Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ziad al-Essawi
الكاتب الليبي زياد العيساوي


زياد العـيساوي

Thursday, 2 November, 2006

الوجه الآخر للإنسان

زياد العـيساوي

الوجه الآخر للقمر لا نراه ، فصورته تبدو لنا واضحة وثابتة ، حتى حين اكتمال استدارته في نصف الشهر القمري ، فهو يقبع هنالك خلف الوجه المنظور منه ، ومرجعية ذلك عائدة إلى أنَّ زمن دوران القمر حول نفسه مساوٍ لزمن دورانه حول الأرض ، التي نحيا عليها ونقف على سطحها بزاوية النظر إليه ، فهذا هو التفسير لهذا المانع ، من حيثُ الناحية العلمية .
أما الشمس فتبدو لنا غير واضحة المعالم ، فما هي إلا نجمٌ يتوهج إشعاعاً ، بالكاد نستطيع النظر إليه بالعين المجردة ، فقط لثوانٍ معدودة ، بفعل التفاعلات والانشطارات النووية التي تحدث في جوفها ، فالنظر إليها يُبهر الأبصار ويُصيبها بشيءٍ من الغشاوة ، بل أن مؤداه إلى العمى ( عافاكم الله ) إن أطلنا النظر إليها ، لاسيما في ساعات الذروة ، ومع ذلك لا يستطيع أحد منا أن ينكر ما للشمس من أهمية في رؤية الأشياء التي تُحيط بنا ، فهي لا تتيح لنا فرصة النظر إليها ، بقدر ما تساعدنا على رؤية الأشياء التي تبدو من حولنا ، ومن بينها وجه الإنسان .
فالإنسان ليس له إلا وجهٌ واحدٌ مرئي وواضحُ الملامح ، ويمكننا النظر إليه ورؤيته من جميع زوايا الرؤية ومن جوانبه كافةً ، وعن كثب ، فكل جوانبه تبدو لنا ظاهرة للعيان وغير مخفيّة لكل من أراد النظر إليها بالعين المجردة ، فإذا كان وجه الإنسان بكل هذا الوضوح والجلاء ، السؤال هو : ما لنا لا نكتشف أغواره ومواطن الجمال التي تتربع على مساحته المحدودة ؟ .
ونحن إذ نطرح هذا السؤال ، لسنا نطمح إلى إجابةٍ عنه تأتينا من أيٍّ كان ، بل أن ثمة أمراً مهماً هو من دفعنا إلى ذلك ، ويتمثل في عبارة ما فتيء يسمعها كل منا ، حينما يقع في مشادة كلامية مع شخص آخر فيخاطبه الأخير قائلاً : ( إنك لا تعرفني جيداً وسأُريك وجهي الآخر ) يُسمعك هذه العبارة وهو يتوعدك لدرء الخطر الذي يزعم أنه سيأتيه منك ، ولكي يمحو ذلك الانطباع الذي تمخض في مخيلتك بشأن رأيك به من كونه إنساناً سهل المنال ، فهذه العبارة في حقيقتها ما هي إلا مناورةٌ منه ، وجد فيها خير وسيلة ليجعلك تحذر جانبه وألا تستهين به وبذا تكون قد أقمت له شأناً واعتباراً ، وبُعيد ذلك سُرعان ما سوف ترى منه العجب العُجاب ، حينما يُقابلك بتصرفات لم تتوقع في يوم من الأيام أن تصدر منه ، للحد الذي يجعلك تتساءل في قرارة نفسك : هل هو الشخص الذي أعرفه أم أنه شخص آخر شبيه به ؟ ذلك أنك لا تزال تراه بوجهه المعتاد ، على الرغم من إنه قد توعدك بأنه سوف يُظهر لك وجهه الآخر ، ثم لا تلبث أن تُجيب نفسك بنفسك ، عن ذلك السؤال الذي قد جال في خاطرك بتساؤلٍ آخر يُخامرك شك فيه ، عندما تتساءل : أتُراه كان يقصد بوجهه الآخر الأسلوب الذي قد فاجأني به ؟ ثم لا تلبث أن تجزم بذلك ، بعد أنْ تصل بتفكيرك إلى أنه كان يعني بالوجه الآخر الجانب السيئ والمظلم من شخصيته .
