Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zakariya Omar Embaig


Zakariya Embaig

Saturday, 10 February, 2007

من ضوابط الأدب الإسلامي

زكريا عـمر امبيـق

إن الأدب هو الجمال لا غير، يرى الشاعر الجمال فيعبر عنه بقوافيه، ويراه الناثر فيجعل منه قصة أو رواية ، ويراه الرسّام فيجعل من ريشته أكبر تعبير عنه ، ويلوح للعاشق فينسجه آهات في دنيا الحب، أو يرسلها المتيم قبلة ليعبر عن سره العميق عن طريق الفم، أليست القبلة هي الميثاق و الوعد الصادق و النقطة المرقومة تحت باء الحب و اللحظة الأبدية التي يقتصر زمنها و تدوم حلاوتها كما قال الشاعر العظيم روستان.
ويتجلى للعابد فيهبه سجدات غالية في محاريب العبادة ، وتراه الثكلى فتمطره دموعا و عبرات على نعوش الراحلين.

لقد أوحى إليّ بما شجاني *** كما توحي القبور إلى الثكالى

ويظهر للمهاجر فيراه مرابع طفولة و مراتع شباب وأحلام عِذاب ذهبت عنه ولكنه كلما تذكرها يبسِم لها خاطره الحزين.

وطني لقيتك بعد يأسٍ *** كأني لقيت بك الشبابَ

ويفهمه المجاهد قطرات دم زكي تضوعت مسكا خرجت فداءاً للمبدأ والعقيدة.

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً *** إن الحياة عقيدة و جهادٌ

إنه جمال الطبيعة والنفس الإنسانية التي تحكم عليها أذواقنا، فلو أن ليلى محبوبة قيس مرت بأحدنا ما رأى فيها الذي استوقف قيس وجعله يرى فيها النفس الإنسانية والطبيعة كلها حتى قال:

بالله ياضبيات القاع قلن لي *** ليلاي منكن أم ليلى من البشر

يريد أن يسخِّر الطبيعة ويخالف نواميس الكون فيستنطق ضبيات الغاب لترشده إلى التي اختارها من دنيا الأذواق.

كانت هذه مقدمة عن معنى الأدب وحدّه على مذهب من نعته بأنه الجمال في صناعة البيان. أما الأدب الإسلامي فهو في نفسه الأدب بشقيه الشعر قوافيه و أوزانه ، أو النثر بديعه و وبيانه. إلا أن الشريعة وضعت له من الضوابط التي لو أطلقنا لها العنان لبسطنا القول و لطال الكلام ، ولو اختصرنا لكان الاختصار مخلا لا يأتي بالمطلوب ، فكنت فيها بين البسط و الاختصار فجاءت ثلاثة:

1- أن يكون هادفا تتألق فيه الكلمة كما تتألف النجوم الزُّهر وتثمر أطيب الثمر فيكون إمّا محرضا على حرية سلبت أو مدافعا عن حقوق الأفراد والمجتمعات من أحلاس الدنيا و تجّار الأخلاق.
2- معلوم أن الغزل معلم أساسي في أدب العرب ، يفتتحون به القصائد ويزينون به المدائح و وتزدان به معلّقاتهم ، ومع هذا لم يمنع الإسلام الغزل ولكنه قيده بأن يكون عاما لا تخصيص فيه لأسم المتغزل بها ولا ذكر فيه لأعضاء وأطراف سترها الشرع والعرف وكشفها أمثال نزار و السّياب ، ولو أن مجانين العرب من قيس إلى كُثيِّر عزَّة ما ذكروا أسماء محبوباتهم لكان غزلهم من غرّة الأدب الإسلامي.
3- ومن أهم ملامح الأدب الإسلامي أن حرية التعبير فيه وضع لها الإسلام قيوداً وفي وسعنا أن نستشف تلك القيود من حديث السفينة ، فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها فكان الذي في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا ما لك قال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم)(*) .

والحديث الشريف ـ كما نرى ـ يقيد مبدأ حرية تصرف الأفراد فيما خوّلهم الله عز و جل ويطلق لهم العنان في ذلك حتى إذا أساءوا استعمال هذه الحرية على وجه يضر بأنفسهم أو غيرهم تصدى لهم وأخذ على أيديهم وحال بينهم وبين العبث بهذه الحرية حرصا على مصلحتهم الفردية ومصلحة مجتمعهم (فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم). ويبدو من هذا الحديث أن من واجب المجتمع الإسلامي أن يصادر حرية القول والكتابة للأدباء وغيرهم إذا رأى فيها خطراً يهدد سلامة المجتمع وأمنه العقدي، أو الأخلاقي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي.
وعلى كل هذه ساقية من واحة ملأها الأدباء بالكلام عن الأدب الإسلامي وضوابطه ماأردت بها إلا الإسهام في هذا الميدان بجهدٍ المقل فاجعلوها صفحة باهتة في ذلك السفر العظيم وادعوا لصاحبها في ظهر الغيب بأن يبيض له المولى الصفحات ويغفر له الزّلات.
________________________

(*) رواه البخاري.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home