Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ziad al-Essawi
الكاتب الليبي زياد العيساوي


زياد العـيساوي

Thursday, 12 October, 2006

قراءة الأفكار

زياد العـيساوي

منذ نعومة أظفاري ، كنت شديد الوله بممارسة لعبة الشطرنج ، لما فيها من متعة وإثـارة وتشويـق ، ولما لها من خصائص و مميزات تُميزها من سائر الألعاب الأخرى ، كذلك لكونها لا تخضع لعامل الحــظ ، فالفائز في هذه اللعبة فائزٌ بجدارة ، ويرجع فوزه لرجاحة عقله ولحصافة رأيه ولنقلاته المناسبة والموفقة، التي تأتي تبعاً لنقلات نده ، التي تجيء أحياناً في غير محلها ولا توقيتها المناسبين ، فلا يضع الأخير عبء هزيمته على حظه العاثر ، ولا على عدم كفاءة ونزاهة حكم اللقاء ، وليس ثمة شماعة للفشل في هذه اللعبة ، كي يُعلق عليها المهزوم أسباب هزيمته النكراء ، فالكل براء منها ، ولا يُلام أحد سواه ، إن هو لم يُفلح في كسب نتيجة المباراة ، ومن خصائص هذه اللعبة أيضاً أنها لا تتطلب منا جهداً بديناً مضنياً ، ولا تقتصر ممارستها على ضخام الأبدان ، لأنها لعبة تتنافس فيها أفكار لاعبين ، وليست عضلاتهم ، كما أنها لا تكلفنا ما تكلفنا به الألعاب الرياضية الأخرى ، من إقامة معسكرات تدريبية قد تكون خارج الوطن ، وما يترتب عليها من دفع رواتب مالية طائلة للمدرب ولبقية أعضاء الطاقم المشرف على إعداد وتجهيز الفريق..
هي لعبة عادلة ، يتبادل فيها الخصمان النقلات ، نقلة بنقلة ، ومثلما هي عادلة في حيثياتها ، فنتيجتها تكون عادلة أيضاً ، فلم يسبق أن سمعنا عن أحدٍ من ممارسيها ، أنه قد أحتج مرةً على هزيمته ، أما ميدان هذه اللعبة فهو محدود جداً ومحصور في رقعة صغيرة ، مقسم عليها عدد أربعة وستون مربعاً ، تتحرك عليها إثنتان وثلاثون قطعة ، لكل لاعب منهما الحق في إمتلاك ست عشر قطعة منها ، تكون تحت إمرته وطوع بنانه ،واللاعب المتمرس والمتمكن منها هو من يُجيد ويُحسن قراءة أفكار اللاعب الأخر ، الذي يجلس على الجهة المقابلة له من الرقعة ، لأن نقلة كل منهما تجيء كرد فعل على نقلة الأخر ، وكل نقلة هي بالأساس عبارة عن فكرة ، يترجمها اللاعب إلى حركة ، فنرى تلك القطع الجامدة ونحن مشدوهين إليها ، تتحرك بنقلات رشيقة ووثابة ، وكيفما يحلو للاعب تحريكها ، وحسب وظائفها ، افقياً أو عمودياً أو وترياً ، وعليه فقط أن يجعل من نقلاته نقلاتٍ مدروسة ومحسوبة ، لتحقق له الهدف المرجو منها ، ألا وهوَّ حسم نتيجة اللقاء لصالحه..
وقراءة أفكار الأخر ، ليست تكهنات تحتمل الصواب والخطأ ، بل تُفترض أن تكون قراءت صائبة وموضوعية ، لما يدور في ذهن اللاعب الأخر من أفكار ، لأن من يُخطيء تقديرها سيكلفه ذلك ثمناً باهظاّ ، قد يُصيبه في مقتل ، ثم يكون من الخاسرين ، لأنه وعلى الرغم من إزدحام التوقعات ، في معرفة ما يدور في مخيلة الأخر من خطط وأفكار ، بسبب الأدوات التي بحوزته، وهي عدد كبير من القطع ، كنا قد أشرنا إليه في المقدمة ، على اللاعب المقتدر والمتمكن ، أن يضع كل إحتمالات بخصوص القطعة التي سيقع عليها أختيار الأخر ويقوم بتحريكها ، فكما أوضحنا آنفاً أن كل قطعة تُعد مشروع حركة ، كانت بالأساس فكرة تجول في خُلده ، لذا يتوجب عليه إذا أراد الوصول إلى مبتغاه ، أن يُعد العدة مسبقاً ، بحيث يجعل من نقلته القادمة حاضرة ، فيباغت بها الأخر ، ويُفسد عليه خطته ، ما يجعل الأخير يعود لإستجماع قواه من جديد ، فتتاح الفرصة للاعب المتمكن الذي أصابت قراءته وصدق حدسه ، للقيام بنقلات نوعية ، فيتنقل بها من موقع المدافع المستميت إلى موقع أخر ، وهو موقع المهاجم المتقدم والمباغت ، فتخر بذلك قوى الأخر بعد أن حاول جاهداً ومن دون جدوى إستجماعها ..
