Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Younis al-Hammali Benena
الكاتب الليبي يونس الهمالي بنينه

الخميس 11 فبراير 2010

بمناسبة الذكرى الـ 47 للزلزال

 الذي كاد أن يقضي على مدينة المرج في عام 1963م

 

المدينـة الـتي ماتت

ترجمة وتقديم : يونس الهمالي بنينه 

صورة للصفحتين 16 و 17 من مجلة الجندي البريطانية،

 وصورتان أخريان من مكتبتي الخاصة نشرتهما في آخر المقالة

  

 

الغلاف :

مجلة الجندي البريطانية – أبريل 1963 )السعر شلن واحد(

SOLDIER – April 1963 * One Shilling

 

 

داخل المجلة :

الصفحتان 16 و 17 مؤطرتان بإطار أسود عريض يدل على الحدث المأساوي لمدينة المرج،

يتوسط الإطار عنوان بالخط العريض كالتالي:

 

بين أنقاض الدمار الكامل ... يقوم الجنود البريطانيون بالبحث عن الأحياء في ...

 

المدينـة الـتي ماتت

 

 

الترجمة :

تساقطت قطرات الأمطار الغزيرة من وريقات أشجار اللوز المزهرة، ودوت قرقعاتها على سطوح تلك البيوت العربية البالية المتهلهلة ، بينما كانت النساء يقمن باعداد وجبة الإفطار في أحد أيام شهر رمضان. كانت عقارب ساعة المدينة تشير إلى الساعة  7.18 مساءً، ثم.... وبدون إنذار... زلزلت الأرض زلزالها – فارتعشت تلك المدينة الليبية الزراعية التاريخية رعشات الموت.

انهارت المرج وكأنها مدينة صُنِّعت من ورق اللعب1 عاجزة عن الوقوف ضد تلك الهزات الأرضية العنيفة، فانسحقت مئات من العائلات تحت الأنقاض، وكثير منها وجدت نفسها محاصرة اختنقت انفاسها تحت وابل من الصخور المتهاوية. أما أولئك الذين تمكنوا من النجاة بأنفسهم فقد هربوا بخطى متعثرة مرتبكة، يركضون كالعميان لا يرون ما أمامهم، فقط  ليفتحوا لأنفسهم طريقاً هرباً من هذا الدمار.

يالها من طبيعة قاسية، فقد اختارت أسوأ الأوقات على الإطلاق، حيث كان أغلب سكان (المرج2) Barc داخل بيوتهم وقت الزلزال ينتظرون أذان الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، عندما ضرب الزلزال المدينة، فجعل من كل بيت كومة من الدمار دفنت تحتها عائلات بكاملها.

خلال دقائق معدودة أصبح أكثر من نصف سكان مدينة المرج الذين يبلغ عددهم 17,000 نسمة بدون مأوى. فقط المباني الحكومية الحديثة والكنيسة تمسكت بقواها وظلت واقفة، وحتى هذه تصدّعت بشكل كبير.

بعد ساعتين من الهزة الأولى وصل الجنود البريطانيون ملبيين النداء بعد سماعهم طلب النجدة، فغادروا بنغازي التي تبعد حوالي 60 ميلاً من مدينة المرج للمساعدة في عمليات الإنقاذ.

كان أول من وصل إلى المكان هم جنود السرية (ج) التابعة للكتيبة الأولى (فوج ديفونشاير ودورسيت Devonshire & Dorset). حيث وصلوا إلى المدينة المنكوبة في الظلام الدامس يواجهون رخات المطر العنيفة والعواصف الشديدة. انقسموا إلى فرق بحث، كل فرقة يتكون أفرادها من أربعة أو خمسة رجال.

 باشر الجنود في أداء مهمتهم المروّعة باخراج الجرحى والموتى من تحت الأنقاض بمساعدة أضواء مركباتهم ذات حمولة الربع طن، فكانوا يستخدمون البالات والفؤوس بين صرخات وتأوهات النساء اللاتي كن يبحثن عن أطفالهن وأزواجهن.

