والتعاونية في مصر، مكتبة الأسرة، سلسلة العلوم الإجتماعية، 2005م، ص 9- 10 .
5. مايكل أس. جويس، المواطنة في القرن الحادي والعشرين: الحكم الذاتي للفرد، بحث نشر ضمن كتاب "بناء مجتمع من الموطنين ـ المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين". تحرير دون أي. إيبرلي، ترجمة هشام عبدالله، عمان، دار الأهلية، 2003 م ، ص 60 .
6. د . عبدالرازق المضرب، المجتمع المدني ومبادئه وأهمية المنظمات غير الحكومية، الموقع الإلكتروني لصحيفة البيان الإمارتية، العدد الصادر بتاريخ 9/مارس/2005م .
7. د . محمد عابد الجابري، الواقع العربي الراهن، الكتلة التاريخية مرة أخرى، " الموقع الإلكتروني للدكتور محمد عابد الجابري " .
8. محمد محفوظ، الحرية والإصلاح في العالم العربي، بيروت، الدار العربية للعلوم، 2005م ، ص 152 -153 .


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home