Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Zakiya Mohammed al-Tayeb
الكاتبة الليبية زكيّة محمد التايب

الجمعة 9 اكتوبر 2009

أمي... ليست ككل الأمهات

زكيّة التايب

أمسكت قلمي وأردت أن أكتب بعض الكلمات عن أمي التي رحلت عنا فوقفت عاجزة عن التعبير والتفكير وحتى عن سبب كتابتي هل هو وفاء أم رثاء هل هو مدح أم فخر ,,,, حاولت أن أجمع قواي وأكتب جزءا مما في نفسي عنها وأن أكتب عن بعض إنجازاتها العظيمة وعن بعض مواقفها التي تميزات بها عن أكثر الأمهات. بالنسبة لي ولأخواتي كنا نراها دائما متميزة ومثالية بالرغم إنها لم تتحصل على وسام الأم المثالية لأنها وببساطة أكبر وأعظم من تلك الأوسمة. كنا نراها كالشمس الساطعة التي تمد ملايين الناس بالدفء في نفس اللحظة ,,,,, كانت تحمل في داخلها أكبر مما تعنيه كلمة أم وجسدت لنا على أرض الواقع أعظم مما تتطلبه صفة الأمومة .

فلقد كانت مدرسة في الأخلاق والفضيلة والثقافة والدين وكل ما تتطلبه المثالية ,,,, فلم تكن أما تقليدية فكانت تربيتها لنا في مراحل عشناها مرحلة تلو الأخرى إذ غمرتنا بالحنان في الصغر وشغلتنا بكل ما هو مفيد في سن المراهقة وعلمتنا أن سلاح كل إنسان هو الدين والعلم ونحن في سن الشباب و رسخت في أذهاننا أن الأهداف النبيلة تحتاج إلى الكثير من التضحيات و أن المادة وسيلة للحياة ولايمكن أن نقيم بها الإنسان, كانت دائما متعطشة للتعلم فاستمدت ثقافتها من الراديو الذي كان صديقها في فترة الستينات ومن خلاله عرفت الكثير عن هذا العالم وتعلمت العديد من المهارات. كانت تكره كلمة لا أعرف لأنها تحجم من قدرة الإنسان على التفكير وكلمة لا أستطيع لأنها تحط من قدرة الإنسان على العمل وتؤمن أن الله رزقنا بطاقة غير محدودة ,,,,, كانت قليلة الكلام كثيرة الأفعال فلم تكن تؤمن بالدروس النظرية. كانت تنصح بما تفعل وترشد وتوجه بما تؤمن ودون تكلف .

علمتنا أن الصبر قوة وشجاعة وأن من يتحلى به ينال الرضا والسعادة في الدنيا والآخرة وقدمت لنا أعظم الدروس في ذلك بصبرها على الكثير من المصائب لعل كان من أعظمها سجن أختي في احداث مايو 84 وأختفائها كليا وأنعدام أخبارها عنا لمدة أربع سنوات فلم نراها خلال هذه الفترة إلا صابرة محتسبة تردد كلمات وأمثال عن الصبر بالعامية تارة, وبالفصحى، ومما حفظته من بعض الدروس التي تتابعها تارة أخرى , وكانت تردد دائما لعل في هذا الأمر خير وتحمد الله أنها سجنت لأسباب سياسية وليست لأسباب تجعلها تخجل من سجنها , حاولت في هذه الفترة أن تعوض أبنة أختي غياب أمها وتعوضنا نحن غياب الأخت الكبرى وتعوض أبي الذي كان حزينا جدا غياب الأبنة الكبرى كانت تخفي دموعها عنا وتحبس أحزانها في داخلها لتستمر الحياة ولا تؤثر بحزنها هذا على دراستنا ,,, أيوجد أكثر من ذلك ثبات وصبر وقوة.

علمتنا أن نناصر المظلوم وندعم الضعفاء ولو بكلمة وأن نعيش قضايا الأمة ورسخت في أذهاننا أن من يعيش لنفسه لا قيمة له ,,,, فجسدت كل هذه المعاني بتفاعلها مع من حولنا في مصائبهم ثم تعدت ذلك بتفاعلها وحزنها على ما يحدث في العالم العربي والإسلامي فكانت من المتابعين للنضال في الجزائر حتى إنها سمت إحدى بناتها على جميلة بوحريد تلك المناضلة الجزائرية التي يعرفها الجميع وتألمت على ما بحدث من مجازر في فلسطين , وحروب في لبنان فكانت تحزن لمصابهم وتدعو لهم بالثبات والنصر , وأذكر أنها بكت مجزرة صبرا وشتيلا حتى تخيلنا أنها فقدت قريب لها في المجزرة.

علمتنا المحبة والعطاء والإيجابية وأن يكون لنا أهدافا في الحياة فما عهدنها إلا متسامحة مع كل من حولها سباقة للعطاء المادي والمعنوي إن شعرت مجرد الشعور أن من حولها في حاجتها, لها قلب يسع الجميع , قلب له القدرة على بث الحب في العائلة والأصدقاء والجيران وللجميع فلم تكن معرفة الإنسان شرطا لديها لمحبته أو للتعاطف معه. كان هدفها أن نرتقي بالعلم فصبرت وهيأت لنا كل السبل لإتمام دراستنا الجامعية وكلما تخرجت الواحدة منا شعرت بالسعادة والفخر مما جعلنا نجتهد أكثر من أجلها ولنحقق لها الحلم الذي طالما تمنته.

علمتنا أن الوطنية حب وإنتماء وتضحية وعطاء بدون حدود أو شروط ,, فكانت تفخر دائما بجهاد أجدادها أثناء الإستعمار الإيطالي وتحدثنا عن خصالهم وأخلاقهم وتشعر بالسعادة لأنها عاصرت في طفولنها بعض منهم ,,,, ورسخت في داخلنا أن الوطن جزء من شخصيتنا وأن الغيرة عليه من الخصال البديهية وكانت تردد دائما أن الوطن أما وعرض وماضي وحاضر ومستقبل.

علمتنا أن المرأة في بيتها هي الأم والزوجة العاملة والمربية الفاضلة وهي صمام الأمان داخل البيت وهي السد المنيع الذي يحمي الأسرة من المؤثرات الخارجية , فكانت لا تهدأ ولا تستكين، تعمل طوال النهار وأحيانا جزء من الليل دون أن يؤثر ذلك على واجباتها تجاه الله عز وجل وتجاه الأخرين، وكانت تستحي ان تشتري لنا الملابس الجاهزة في العيد وهي الخياطة الماهرة فكانت تسهر الليالي لترى بسمة الرضا والفرح على شفاهنا بما صنعته لنا.

هذه هي أمي وهذا القليل من خصالها وأفعالها فلا نلام إن حزنا لرحيلها عنا ولا نلام إن شعرنا بالفراغ لفراقها , ولا نلام إن بكيناها كرمزا ومنبع للحب والعطاء. ولا نلام إن بكيناها كمصدر للدفء والقوة وقدوة في الصبر والإيجابية في الشدة والرخاء.,,,,,, ولكننا لا نقول إلا ما يرضي الله عز وجل ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) ,,,, فليرحمك الله يا أمنا الغالية, ويسكنك فسيح جناته,,, فبقدر حزني لفراقك وفخري لأنك أمي بقدر شعوري بالخجل لأنني لن أستطيع أن أكون مثلك. فأنت أم لست ككل الأمهات .

زكية محمد التائب
amfs1@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home