تم نصب مستشفى ميداني اضطراري خارج المدينة، حيث يتواجد هناك فريق من ثلاثة أطباء عسكريين تابعين للقوات الملكية، وبعض من المصابين الذين تم نقلهم فيما بعد إلى المستشفى العسكري البريطاني في بنغازي. أمّا "النموس" وهم فرسان الكشافة الملكية الرابعة عشرة وكذلك العشرون فقد وصلوا إلى المدينة بسرعة، وبدأت مركبات الفصائل المستقلة 43 ومركبات فيالق الخدمات العسكرية الملكية في عملها المتواصل في رحلات مكوكية متواصلة ، تجوب الطريق بين المدينة والمطار لجلب الإمدادات.

أيضاً، تم إقامة مركز للحالات المستعجلة في بنغازي للتنسيق بين مراكز الأسعاف البريطانية والأمريكية والليبية،  وباشرت فرقة الإشارة 245 بتنسيق عمليات الإتصال بين المركز ومدينة المرج.

وكانت المدينة التي ترزح تحت الأنقاض في حاجة ماسة إلى البطاطين والخيام والأمدادات الطبية، والأغذية والكهرباء ورجال الإنقاذ، وعليه قامت القوات البريطانية بعد خمسة ساعات فقط من استلام اشارة طلب النجدة بتوصيل 2000 بطانية ونقالات (باريلات) وخيام وأواني الطبخ.

بانقشاع الظلام وتسلل أولى خيوط الفجر، اتضحت معالم الأضرار التي أصابت هذه المدينة المهوّلة. فبحلول الصباح تم اخراج 100 جثة من تحت الأنقاض، أما الجرحى فقد تم نقل الكثير منهم الى المستشفى. كان المشهد في وسط المدينة مشهداً حزيناً بالفعل ويثير الشفقة، حيث تشاهد كثير من العائلات التي فقدت بعض من أفرادها وهي مشتتة هنا وهناك تتدفأ بنيران تم ايقادها من بقايا حطام بيوتهم التي أودت بحياة ذويهم واحبابهم، بينما تم نقل جماعات أخرى من الذين أصبحوا بدون مأوى إلى مخيمات اللاجئين التي تم نصبها على أطراف المدينة.

وفي النهار قامت كتيبة ديفونشاير ودورسيت بتنظيم عمليات البحث، إلاّ أن تلك الأصوات التي كانت تقود فرق الإنقاذ إلى الجرحى في الليلة السابقة انقطعت ولم يعد لها صدى الآن. وهكذا خيم الصمت المخيف على مدينة المرج. لقد كانت عملية البحث مأساوية تقطعت لها قلوب الجنود. ففي أحد المنازل وجدوا جثة إمرأة تحمي أطفالها بذراعيها – إلا أنها وهم... ماتوا جميعاً في الوقت ذاته.

إحدى الفرق العسكرية التي ما زالت تبحث عن الأحياء بعد 36 ساعة من هذا الزلزال القاتل، سمع أفرادها أصواتا وأنين تحت الركام، فاخرجوا كلباً صغيراً تملّكه الرعب، إلاّ أنه أطلقت عليه رصاصة الرحمة حيث وجدوا أن ظهره قد أنكسر.

وهناك ...خارج المدينة المنكوبة كانت مهمة بلدوزر فرقة الهندسة الملكية مهمة مروعة بالفعل، حيث كان البلدوزر يقوم بحفر قبر جماعي لـ 300 شخص توفوا بفعل الزلزال.

تحركت سرية المشاة - صمرسيت وكورنوول Somerset & Cornwall  التابعة للكتيبة الأولى - لدخول مدينة المرج لتقديم مساعدات اضافية، بعد أن تم اغلاق المدينة في وجه الجميع باستثناء فرق الجيش، بعد فرض حظر التجول من المغرب حتى الفجر لمنع عمليات النهب.

آخر فرق الجيش البريطاني التي غادرت المدينة المنكوبة كانت فرقة الإشارة 245، أي بعد أسبوع بالتمام من الهزة الأرضية الأولى. والتي كانت مهمتها تزويد الطاقة الكهربائية للمستشفى الواقع في معكسر الجيش الليبي في ضواحي المدينة، ولكن هزة أرضية ثانية جعلت من المنطقة مكاناً خطراً على حياة المرضى من الجرحى، فتم اخلاؤهم من المستشفى وبذلك انتهت مهمة فرقة الإشارة 245.

