Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ziad al-Essawi
الكاتب الليبي زياد العيساوي


زياد العـيساوي

Sunday, 19 November, 2006

يوميات كاتب مغـمور

زياد العـيساوي

مساءً شاهد مُقدمة أحد المسلسلات التي تُذاع يومياً ، وطالع الأسماء المعروضة على إتساع الشاشة فرمق بعين أسماء الفنيين ، وبالأُخرى أسماء الفنانين النُّخبة المشاركين في تأدية أدواره ، فوجد أسماً لأحدهم مُدرجاً تحت قائمة مُجسِدي أدوار البطولة ، ما دفعه بإغراء إلى متابعة مجريات هذا المسلسل وأحداثه ، وفي نهاية الحلقة ، وجد أنَّ ذلك الممثل المنعوت بالقدير ، لاُيشخص إلا دور مجرم ، يسفك الدماء ، ويُتاجر بالمحظورات ، على اختلافها ، استلقى على فراشه ، وقد أخذ منه إلإنهاك كُلَ مأخذٍ ، وكانت أخر عبارة تلفظ بها قبل أنْ يتسللَ النومُ إلى عينيه ، أنْ قال : "عجباً ـ أنْ يصبحَ شُذاذ الأفاق أبطالاً".
صاحت جرائم البطل المزعوم في أحلامه ، ففرّ النومُ ذليلاً من تحت أجفانه ، تاركاً إياه وحيداً ، يُعاني ساعات السهر المُمِلة ، ويُكابد ألام الأرق القاهرة ، إلى أنْ وثبت إلى فكره ، فكرةٌ ، تمثلت في أنْ يتصفّح إحدى الصُّحف التي جلبها إليه أحدهم ، حتى يُغالبه النُّعاس ، فقرأ نبأً ينعى وفاة أحد خِلانه القُدامى ، قد مضى زمنٌ بعيد على أخر مرةٍ جالسه فيها ، ولا تزالُ أصداءُ تلك النصيحة التي كان قد أسداها إليه يومها، تقرعُ طبلةَ أذنه، وكان خبر الوفاة مرقوناً في هذا السّياق ، المُتفق عليه ، والمسكوت عنه أيضاً : " مات فُلانٌ .. إلخ " .. لم يُلقِ بالاً لهذا النبأ ، بقدر ما أهتم بصيغة العبارة التي أنبأت به ، لسببين وحيدين وكفى، أولهما لأنه كان يعلم بسرِّ دائِه العُضال ، وثانيهما ، لكونه لم يعرف حقيقةً ، هل أنه مات بمحض إرادته؟ أم ماذا بالضبط ؟ نظراً لأنَّ لفظ ( فُلان ) وقع في الجملة موقع الفاعل ، في حين ، أنه مفعول بـه ، هـذا ولسان حاله وفكره يقولان معاً وبتناغم : " من يقبضُ الأرواحَ غير بارئها ؟ ! ". حاول من تلقائه ، أنْ يجدَ لكاتب العبارة مخرجاً له من مأزقه وزلة قلمه هذه ، وهوَّ مُمسِك بالصحيفة بكلتا يديه ، ومُستلقٍ على سريره ، بما أتاه العليم من علم وثقافة ، غير أنه قد تعذّر عليه أن يعثر له على عُذرٍ ، إلى أن باغته النوم على حين غرَّة ، فنام .
صباح اليوم التالي ، شرَّع عينيه ليجدهما تسبحان في ظلامٍ خافت ، أراد أن يتبيّن السبب ، فعرف أنه قد تلحّف وريقات الصحيفة من حيث لا يحتسب ، هبط من قمة العمارة التي يقطنها بسرعة البرق ، قفزاً و وثباً ، ليقتني العدد الأسبوعي للصحيفة التي درج على نشر كتاباته عبر صفحاتها ، وبينما كان عائداً ومُتأبطاً عدد ذلك اليوم من هذه الصحيفة ، التقى بشخصٍ هو على معرفة وطيدة به ، وله إهتمامات عديدة بالأدب والمشهد الثقافي ، ويبدو أنه قد ابتاع العدد ذاته ، وتصفّح ما دوِّن فيه من موضوعات شتى قبله ، لأنه قد أعلمه بأن ثمة شيئاً من كتاباته منشورٌ في إحدى صفحاته ، ولأنه كان يثقُ بذائقه الأدبية ، ودَّ أنْ يأخذَ رأيه بما نُشر له ، ، وكان مقالةً أدبيةً ، لكنَّ هذا الأخير ، لم يُمهله سانحةً لذلك ، وقبل حتى أنْ يهمِّ بطرح سؤاله عليه ، بادره بسؤالٍ ، جاء فيه : هل تتقاضى مبلغاً مالياً من هذه المطبوعة ، نظيرَ ما تطرحه من مواد عبر صفحاتها المتنوعة ؟.. وأردف قبل أنْ يسمعَ ردَّه : " إنْ لم يُعطوك مكافأةً فهذا مؤشر جلي على أنَّ ما تتناوله من أفكار خلالها ، لا يستحق كُلَ ذلك من حيث القيمة الأدبية " .. فأبتلع سؤاله الذي وقف في حلقه ، ولم يتمكن أصلاً من إثارته ، ورأى أنْ يُعجّل بآخر : إذاً لِمَ نشروها بظنِّك ؟!.. ومن دون أدنى تفكير ، ولا أقل تخمين ، رشقه بإجابةٍ مُوجعة ، أدّماه بها من وطأة قسوتها ، حينما علَّق مُستخفاً به : " لملأ الفراغ فحسب " .. لكأنه أراد أنْ يُحطَّ من شأنه ، أو يُقلل من قدر ما يكتبه .
تركه على سطح الأرض ، وهوَّ يكرر هذا الاستخفاف ، وعاد من حيث أتى ، إلى قمة العمارة ، إذْ أنه يسكن أعلى طابقاً فيها ، وهو يجترُّ خلفه خيبات الأمل وقبل أن يصل إلى مدخلها ، ناداه قائلاً : " اسمع يا هذا ، علامَ يضعون اسمك تحت مقالاتك ، في حين يكتبون أسماء غيرك في الأعلى " .. شاهد إعادة حلقة المسلسل نفسها ، وتابع برويّة مشاهدها جميعاً لكأنه يراها للمرة الأولى ، وخلص إلى أن الوغد قد يوسم بالشهامة أحياناً ، أقفل التلفاز مُتململاً في مقعده ، وطالع من جديد نبأَ وفاة صديقه الذي لم تمضِ على وفاته سِوى أيامُ قلائل ، ومرّت على تلك العبارة التي أسمعه إياها سنون طوال ، ومع ذلك ، فهي مازالت تحيا في ذاكرته ، وما برحت ترنُّ ذبذبات ترددها في مسامعه ، ويقرع دويُّها طبلة أُذنه : " كُن قريباً من نفسك، وأجعل لها مبدأً تضعه نُصب عينيك دائماً " .. فلما عزّ عليه فهم القصد في حينه ، أمره مُبتسِماً : بأنْ يضعَ سبابته بمحاذاة عينه ، فبدا له أنَّ كُلَ شيءٍ يقع خلفها قزماً ، وإنْ كان جبلاً قمته تناطح السحاب ، وحينما أرجعها إلى الوراء ، وعلى مد ذراعه ، أضّحت أقزم مما يتخيّل فتوصل بعد ذلك إلى حقيقةٍ مفادها : أنَّ المرء بعينه ، هو من يُضخّم الأشياء أوقاتاً ، ويحقّرها في أوقاتٍٍ أُخرى ، فكُلُ منّا ينظر إليها بزاوية النظر التي يشاء ويُحبذ .. فتذكر ذلك الشعار الذي كان قد إتخذه لنفسه بعد وصوله إلى هذه الحقيقة ساعتئذٍ : " إنْ كانت الكلمة الطيبة صدقة ، فما ظنُّكم بنصٍّ أدبيّ ؟ " .. ترحم على روح صديقه ، وعاد ليخنق القلم بين سبابته وإبهامه ، ليدر حبراً سائلاً فيخطُّ لكم به مثل هذه اليوميات ، التي أنتم الآن تقرؤونها .

مع تحيات : زياد العـيساوي
طبعت في : 2006.9.25
________________________

للمراسلة : ص.ب : ( 1544 ) ـ البريد المركزي ـ بنغازي ـ ليبيا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home