Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Saturday, 6 May, 2006

بسم الله الرحمن الرحيم

في ذكرى رحيل الفنان رجب البكُّوش(*)

ولِد الفنان رجب حموده البكُّوش، رائد الحركة المسرحية، بمدينة بنغازي عام 1905م. أي قبل الاحتلال الإيطالي لليبيا بستة أعوام. وعلاقة هذا الفنان بالمسرح على وجه الخصوص، كان نتيجة تأثير كتاب (ألف ليلة وليلة)، الذي يُعتبَر من كتب التراث الأدبي، حيث كان الفنان رجب البكوش قد قرأ أجزاء من هذا الكتاب، وتأثَّر ببعض النصوص التي يحويها، ووجد أنها تصلح لأن تكون نواة لقيام حركة مسرحية. وهنا نتساءل كيف استطاع هذا الفنان أن يكِّون مسرحاً، وأن يقوم بأي دور يُسنَد إليه أو يؤلِّف أو يُخرج أي نصّ، وهو لم يدرس المسرح دراسة علمية أكاديمية بمعناها المفهوم لدينا ؟ والجواب على هذا يتلخَّص في "... أن هذا الفن -أي المسرح- لا يأتي من فراغ، فهو ككل الفنون يفرض نفسه من حيث كونه رسالة سامية لطرح قضايا الوطن، ومنبراً حراً للكلمة الهادفة البنّاءة نظراً للتلقائية التي يتمتع بها هذا الفن...". وهذا التعريف أو القول جاء على لسان الفنان رجب البكُّوش ذاته، في لقاء أُجرته معه احدى المجلات الثقافية. وهذا ما ساعد هذا الفنان في أن يعشق فن المسرح ويبدع فيه، لا سيما وأن البلاد كانت ترزح في ذلك الوقت تحت ربقة الاستعمار الإيطالي البغيض.

كانت البداية عام 1926م. حيث ضم هذا الفنان مجموعة من الشباب الذين لمس فيهم حب المسرح، بغرض تكوين نواة فرقة مسرحية بمدينة بنغازي، لتقديم أعمال فنية، بحسب الإمكانيات المتاحة لهم في ذلك الوقت، حيث اعتمد في اختيار بعض النصوص على كتاب (ألف ليلة وليلة)، كما اسلفنا القول، لإيجاد نصوص صالحة لخدمة الوطن والمسرح. ومن أهم هذه النصوص نصّ (خائن الأمانة)، وهو العمل الفني الأول الذي قدّمه في حفل خاص كان يضم بعض الأصدقاء. وبعدها أصبحت فكرة تكوين فرقة مسرحية في مدينة بنغازي هي الشغل الشاغل لهذا الفنان.

بدأ البكُّوش في تكوين (فرقة الشاطىء للتمثيل) من الشباب الذين يعشقون المسرح، وكان مقرّ هذه الفرقة شاطىء البحر بجوار المنارة (الفنار القديم) الذي يقع بجبّانة (سيدي خريبيش). وبعد ذلك قدَّم مسرحية (الراعي)، وهي مسرحية وطنية من التراث العربي، وتدين في مضمونها جرائم الاستعمار بجميع اشكاله وألوانه، لكن السلطة الإيطالية لم توافق على عرض المسرحية للجمهور. ولكن على الرغم من عدم الموافقة تلك، إلاَّ أن المسرحية قُدِّمت في عرض خاص، وذلك بمقر الفرقة. وهذه المسرحية تعتبر هي الخطوة الأولى لأساس الحركة المسرحية بمدينة بنغازي.

بعد ذلك بدأ التفكير في ترك مقر الفرقة بالكامل، حيث أصبح تواجد أعضاء الفرقة به صعباً، سيما في ظل رقابة جنود الاحتلال الإيطالي للمكان، الذي كان أصلاً قريباً من مبنى السجن القديم، والذي كان مقراً أمنياً لجنود الاحتلال. ولذا فقد نُقل مقرّ الفرقة إلى شارع بوحلفاية، حيث تم استئجار أحد المساكن المتواضعة، وعمل الجميع على تجهيزه واِعداده لكي يكون مقراً للفرقة، ولكن المواطنين من سكان الشارع رفضوا مبدأ وجود فرقة مسرحية بينهم، واستجابة لهذه الرغبة تم ترك هذا المقرّ، وبدأوا في البحث من جديد عن مقرّ آخر، حيث انتقلت الفرقة إلى شارع جعفر واستقرَّت به، وأصبح هو المكان الفعلي لها، والذي انطلقت منه الإنطلاقة الفعلية للحركة المسرحية بمدينة بنغازي. وبدأت الفرقة تعمل على إعداد بعض المسرحيات التي كان من بينها مسرحية (الشيخ ابراهيم)، وهي نصّ اجتماعي غنائي من نصوص كتاب (ألف ليلة وليلة) أيضاً، حيث قام بالتمثيل فيها الفنان علي الشعالية والفنان مصطفى المستيري، وبعض أعضاء الفرقة القدامى.

كما كانت هناك أيضاً مسرحية (الوفاء العربي)، التي تجسِّد المفهوم الحقيقي لطموحات المواطن العربي في تحقيق الوحدة العربية، وكانت أول مسرحية متكاملة، تُقدَّم للمسرح في نصّ جيِّد، يجمع بين الحركة والكلمة.

