Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ziad al-Essawi
الكاتب الليبي زياد العيساوي


زياد العـيساوي

Sunday, 29 October, 2006

ما لا يجوز التغـني به

زياد العـيساوي

تجمهرت الحشود أمام مدخل القاعة الكُبرى ، التي ستشهد أروقتها الحفل الغنائي الكبير والمنقـطع النظير ، وبعد طول انتظار ، تمكنَ البعض منهم من الدخول إلى باحتها ، وبعد جهد وعناء ، تحصل قسم من الداخلين على مقاعد له بها ، وبعد هرج ومرج ، قبل القسم الآخر بالوقوف من دون أي اعتراض وعن طيب خاطر ، فحسبه من كل ذلك ، أنه سيتمكن من رصد هذا الحفل ورؤيته عن كثب ، ودونما أية واسطة ، فهوَّ أوفر حظاً من الذين بقيوا مصطفين بالخارج ، ولم يتسنَ لهم الدخول ، هذا إن قارن حالة بحالهم ، خصوصاً وأن مثل هذا الحدث لا يتكرر كثيراً ، على شرف ذلك المطرب المشهور ، الذائع صيته بين الفتيان والمُعبِر عن لواعجهم ، والشائع صوته بين الفتيات المعجبات به ، اللائي طالما حننَّ لرؤيته وغننَّ معه أحلى الأغنيات التي حفظنها منه وعن ظهر قلب ، وتحينَّ الفرصة للقائه المنشود ، وفيما كان الحضور يتحرق ويتلهف شوقاً لبداية الحفل ، كانت الجوقة الموسيقية التي ستُصاحب هذا الفنان المنتظر عزفاً لدى غنائه ، والمؤلفة من أربعين عازفاً ماهراً ، مشهود لهم بالكفاءة وخمسين صوتاً مُنشِداً أو يزيد ، يقفون وراء الأولين ، ويتأهبون جميعهم استعداداً لها ، وأخذ كل فرد منهم في تعديل آلته الموسيقية التي كان يتأبطها أو يحتضنها ببعض التمرينات ، للتأكد من جودة نغمتها ، وجعل الطاقم الفني، يتأكد هو الآخر مما إذا كانت الأمور الفنية والتقنية تسير وفق الخطة المُعدَّة لها ، وعلى خير ما يُرام ، كي تنقل الحفل بصوت جلي وصورة واضحة وعلى الهواء مباشرةً ، وإلى الذين يقبعون في بيوتهم وينتظرون على أحر من لهب الجمر مشاهدة هذا المطرب الملقب بفارس الأغنية ، الذي لا يُشق له غبار على شاشة المرئية وعبر أثير المسموعة ، وكانت كل هذه الأمور تجري على قدمٍ وساق ، وتَّمَ كذلك تسليط وإلقاء الأضواء الملونة والمبهرة للأبصار على المسرح ، كما وُزعت عدسات التصوير الثابتة والمحمولة ، التي كانت بحوزة الصحفيين على أركان زوايا المسرح كافةً ، لأنهم ينوون نقل هذه السهرة الغنائية بحذافيرها إلى أعين القراء ، فيكونون بذلك قد تحصلوا على سبقٍ صحفي ، سينشرونه فيما بعد في الزوايا والأعمدة والأبواب الثابتة ، التي يشرفون عليها ، والتي سيتصدرها هذا الحدث الجلل على صفحات المجلات والصحف الفنية والشبابية ، ولست أبالغ إنْ قلت حتى الاجتماعية التي تصدر يومياً وأسبوعياً وشهرياً بتغطيةٍ شاملة وموسعة ، وعلى الوجه الأكمل ، كل ذلك لكيلا يُحرم أحد من متابعة هذا المهرجان المرتقب منذ زمن طويل ، وأضحى حديث الساعة بل حتى الدقيقة والثانية كذلك ، لذا حشدت له اللجنة المشرفة عليه كل هذه الإمكانيات الهائلة التي تليق بمقامه ومقام الفنان ، رفيعي الشأن.
