Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ziad al-Essawi
الكاتب الليبي زياد العيساوي


زياد العـيساوي

Tuesday, 14 November, 2006

هـل في الشعـر ثقافة؟

زياد العـيساوي

ظاهرة رجع الصـوت ( صداه ) هي ظاهرة فيزيائية ومعروفة لدى عامة الناس ، لكن هناك ظاهرةً اجتماعية ذكرتني بها تواً ، ولا شك أبداً في أنكم تعرفونها ، ولا يساورني أدنى ريب في أنها قد حدثت مع كل واحد منكم ، مثنى وثلاث ورباع وهيَّ ظاهرة رجع السؤال أو بالأحرى ( إرجاعه ) لأن تلك الظاهرة الطبيعية تحدث تلقائياً عند اصطدام ذبذبات الصوت بأيِّ جسم أصم ، لا يفقه ولا يعقل شيئاً ، كما تعون ، أما الثانية ، فهي نتاج فعل فاعل من الفعل ( أرّجع ) على وزن ( أفّعل ) بتشديد ( الفاء ) على أية حال ، لا أُريد الخوض في غمار هذا الشأن اللغوي بخصوص الفعل ومصدره بتوسع أكثر ، وسأكتفي في هذه العُجالة من هذه المقدمة ، بهذا التلميح المبسط والعابر .
جرت العادة ، حينما تسأل أحدهم سؤالاً،أنْ يردَّ عليك بإجابة عنه ، هذا إن كان يدركها ، و إلا فسوف يُفيدك صراحةً بأنه جاهلٌ بها ، وبذا يكون قد أضحى في حلٍّ من سؤالك ، لكن اللافت للانتباه والغريب في الأمر ، أنْ تكون الإجابة الصادرة منه متمثلةً في إعادة سؤالك إليك ، وكما تفوهت به حرفياً ، مع اختلاف طفيف يُشار إليه ، ويكمن في نوع الصوت ، أي بين صوتك وصوته ، وهوَّ اختلاف طبيعي مما لاشك فيه ، أفهـذا ما كنت تتوقعه وتنتظر منه؟ وما تعليلك لهـذه الظاهـرة؟ .. اخالك الآن ، قد أرجعت إليّ السؤال بشقيه ، لذا دعني في هذه الآونة ، أُجيبك عنه من خلال تجربتي الخاصة ، لدى تعاملي مع الكثير من الناس ، فإجابتي ستكون بالنفي عن الشق الأول ، أما عن الشق الثاني ، أي فيما يتعلق بالتعليل ، فأسبابه تتعدد ، وسأحاول في هذه الفسحة المخصصة لي من هذا المقال ، أنْ أُلخص وأُبرز لك أهمها ، في الفقرة الموالية
أذكر حين طفولتنا ، أنَّ معلمينا كانوا كلما أراد الواحد منهم شدَّ انتباه وعناية تلاميذه إليه ، وإذكاء وتأجيج الرغبة لديهم لتلقي المعلومة القيمة والمراد إيصالها إليهم ، على أكمل وجه ، يلجأ إلى هذا الأسلوب متى أحسَّ بشرود الأخيرين وانصرافهم عنه أثناء شرحه للدرس ، فيعيدهم بالتالي إلى جو الحصة ، وقد يكون الدافع وراء اللجوء إلى هذه الطريقة التي هي في جلية الأمر ظاهرة وغدت فيما بعد وسيلة للإيضاح والإقناع ، هو تشجيعاً من المعلم للطالب على طرح أي سؤال يطوف في خلده آنئذٍ ، من دون أيَّ تردد واستحياء ، فبانتزاع ذلك السؤال الحائر الذي ينتصب على طرف لسانه ، يكون المعلم قد أزاح عن ذهب الطالب حملاً تقيلاً ، فيتشجع بُعيد ذلك ، ويسأل ما بدا له من دون خجل ولا وجل ، زد على ذلك احتمال آخر يقوم على أن سؤالك بالأساس لم يأتِ في محله و لا توقيته المناسبين ، كما قد يُراد به من مُرجِعه أحياناً ، معرفة الجديد الذي ستأتي به أنت من جراء طرحك إياه ، طالما أنَّ الإجابة عنه بديهية و لا تقتضي منه إضاعة الوقت والجهد الفكري ، فهو سؤال غريب ولا أقول غبياً ، وليس ثمة أيِّ داعٍ له ، بل أنه مدعاةٌ للاندهاش ..( هكذا ) .