وعندما عُرِضت مسرحية (الشيخ ابراهيم) ومسرحية (الوفاء العربي) على خشبة مسرح المدرسة الثانوية للبنات ببنغازي، حضرها الحاكم الإيطالي (غراتسياني)، الذي أحسَّ بالدور الفاعل الذي سيلعبه المسرح في إذكاء الروح الوطنية ضد المستعمر الإيطالي، ولذا فقد أمر بقفل مقرّ (فرقة الشاطىء) ومعاقبة الأعضاء المنتسبين إليها، في محاولة للقضاء على (فرقة الشاطىء) وانشاء فرقة مسرحية أخرى بدلاً عنها.

ولكن هذا العمل الإستبدادي من قِبل الطاغية غراتسياني لم يُثنِ الأعضاء عن عزمهم وحبهم للعمل المسرحي، حيث بدأ الفنان رجب البكُّوش، ومن معه من الرعيل الأول من الفنانين، في جمع شمل أصدقاء الحركة المسرحية، للجهاد بالكلمة في وجه السلطات الإيطالية الحاكمة، وذلك من خلال تقديم مسرحيات (حسن البخيل) و (كأس الدماء) و (شاهد الزُّور) و (البوّاي) و (العامل) و (لمحة من الماضي) و (الصيّاد) و (الحريَّة والشهداء)... وغيرها من الأعمال المسرحية الأخرى، التي كانت كلها من اخراج الفنان رجب البكُّوش، إضافة قيامه بلعب الأدوار الرئيسة فيها.

وعند الحديث عن بدايات (المسرح الشعبي) الذي أسسه الفنان رجب البكُّوش عام 1961م. يجب ألاَّ ننسى أنه قد سبق هذا المسرح إنشاء بعض الفِرق المسرحية الأخرى، مثل (فرقة هواة التمثيل والموسيقى) و (رابطة الشباب) و (المسرح البرقاوي للتمثيل والموسيقى) الذي كان مقرّه عمارة التأمين "السِّقْرَسْيَوْنِي" بشارع عمر المختار مقابل لمقر المصرف العقاري القديم. وقد قدّمت فرقة (المسرح الشعبي) العديد من المسرحيات الوطنية والفكاهية، وأقامت الحفلات المشتَرَكة مع فرقة الإذاعة الموسيقية، حيث كانت تتخلل فصول المسرحية بعض الأغاني الوطنية والإجتماعية، إضافة إلى الأغاني الهزلية الساخرة (المنولوج) الذي كان يقوم بتأليفه وتأديته الفنان رجب البكُّوش، ومن أشهر المنولوجات أنذاك منولوج (آخر الشهر) و (أنا ليبي وأمي ليبية) و (أَوْعَىَ من شارع بوغوله)... وغيرها.

كان إنشاء (المسرح الشعبي) استمراراً للحركة المسرحية في بنغازي. وكان مقرّه مدرسة النهضة بالقرب من البحر (مدرسة توريللي)، وقد قدّم مسرحيات كثيرة منها مسرحية (مظلوم) ومسرحية (عمر المختار) ومسرحية (خطبة السِّت سعاد) ومسرحية (المطعم الحديث) ومسرحية (المدينة في شوّال)، التي كانت من المسرحيات الاجتماعية الفكاهية الهادفة.

وبعد ذلك، ولأسباب مادّية من ناحية، ولتعميم فكرة إنشاء المسارح بالبلاد من ناحية أخرى، ترك الفنان رجب البكُّوش (فرقة المسرح الشعبي) واستطاع بجهود حثيثة، مع بعض الشباب المهتم بالحركة الفنية، أن يكوِّن فرقة مسرحية جديدة هي (فرقة الشباب للتمثيل والموسيقى) وذلك بمنطقة البركة ببنغازي. وقد قدّمت هذه الفرقة عدّة مسرحيات منها: (غلطة أب)، (إله اسرائيل)، (السماسرة)، (الخطيئة)، (أعواد البطّوم).

وقد كان الفنان رجب البكُّوش متعدد المواهب، فقد كان إلى جانب موهبة التمثيل والإخراج، يقوم بتأليف الأغاني الوطنية والشعبية والاجتماعية. ومن الأغاني الوطنية أغنية (يا ليبيا ما مِن شقاء عانيتي)، ومن الأغاني العاطفية (هانَوْا بعد كانوا علىِّ غوالي) و (ظلمتوني وأنا مظلوم) التي تغنّىَ بهما الفنان الراحل محمد صدقي. كما كان رجب البكُّوش يتمتع بصوت مميَّز وحيوية طبيعية في الأداء، ما جعل منه منشداً بارعاً للأذكار والأناشيد الدينية، وذلك من خلال فعاليات الزوايا الدينية، وبخاصَّة خلال موسم عيد المولد النبوي الشريف. وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت له مواهب "فنية" أو ابداعية أخرى، تتمثَّل في صناعة (الطرابيش/الشناني)، وصناعة الفوانيس (قناديل المولد النبوي الشريف)، أمضى البكُّوش اخريات سني حياته قرب البحر –الذي أحبه- وذلك من خلال اشرافه على مصيف العائلة "جليانه" بمدينة بنغازي.

انتقل الفنان رجب البكُّوش إلى الرفيق الأعلى مساء يوم الجمعة، الموافق للسادس من شهر مايو لعام 1994م.
________________________________________________

(*) نبذة من اعـداد : ناصر رجب


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home