وبعد أن باتت الأمور الفنية في أتم جاهزية ، قام قائد الفرقة الموسيقية (المايسترو) بتحريك كلتا يديه بحركة خاطفة ، لا يعرف كينونتها إلا أعضاء فرقته ، الذين شرعوا في الحال بالعزف إيذاناً ببدء الحفل، كلاً بحسب آلته بنفخ المزامير وقرع الطبول ونقر الأوتار ، لتنصهر كل هذه النغمات الصادرة عن هذه الآلات في مقام (البياتي) الذي يتسم بطابع الفرح ، كذكاءٍ من (المايسترو) ، للتخفيف من وطأة التعب التي لقيها الحضور من تراصهم وتدافعهم قبل تمكنهم من الدخول ، ولكسر حالتي الرتابة والملل اللتين لحقتا بهم من جراء انتظار قدوم المطرب ، وبعد عزفٍ دام قُرابة نصف ساعة في تواصل مستمر ودونما انقطاع ، صمتت تلكم الآلات في لحظة واحدة ، إثر إشارة حاسمة من قائد الفرقة ، معاكسة للأولى ، إلى ذلك ، صعد نجم السهرة إلى رُكح المسرح ، وسط تصفيق وصفير وزعيق الجمهور الحاضر ، وحملقة الرابضين خلف شاشات المرئية ، كذلك إنصات المستمعين بأذان صاغية من خلال أثير المذياع ، وكما هي العادة دائماً عند لقاء نجم لامع في سماء الأغنية بمحبيه كنجمنا هذا ، تمَّ تبادل التحيات والهدايا بينه وبين جمهوره الذي قدم من كل حدب وصوب بأعداد غفيرة ، وعلى مد البصر ، كما اُلتقِطت معه الصور الفردية والثنائية والجماعية ، وبعد أن فُرِع من هذه الطقوس الاستقبالية ، حان وقت الجد ، وآن الأوان للغناء ، فعاد (المايسترو) ليُعطي إشارة البدء لتقديم أول وصلة غنائية مُدرجة لديه ، من ضمن باقة الأغنيات المبرمج لها ، والتي سيتغنى بها مطرب هذه الأمسية السَّارة ، فشرع كل عازف يعزف ما كُتب ، وينظر إليه من خلال النوتة الموسيقية الموضوعة قُبالة ناظريه ، فأنتجوا معاً جُملة موسيقية ، هي أشبه ما تكون بشذرات إيقاعية ، قدَّم المغني على وقعها موالاً نُسج على منوالٍ معتاد ، من حيث الكلمة واللحن والأداء ، ثم تخللت هذه الوصلة وقفة ضرورية ، كي تنتقل الفرقة إلى مقام آخر ، وكي تفسح مجالاً للحاضرين كي يعبروا عن مدى إعجابهم بالمطرب فما كان منهم ، إلا أنْ أمطروه بوابل من الهتاف ، وسيل من الصراخ ، بمجرد أن أدَّى مواله وتقاسيمه ، التي بدأها بآهات وأنهاها بلالات ، مجردة من أية كلمات ذات معنى ومضمون ، وبعدئذٍ عزفت الفرقة مقطـوعـة طويلة نوعاً مـا صيغـت علـى مقـام (الصبا) ذي الحزن والشجن ، وهوَّ أحد المقامات الأصيلة والمنسوبة إلى الغناء العربي الصحيح ، والغائر بجذوره في صميم ووجدان الإنسان العربي منذ القـدم ..
وها هو الفنان ، يقترب بصوته من مكبر الصوت ، ليسمع الحضور والمشاهدين والمستمعين ، ما يعتريه من مشاعر وجدانيه ، أحبَّ أن يُقدمها مغناةً بصوته الشجي ، وجاء ليصف حالة الحب التي يعيشها وتنتابه في مطلع أغنيته معبراً بها عن ذاته وعن كل متلقي لديه الإحساس عينه ، فشدَّ الجواب شداً مبحوحاً عانق وطاول عنان السماء ، وزعق زعيقاً مأساوياً يخلو من أية عاطفة كأنه زمهرير عاصفة هوجاء ، وهو يردد كلمات بصوت مُمطط ومُحبط ، بقصد وصف حالة الهيام التي يعيشها فشبهها بنشوة الخمر ، و لأنه اعتمد هذا الوصف ، لم يتذوق أغنيته سوى من ذاق قبلاً طعم هذا المنكر ، وتجرعه وجرّب نشوته ، وأصبح هذا المستثنى بسوى يتمايل على أنغامها ، ويرقص مترنحاً ، كأنه في حالة سُكرٍ إلى حد الثمالة ، لا أراكم الله مشهده فإنه يبعث على الاشمئزاز والتقزز ، أما الذي لم يعرف لهذا المنكر مذاقاً ولا تجربة ، فقد أصبح في حيرة من أمره ، وأصابه شعورٌ بالدوار والغثيان ، ثم الدوران حول نفسه ، وسوف لن اتساءل عن شعوره الذي قد يراه البعض غريباً ، لكوني أدرك تماماً السَّر الكامن وراء ذلك ، فهو حالة من الغموض قد اكتنفت هذا الوصف الشعري ، وشيءٌ من الإبهام قد لفَّه ، فكأنني بهذا الفنان ، أراد بذلك أنْ يدعوه صراحة لتناول هذا المنكر ، والعياذ بالله ، حتى يستطيع معرفة هذا الشعور العاطفي ، المقترن بذلك الوصف لحالة الُهيام التي لم يجد لها وصفاً آخراً ، حتى أصبح شراً لا بُدَّ منه ، وليس منه أي بُدّ في نتاجنا الإبداعي ، على اختلاف مشاربه وأنماطه ..
وبعد ذلك المطلع الذي استهل به أغنيته ، جاء في مذهب آخر يتأوه من فراق حبيبته ، التي شدا عن حالة الهيام التي تلازمه كلما خطرت بباله وعن أمله بلقياها ، مع أنها لم تهجر الوطن ، إلا أنه قد بوعِد بينهما كما باعد الله بين المشرق والمغرب ، ليس من حيث المسافة ما قصدته ، ولكني عنيت مدى صعوبة هذا اللقاء ، الذي ينشده ويشدو به ، لا تستغربوا ما ورد مني فليست فيه أدنى مبالغة ، لأنه بنفسه جعلني أصل إلى هذا الاعتقاد الذي اجزم به ، فقد جاء في معرض كلامه أثناء غنائه وعند ذكر حبيبته ، أنْ نعتها بلفظٍ عادة ما يتكرر في أغنياتنا وهو (المرهون) وأعُرّف هذا اللفظ لمن لا يعرف معناه ، وأذكر العارفين به ، بأنه الشخص الذي كان حبيباً لأحدهم وصار لغيره ، فكيف يسمح هذا المغني لنفسه بأن يتغنى بما لا يجوز التغني به ، أي على إنسانه أصبحت لغيره؟ و أيُّ أمل هذا الذي يحدوه؟ فهو كأمل إبليس بالجنة ، لعنه الله، والأدهى من ذلك ، أثناء غناء المطرب عن لقاء (المرهون) ، كانت أصوات (الكورال) النسائية تُطلق الزغاريد التي تُطلق استبشاراً بالخير، في هذا المقام الحزين ، فهذا تناقض ما بعده تناقض ، وليختم وصلته بها.
الخاتمة : ما أجمل الكلمة وما أروعها ، حينما تُعبر عمّا يُخالجنا من مشاعر ، وتزداد جمالاً وروعةً ، عندما يجد المتلقي أنها قد مسَّت فيه شيئاً مما يختزن في صدره من أحاسيس ، لكنه لا يستطيع البوح بها، أو التعبير عنها ، فيلج ما يقدمه مبدعونا ، علَّه يجد في إبداعاتهم ضالته ، إلا أنه قد يجد ما يضله ويجعله على غير هُدى ، ما ظلَّ الإبداع على هذه الحال ، لأنَّ فيه من الإسفاف ما فيه ، وفيه من التناقض ما فيه.

تم المقال.
الإهداء : إلى كل القراءة عبر صفحات هذه الصحيفة الغراء.

مع تحيات : زياد العـيساوي
طبعـت في : 2006.4.15
________________________

للمراسلة : ص.ب 1544 ـ البريد المركزي ـ بنغازي ـ ليبيا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home