هذه الظاهرة ما كنت لاعرض لها بكل هذا التعبير والشرح المسهبين، لو لا أنني كنت ولا زلت في حاجة ماسة لا تناول معكم موضوعاً مهماً ، في شكل سؤال لطالما أرّقني وما برح مخيلتي ، حتى أنه عاش في مخيلتي منذ أمدٍ بعيد ، إلى أن عشعش في نسيجها ، فهاكموه : هـل في الشعـر ثـقافة؟ ما من أحدٍ يجهل إجابته بما توفر له من إطلاع، هذا ما أدركه جيداً ، كما إنني اعلم بأنَّ البعض منكم سيجيبني بالإثبات قائلاً : ( نعم ) ثم يصمت مكتفياً بهذه الإجابة الموجزة ، لكأنه يملأ نموذجاً لاستفتاء ما ، فلا خيار أمامه إلا بين كلمتين هما ( نعم ) أو ( لا ) كما أعي أيضاً ، أن البعض الآخر سيحتفظ بهذه الإجابة لنفسه ولوقت لا يكاد يذكر بسبب قصره ، لكونها منطقية ، ومن العبث السجال في صحتها ، ثم يُعقب عليها بعد أن يلتقط أنفاسه من وقع الاستغراب أو الاستهجان ، لست أدري ضبطاً ، وبعد أن كان قد استقبل سؤالي سيعيد إرساله إليّ بحرفية فائقة ، وبصورة المخاطب قائلاً : وما رأيك أنت؟ لعلك لاحظت جيداً حرف ( الواو ) الذي جاء في بدء سؤاله المُسترجَع، فكُن على يقينٍ تام، بأنه لم يجيء هكذا عبثاً ولا عبطاً، فكما تعلم هو حرف عطف ، قد يتوسط اسمين أو فعلين، وفي أحايين أخرى ، قد يفصل بين جملتين ، ثانيتهما معطوفة على الأولى ، كما ورد في سياق إجابته المتسائلة ، إذ أنَّ أولاهما قد حُذفت رأساً لكونها معلومة مسبقاً ولا غُبار عليها ( هكذا يرى ) أما الثانية ، فهي ما نطق بها ، على العموم ، وعلى اختلاف الأسباب والدوافع التي حملت البعض الثاني على إحالة السؤال إليّ ، وكنت قد لخصت وأبرزت لكم بعضاً منها أنفاً ، والتي أُرجح منها أحد السببين الأخيرين كدافع إلى ذلك، وأجد أن، من الضرورة تذكيركم بهما مجدداً ، منعاً لرجوعكم إلى الفقرة الفائتة ، فيصيبكم الملل ، وحفاظاً مني على نسق السرد من التفكك والخلل ، ومخافة ضياع لُبّ الموضوع ، فقد يكون باعثه ، هو محاولة منه لإشعاري أدبياً ، بأن سؤالي يبعث على الدهشة ، لأنه لم يكُن في موضعه المناسب ، ولأن الإجابة عنه لا تستلزم منه إهدار وقته الثمين ، إذا دخل معي في معترك سجال عقيم سوف لن يولّد مخاضه العسير أية نتيجة ذات فائدة ملموسة ، فهو في غنى عن كل ذلك ، ولأنها إجابة من البداهة بمكان ، للحد الذي جعله يختزنها في قراره نفسه لغاية ما يُخفيها ، وأدركها تمام الإدراك ، من خلال تجارب ودروس كثيرة قد مررت بها على حداثة سني ، فقد أراد أن يسألني بصريح العبارة بعد أن أجابني : نعـم هـو كذلك.. وما الجديد الذي ستـتـفضل به في هـذا الصدد؟ هكذا استطعت أنْ أُحلل سؤاله ، وأتعمق في جوهره عميقاً ، وهكذا تمكنت من أُخرج سؤالي إلى النور ، وانفض عنه غبار سنين طوال ، وهو ماكث في خاطري ، وقدمته لكم أكثر لمعاناً ، وعلى طبق من فضة ، لا تناوله و إياكم ، وقام بعضكم بإرجاعه إليّ ،وهو لايعلم بأن هذا ما قد سعيتُ ورميتُ إليه أصلاً، لذا سوف لن أُعيده إليه ، إلا مجاباً عنه وبمنظوري الخاص ، فيما تبقى من مقالي هذا ، ولكل منا الرأي الذي يرتأيه .