لكن الغريب في الأمر والجدير بالذكر في آنٍ واحد ، أنَّ هذه العبارة لا تجيء على لسان أحد ، إلا عندما يُريد أنْ يُكشر عن أنيابه ، ولا تسمعها للغرض المعاكس وهو تبيين الجانب الجيد والمضيء لشخصية أخرى ، كنت قد أخذت عنها انطباعاً يُخالف انطباعك عن شخصية الأول ، فبمجرد أنْ تتناهى إلى مسامعك تلك العبارة ـ تتوخى الحيطة والحذر من قائلها بشكلٍ تلقائي ، لكونها تحمل في طياتها تهديداً ووعيداً شديدي اللهجة ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه : هل حقيقةً أنَّ الوجه الآخر لأيٍّ كان في الغالب سيىء ومظلم ؟ للإجابة عن هذا السؤال ، سنجد إننا مضطرون للعودة بكم إلى ما ورد في مقدمة المقال لا محالة ، أي إلي الأجرام السماوية الثلاثة ، وهي الشمس والقمر والأرض وما يجرى حين دوران الأخيرين حول الأول ، فأثناء دوران القمر حول الأرض ودورانهما معاً حول الشمس ، يحدث بين فترات متباعدة أن يقع الثلاثة على خط أو استقامة واحدة في حالتين كل واحدة منهما لها نوعان ، فإن حدث أن وقع القمر بينهما ، تُعرف هذه الحالة لدينا بظاهرة ( كسوف الشمس ) حيث يحجب القمر عن الأرض قرص الشمس ، ما يعنى بالتالي عدم وصول أشعة الشمس إلينا ، ما من شأنه أن يجعل الأرض تسبح في بحر من الظلام لوقت قصير ، ثم لا يلبث أن ينجلي ويتبدد ذلك الظلام ، الذي هو في حقيقته ، ظل القمر الساقط على سطح الأرض ، فيظهر النور من جديد ، كأن شيئاً لم يكُن ، هذه هي ظاهرة كسوف الشمس وهذه هي حيثياتها أما عن نوعيها فهما الكسوف الكلي والحلقى ، وبالنسبة للحالة الثانية ، تحدث عندما تقع الأرض بين الشمس والقمر ، وتُعرف بخسوف القمر عندما يتساقط ظل الأرض على سطح القمر ، فيكاد يختفي عن الأنظار لأنها قد حجبت عنه أشعة الشمس ، كما فعل ويفعل هو في الحالة الأولى ( كسوف الشمس ) وكما ذكرنا فإن لظاهرة خسوف القمر نوعين هما الخسوف الجزئي والخسوف الكلي ، بقي لنا في هذه الفقرة الإشارة إلى أن من أطلق هاتين التسميتين على هاتين الظاهرتين الفلكيتين ، من يقف ناظراً إلى القمر والشمس من موقع بعيد عنهما ، وهو الإنسان الذي يقف على سطح الأرض ، والذي غاب عنه أنه سيكون لهاتين التسميتين مصطلحان آخران ، فيما لو كان هناك من يقف على سطح القمر بزاوية النظر إلى الأرض والشمس ، فكسوف الشمس بالنسبة للإنسان هو في حقيقته خسوف الأرض ، وبالمثل فإن خسوف القمر هو كسوف الشمس ولأن لا حياة على سطح القمر ، فبإمكانكم أن تسألوا رائد الفضاء لتتحروا هاتين الحقيقتين ، على أية حال ، فإن ما يهمنا في هذا الأمر ، أن ظاهرة كسوف الشمس التي نراها ، يحدث فيها أمر غريب ، وهو أن وجه القمر الذي يتراءى لنا بصورة ثابتة على الدوام وبشكل مضيء ، سيتراءى لنا أثناء ذلك مظلماً في حين أن وجهه الآخر الذي لا نراه هو الذي سيكون مضيئاً ، لأنه مازال يقبع خلف الوجه المرئي ، ما يجعله يواجه قرص الشمس في الناحية الأخرى ، حتى إن كان مشهده غائباً عنا ، ما معناه أن القمر يستثمر حدوث هذه الظاهرة الفلكية ، كي يرسم في انطباعنا صورة جيدة لوجهه الآخر ، على النقيض من الإنسان الذي ما أنفك دوماً يجعل وجهه الآخر مظلماً وقاتم السواد بتلك العبارة التي يتلفظ بها متبجحاً .
فياليت كل إنسان يجعل وجهه الآخر والظاهر ، منيرين دائماً مثلما يفعل القمر الذي اعتدنا أن نرى وجهه الظاهر منيراً وإن بدا لنا مظلماً يُنير وجهه الآخر ، فسبحان الله أنْ أبدع ذلك .

مع تحيات : زياد العـيساوي
طبعـت في : 2005.11.23
________________________

للمراسلة : ص.ب 1544 ـ البريد المركزي ـ بنغازي ـ ليبيا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home