ومن بين آيات التقدير والثناء التي تلقاها الجيش البريطاني ، كانت كلمة أسقف بنغازي وهو رئيس الكنيسة الكاثوليكية في ليبيا، حيث قال: "إن أعمال الرحمة التي قدمتموها رغماً من الأخطار التي واجهتكم، وتحت المعاناة التي تكبدتموها من جراء ضراوة الطقس، لن ينساه لكم أي إنسان لديه احساس وقلب نابض وعيون ترى. سوف نتذكركم جميعاً في صلواتنا ولزمن طويل".

أماّ الآن فيقوم المهندسون برسم المخططات لبناء مدينة جديدة في موقع آخر، حيث ما تبقى من مدينة المرج لم يعد صالحاً للسكن، فلقد أصبحت الآن مدينة تسكنها الأشباح.

تعليقات الصور:

الجندي الإنجليزي بجانب الأطفال: في مخيم اللاجئين الذي تم نصبه على أطراف المدينة الميتة، تشاهد العريف مايكل جلوفرCorporal Michael Glover  يطمئن هؤلاء الأطفال العرب الذين اصبحوا الآن بدون مأوى، وترى الحيرة تظهر على وجوههم.

الجنود الذين يبحثون تحت الأنقاض: هذه الصورة تعكس مناظر الرعب التي أصابت مدينة المرج – جندي بريطاني يحفر نفقاً بين الأنقاض في محاولة يائسة لإيجاد أحياء محاصرين تحت انقاض المدينة.

الصورة التي تتوسطها السيارة: سيارة جديدة تخلّى عنها صاحبها في شارع امتلأ بحطام الحجارة المتناثرة بفعل الزلزال.

الصورة التي تبين الجنديين الممسكين بعمود فولاذي طويل:

بالفؤوس والبالات والأيدي بدون قفازات – يقوم الجنود البريطانيون بالحفر بحثاً عن الضحايا المدفونين  تحت انقاض بيوتهم.

توفي حوالي 300 شخص في كارثة الزلزال، ولكن رفع أطنان من الحجارة المحطمة أصبحت عملية مستحيلة.

يونس الهمالي بنينه

نيوبورت – بريطانيا 2010.2.21

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1  (الكارطة) باللهجة العامية الليبية.

2  تسمى المرج باللاتيني Barce والتي تعني (برقة) أي أن برقة سميت بإسمها.

مواضيع لها علاقة (للباحثين):

تقرير من اليونيسكو لآعادة بناء مدينة المرج – الدكتور جايز كازاو مينامي مندوب اليونيسكو إلى ليبيا لتقديم تقرير عن زلزال المرج:

http://unesdoc.unesco.org/images/0000/000077/007706EB.pdf

سؤال السيد هوبكينز من البرلمان البريطاني بتاريخ 18 يونيو 1963 عن ما هي المساعدات التي قدمتها الحكومة البريطانية لضحايا زلزال المرج:

http://hansard.millbanksystems.com/written_answers/1963/jun/18/libya-barce-earthquake

دراسة شاملة عن الهزات الأرضية التي أصابت بعض المدن والقرى الليبية في السابق. قام بالدراسة عبد النور سليمان – باولا ألبيني – باولا ميغليافكا:

http://www.earth-prints.org/bitstream/2122/779/1/17Suleiman.pdf

معلومات أمريكية تفيد بقيام الجيش الأمريكي بمد المساعدات لمدينة المرج: http://www.globalsecurity.org/military/library/report/1997/humanops.htm

21-28 Feb 63

Four hours after a severe earthquake at Barce, Libya, on 21 February, six USAFE aircraft lifted rescue and medical personnel and supplies from Wheelus Air Base to the disaster scene.

 

ملاحظة من المترجم:

قمت بعمليات بحث في المكتبات العالمية فاكتشفت أن هناك فيلم لزلزال المرج مدته حوالي دقيقة واحدة – أنصح كل من لديه اهتمام بتاريخنا القيام بشراء هذا الفيلم لأنه سيفيد الأكاديميين والمؤرخين في المستقبل. وتفيد المعلومات أن الهزة الأولى لزلزال المرج استمرت لفترة 15 ثانية، ثم تبعتها هزتان أخريان في صباح اليوم الباكر.

كما تفيد المعلومات أن الأمريكيين قاموا بالمساعدة أيضاً في نقل معدات ومعونات من قاعدة ويلاس  Wheelus الأمريكية الواقعة في الملاحة - طرابلس. ولكن يجب أن لا ننس أن الجيش الليبي تحرك على مستوى كبير للمساعدة في زلزال المرج، وكذلك المواطنين سواء من بنغازي أو غيرها من المدن الليبية. 

