Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zakariya Omar Embaig


Zakariya Embaig

Monday, 8 January, 2007

التشجيع وأثره في بناء الشخصية الليبية

زكريا عـمر امبيـق

قال دايل كارنيجي وهو الكاتب الأثير لدي من الغربيين يصف التشجيع وأثره في بناء النفوس قائلا" (إن عبارة واحدة أو حتى كلمة واحدة مفعمة بالعطف والحنان والتشجيع، ربما غيرت مجرى حياة إنسان فدفعت به إلى النجاح وما أصدق ذلك في حيوات العظماء والنابغين).
إن دايل كارنيجي ما قال هذه الكلمات إلا أنه يعلم علم اليقين عن المسابقة التي أجريت في أمريكا وأغدقت على الفائزين فيها أغلى الأثمان بعد أن سألتهم (ما هو الشيء الذي أسرع في تقدم أمريكيا) فكانت الفائزة فتاة بعد أن أجابت (إنه التشجيع).

وأنا من قراء الكاتب القدير والعالم الجليل الذي أثرى المكتبة الإسلامية بكتب كأنها قوانين نهضة في زمن الانحدار الشيخ محمد الغزالي رحمة الله ، وفي أثناء مطالعتي لكتبه كان يردد دائما أن الذي دفع به إلى دنيا الكتابة موقف صغير، وهو أنه كتب أول مقالاته في جريدة الإخوان المسلمين تحت عنوان (الإخوان والأحزاب المصرية) ، إنه مقال متواضع كأنه مجموعة قصاصات ضمت بعضها إلى بعض ، ولكنه فوجئ بقصاصة ورق صغيرة تأتيه من الإمام الشهيد حسن البنا مكتوب عليها (لقد قراءت مقالتك فهششت لها وبششت ، أكتب وروح القدس معك) فكانت هذه الكلمات هي القنطرة التي عبر عليها الشيخ محمد الغزالي إلى عالم الفكر والكتابة.

وإذا جزت بسيارتك يوما" سفوح ويلز الخضراء فاجعل الأقدار ترميك إلى قرية من قراها الصغيرة تسمى (لامبيتر) فإن الزمان جار على عميد أدباء العراق فرماه فيها وهو لا يعرف من وجوه الزوار إلا وجهي وكم جالسته وتجاذبنا أطراف الحديث عن الأدب وتاريخه والنقد وفصوله، فرأيت فيه الشاعر والناقد الكبير الذي لا يُجارى ؛ وفي إحدى جلساتنا سألني هل أقرض الشعر فأجبته بأبيات كنت قد نظمتها في بطل العالم الشاب المسلم نسيم حميد بعد أن تكفل بأن يعيش مخيم جنين كله على نفقته أيام المحنة فما كان من الشيخ الفلسطيني الذي قدم يحث الناس على الإنفاق إلا البكاء عندما سمع الخبر ، وقد كنت أرمق الاثنين دموع الشيخ وابتسامة نسيم الذي كان إلى جانبي فقلت :

من مخبر عني جينين وأهليها
                                  بأن نسيم الخير كفاها بمن فيها
بوقفة في بيت الله نشهدها
                                  تركت دموع الشيخ تنزل من مآقيها
أحييت فينا ابن عفان وسيرته
                                  فذاك يوم العسرة وهذا يوما يضاهيها

فما أن سمعها منّي أديبنا حتى كاد أن يقفز من كرسيه وهو يقول (إن فيك عباءة شاعر) وكم سعدت بتلك الكلمات ولكنها فرحة لم تكتمل لأني كنت قد اصطحبت معي أحد أساتذة اللغة العربية من الليبيين فما كدنا نخرج حتى قال لي الأستاذ الليبي أنت تعلم أن المعركة الأدبية الآن على صفحات جريدة الأهرام لم تنتهي بين أديبنا السابق الذكر وتلامذة مدرسة العقاد عن قيمة أدب العقاد وجفاف شعره، وأن هذا الأديب الذي طرب لسماع أبياتك هو يعلم أنها لا تساوي قيمة الحبر التي كتبت به.

وليعلم القراء أنني من حين سماع هذه الكلمات لم يستقم في فمي بيت شعر واحد ، لأن غياب التشجيع ينذر بغياب النابغين وأنا اعلم أن الأديب ما قال الذي قاله من كلمات ثناء إلا أنه يريد بها التشجيع لا غير؛ وأن قيمة أبياتي كما قال الأستاذ الليبي ، ولكنه الخلق الاجتماعي الذي ما أنفك عن الليبيين، بل قل كما قال صاحب كتاب الذخيرة أنه خلق قديم قد أشتهر عند سكان شمال إفريقيا منذ قرون.

وقد يقول قائل أن النقد لابد منه لتصحيح المسار، أقول نعم ،ولولا الرافعي والعقاد ما نبغ شوقي وحافظ لأنهما يعرفان أن ورائهما نقاد كبار ينخلون كل ما تجود به قرائحهم، وأذكر أن شوقي قال كلمة في أبيات له؛ في النسيب وهي (تميل) فاحتدم العراك بين الرافعي والعقاد في مجلة الرسالة في مجموعة إعداد عن مكانة هذه الكلمة في قواميس العرب، فإذا رأى شوقي هذا العراك الأدبي عن كلمة قالها فسيأخذ حذره ويطور من نفسه ولكن النقاد تركوه في بدايته تشجيعا له حتى إذا جلس على كرسي إمارة الشعر نقدوه حتى يستقيم ذلك الكرسي الذي يجلس عليه.

هذه مقدمة كانت ضرورية عن التشجيع ليعلم كل الليبيين انه معلم أساسي لدفع عجلة التقدم على جميع المستويات، وهناك ركائز للتشجيع تضفي على المجتمع بعض معالمه نُجملها في هذه النقاط:

• الإكثار من كلمات التشجيع كا (أديب، وعالم، وشاعر، وغيرها).

• معرفة الفرق بين التشجيع والمدح المنهي عنه، و أن الثاني المقصود به كلمات تقال لأغراض دنيوية، وقد أكثر النبي عليه الصلاة السلام من كلمات التشجيع كقوله (سيد العلماء معاذ، وأقضى الأمة علي، وأصدقها لهجة (أبو ذر) وغيرها.

• الكتابة في موضوع التشجيع والتذكير به بين الحين والأخر.

• معلوم أن الاستبداد لا يحفل بالثقافة والمثقفين كما قرر الكواكبي في طبائع الاستبداد، ومن هنا لا تقيم لهم حفلات تكريم تشجيعا لهم، فكان لزاما على المؤسسات المستقلة إقامة هذه الحفلات التكريمية التي تدفع من عجلة التشجيع.

• إقامة بعض المؤسسات التعليمية الخاصة التي تعنى بالنابغين والناجحين والعناية بهم.

وأخيرا" ما أردت بهذه المقالة إلا المساهمة في إزالة هذا الخلق الاجتماعي الخطير الذي لا ينتشر في مجتمع إلا كان نتاجه مأساة أبطالها من النابغين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home