أرى فيما أرى ، أن الثقافة في تعريفها هي حوصلة المعرفة ، التي يكتسبها المثقف وقدرٌ من الإلمام بشتى مجالات الحياة ، العلمية منها والأدبية ، فيطوّع ما اكتسبه من خبرة ويسخره لأجل منفعة الخلق ، وأجد أنَّ الشعر في حقيقته ، ما هو إلا ضربٌ من ضروب الفن ، ودليلي الدامغ الذي استشهد به على ذلك ،هو أن هناك عدداً وافراً من الشعراء يستطيع كتابته في شكل قصائد لها تشطيرات وتفعيلات خاصة لأجل أن تُغنى ، فكما تعلم أن الغناء هو من ألوان الفنون المعروفة ، كالرسم بأنماطه والنحت بكل أشكاله والموسيقى بتنوع مذاهبها ومقاماتها ، وما إلى ذلك من ألوان الفنون الأخرى ، فالشعر هو فيضٌ دافق من المشاعر التي تخصُّ كاتبها ( الشاعر ) الذي يعيشها فيصيغها بحلوها ومرها شعراً على اختلاف مشاربه ، مقفى كان أو حراً ، فما الثقافة التي سيجنيها المتتبع للشعر ، حالما يقرأ في بعض القصائد كلمات لا تعنيه بصلة ، وإنما تعني الشاعر في المقام الأول ، كأن يقرأ البيت التالي : نقّل فؤادك حيث شئت من الهـوى .. فما الحب إلا للحبيب الأوّل؟ فهل هو قول منزل من السماء ومسلم به ، حتى أن البعض يتحجج ويُحاجج به غيره ؟ فهو مجرد كلام يقبل الأخذ والعطاء ، كما مضمون هذا المقال ، لذا سيستفزني أحدهم ويستفسرني بقوله : إذاً ما هو تعليلك لتصدر الشعر صفحات الملاحق الثقافية بالصحف السيّارة ؟ وإنْ كان الشعر فناً كما تدّعي ، لماذا نجدهم يكتبون على غلاف أية مجلة وتحت اسمها مباشرةً العبارة الآتيــة : ( مجلة فنية ـ ثقافية ـ شاملة ) ومع ذلك ، نجدهم يخصصون لكل مجال منها باباً على حدة ، ونرى أن الشعر يُنشر في مقدمة صفحات باب الثقافة ، ولا ينضوي تحت زاوية الفنون ؟ إياك أن تظنَّ بأنك قد ربحت الجولة بهذا الكم من الأسئلة التي تطرحها ، فسوف أُعاملك بالمثل وأتحداك قائلاً : لئن أردتني أن أُجيبك عن أسئلتك فعليك أنْ تُجيبني أنت أولاً عن هذا السؤال : لِمَ في تصورك ، يُذيّلون في أول صفحة من هذه المجلات التي تتحدث عنها العبارة التالية : ( المواد المنشورة لا تُعبر بالضرورة عن سياسة المجلة ورؤيتها ) في حين ، نجدهم يقومون بإرجاع المواد إلى أصحابها ، وهذا في أحسن الأحوال ، لأنهم في أحيان أخرى يهملونها ، يعيدونها بطريقة مفبركة على الرغم من أنَّ هذه المواد قد كُتبت بأساليب محبكة وبجمل مسبوكة ولا تشوبها أية شائبة ، وتتوافر فيها كل مقومات النص الأدبي الناجح ، بحجة أنها ستؤلب عليهم الرأي العام ، فيا عزيزي ، لا تعتد بمثل هذه الشكليات التي ذكرتها ودعك منها ،وذرني الآن ، اكتفي بهذا القدر ، فربما لاحظت بنفسك أننا دخلنا في سجال عقيم ، لم يُفضِ إلى نتيجة ، بخصوص سؤال تفرعت من أسئلة كثيرة ، وتشعبت منه استفسارات عديدة، وصرنا فقط نتراشق بالأسئلة ، في شكل إجابات متسائلة وغير مجدية نفعاً ، وبات كل واحد منا يُريد أن يُغلّب رأيه على الآخر ، لذا سأعود عن طرح ذلك السؤال ، وأُعيده إلى مخيلتي ، وتذكر فقط بأنني في يوم ما قد طرحته عليك ، وذا يكفيني .

مـع تحياتـي : زياد العـيساوي
بـنـغـازي فـي : 2. 6 . 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home