إذاً لعبة الشطرنج في تعريفها ، هي لعبة تعتمد أساساً على معرفة ما يدور في عقل الأخر من أفكار يًخفيها عنا ، وهي لعبة تتبارى فيها أفكار لاعبين ، أدواتهما هي قطع مجسمه ساكنة ، لا تتحرك إلا بإيعازٍ هو في حقيقة الأمر ، إستجابة وترجمة فورية لأفكارهما ، التي تتلاقى على ذلك الميدان الصغير ذي الأربعة والستين مربعاً ،ما يعرف لدى البعض بالرقعة الشطرنجية ، فيدور على رحاها ما يدور في ذهنيهما من خطط فتتشابك أفكارهما ، ومن أصابت قراءته و فراسته كانت الغلبة له، ومن لم تسعفه قراءته وخانه تقديره للأمور ، كانت الهزيمة من نصيبه ، وعليه ألا يندب حظه السييء .. هذه هي حيثيات لعبة الشطرنج ، وهذه هي أساليبها وخلفياتها..
لعلَّ البعض قد لا تستهويه كثيراً ممارسة هذه اللعبة ، لذا سنترك ساحتها لنذهب إلى ساحة أخرى ، ولكن ليس ببعيد عنها وشكل دائماً في صلب الموضوع ( قراءة الأفكار ) هذه القراءة الفريدة من نوعها ، التي لا يوجد مركز علمي قد أُعد لتدريسها سوى مدرسة واحدة ، وهي مدرسة الحياة ، التي نحياها وما يجري على ساحتها من صراع تقليدي بين الخير والشر ، هذا الصراع الفكري في مضمونه الذي ما أنفك دوماً يحدث بين الناس ، فإذا عرف خيارهم كيفية الوصول إلى ما يدور في أذهان شرارهم من أفكار ، ناتجة عما يضمرونه في عقولهم الباطنة من نيات سيئة ، تجعلهم يحيكون الدسائس في الخفاء ، للوصول إلى مرادهم ، مهما كانت الوسيلة ، فالغاية تبرر لهم الوسيلة ، هكذا هي قناعاتهم ، وأيَّةُ غاية هي غايتهم هذه، غير الإساءة بجميع أنواعها ؟ .. وأيَّةُ وسيلة هي التي سيتبعونها ، فوسائلهم كثيرة ، ذلك لأنهم سوف لن يراعوا دين و لا ذمة في تنافسهم غير الشريف؟..
إذا تصورنا هذا التنافس بين الخير والشر ، في شكل لقاء شطرنجي يدور بين لاعبين ، أولهما يمثل دور الخير ويمتلك القطع ذوات اللون الأبيض ، وثانيهما يمتلك القطع ذوات اللون الأسود ، ليمثل بها دور الشر ، لأن هناك من يرى في اللون الأبيض رمزاً للخير ، وفي اللون الأسود رمزاً لنقيضه، وهو الشر، على أية حال ، لا يزيد أن نخوض في غمار هذا الأمر كثيراً بشأن مدلولات الألوان ، لأن الرؤى قد تختلف من شخص لأخر بهذا الصدد ،ولنعُد الأن إلى ما تصورناه ، ولنرَ كيف سيتمكن اللاعب الأول من الثاني ، وسنكون نحن بلا ريب في جانب نصرة الأول ، لأنه يمثل دور الخير ، ونصره سيكون نصراً مؤزراً وما هو إلا تحصيل حاصل ، وليس محض إفتراض ، فعلى الرغم من أن الثاني له وسائل كثيرة ما يعني أن قطعه ستكون أكثر من قطع الأول ، أي أن القطع السوداء ستكون أكثر عدداً وانتشاراً على الرقعة ، إلا أنه سيُهزم إذا ما صححت قراءة الأول لأفكاره ، وسوف يصرعه ويتمكن منه بنقلات معدودة وفي وقت قصير جداً وقياسي ، ورُبَّ قاريء يسألنا : كيف سيتسنى ذلك للاعب الأول؟.. وتتلخص إجابتنا ، في أن الشر كله واحد، في وسائله وغاياته ، وكل أفكار اللاعب الثاني التي سوف يترجمها بنقلات، باتت مبتذلة ومعروفة ، وهي من التكرار ، بحيث يسهل على الأول معرفتها ، لذا سوف يُعد لها ما يناسبها من نقلات ، تجيء منه كرد فعل عليها وبشكل مسبق ، ثم لأنه قد حظيّ بأسبقية اللعب لكونه يمتلك ، القطع البيضاء وستكون نقلته الأولى هي عمل الخير ، ليجـس بها نبض اللاعب الثاني ، وإن لم يرد الأخير بمثلها ، أي بنقلة خيَّرة ، فسوف يكشف عنه النقاب ، ولو أنه رد عليها بعمل شرير ، فسيحتاط الأول منه ، لأن الأول لاعب صعب المراس ، ويتمتع بخبرة طويلة في ساحة هذه الحياة ، وقد مرّ عليه الكثير ممَّن هم على شاكلة الثاني ، وعرف كيف يتعامل معهم ، وكيف يجعلهم ينقلبون على أعقابهم مدحورين ، فقط بتشخيص نياتهم المريضة ، بواسطة قراءة ما يدور في أذهانهم من أفكار سوداء ، كسواد لون القطع التي يلعبون بها.

تم المقال.

الإهداء : إلى كل من يهوى القراءة.

مع تحيات : زياد العـيساوي
طبعت في : 2005.7.24
________________________

الهوايات :
كتابة الشعر ـ كتابة المقالات النقدية والاجتماعية والفنية ـ تأليف كلمات الأغاني ـ تبادل الأفكار والآراء والهدايا والصور وتبادل كل ما هو جميل ـ التعارف ـ المراسلة الجادة.
للمراسلة : ص.ب : ( 1544 ) ـ البريد المركزي ـ بنغازي ـ ليبيا .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home