(المترجم):

 

إنها حقاً ذكرى مؤلمة لن أنساها... 21 فبراير 1963م

 

كان عمري في ذلك الوقت حوالي 12 عاماً... كنت مستلقي على الحصيرة قرب أبي وأمي وبعض الجيران الذين كانوا في زيارة لنا... في مدينة العز بنغازي الخالدة، حينما شعرت وكأنني في مرجاحة خارقة السرعة صعدت وهبطت بي بسرعة أصابتني بدوخة بسيطة، مثل ذلك الشعور الذي ينتابك عندما تقلع بك الطائرة حينما ترتفع عجلاتها عن سطح الأرض، أو ذلك الشعور الذي ينتابك عندما يصعد بك مصعد فائق السرعة.... هكذا لفترة نصف ثانية.. ربما... أو أقل.

 

أصابتنا الدهشة فخرجنا مسرعين لنستفسر عن الأمر.... إلاّ لنجد الكثير من الجيران وهم أيضاً في الشارع وقد أصابتهم الدهشة....

"الشياب" لكونهم كبار السن عرفوا أنه زلزال، فباشروا بالدعاء أن يحفظنا ويحفظ بنغازي وأن يبعد عنا شرور الدنيا.

 

 وبعد فترة جاء الخبر عن طريق شخص كان عنده راديو.... لم تكن أجهزة الراديو متوفرة للجميع في ذلك الوقت.... ناهيك عن التلفزيون الذي لم نسمع به بعد....

 

يا للمصيبة أنه زلزال كبير في مدينة المرج... مدينة المرج التي أعرف الآن بعد إن تعلمت من التاريخ أنها المدينة العريقة الشامخة التي سميت منطقة برقة بكاملها بإسمها Barce برقه، المدينة التي أحاول جاهدا معرفة لماذا سُميت (المرج) ... هل لأنها تغطى بمروج خضراء في فصل الربيع مطرزة بزهور زاهية من كل الفصائل، كما شاهدتها في بعض الصور؟ ياترى!! سبق وأن زرت هذه المدينة واحببتها منذ الوهلة الأولى.

 

في اليوم التالي خرج أطفال بنغازي في الشوارع ينشدون في لحن حزين وصوت بريء:

 

الله .. الله .. يا مرجي الله الله...

الله .. الله ... الله واكبر لا حول الله...

شيء قدير ... مكتوب من الله ايصير...

مكتوب عليك... يا مرجي زلزال ايجيك...

زلزال كبير... مكتوب من الله ايصير...

..... إلى آخر الأنشودة... التي لم أعد اتذكرها، مع أن جيلنا كان يحفظ كافة الأناشيد في ذلك الوقت.

 

كانت هناك نجوعاً في عام 1963 تحيط بمدينة المرج... فكثير من البدو كانوا يلجأون إلى المدن للإنتقال من حياة البادية إلى حياة المدن، كما هو الحال في مدينة بنغازي.. فينصبون خيامهم على أطراف المدينة. شاهدت في بعض الصور وكأن هذه الخيام قد نصبت في وسط بحيرات من الماء، فمع أن ساكنيها نجوا حتما من الزلزال إلا أنهم وجدوا أنفسهم يسبحون في هذه البرك الموحلة العميقة.

 

ومما زاد الطين بلة (بكل ما تعنيه الكلمة) هو رخات المطر المتوالية وكأن الطبيعة تآمرت على هذه المدينة في هذه العملية الرهيبة، حيث استخدمت كافة ما لديها من أسلحة فتاكة، وكأن الزلزال وحده لا يكفي، فحتى أنها اختارت أن تكون في شهر رمضان والناس متعبون مجهدون بعد يوم طويل من الجوع والعطش... وعززت كل ذلك بهطول الأمطار الغزيزة والرعد والعواصف لتجتمع كافة عناصر الموت والخوف والشقاء ... ولكن لا نعلم ما يعلمه الله عز وجل ... إذ له في خلقه شؤون.

 

ندعو الله بالرحمة لضحايا زلزال المرج الشهير.... 

 

 

من مكتبتي الخاصة

الجنود الليبيون يبحثون عن الضحايا بين الأنقاض

 

 من مكتبتي الخاصة

سبحانك الله.. كيف نجت هذه الحبوبة؟!

 

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home