Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

Monday, 26 may, 2008


نظرات نقدية في الشعـر الشعـبي(*) (2)

من سقطات الشعـراء

د. يونس فنوش

إن الشعراء لا يستخدمون لغة مختلفة عن لغتنا، ولكنهم يتميزون عنا بأنهم قادرون على استخدام هذه اللغة على نحو خاص، يجعلها قادرة على النقل والتعبير. وهذا النحو الخاص لاستخدام اللغة هو ما نقصده بالنحو الفني، وبتعبير آخر هو الفن. وعلى هذا الأساس لا يكون الشعر شيئا آخر غير "المقدرة على استخدام اللغة على نحو يفجر طاقتها الكامنة على التعبير".
بيد أن ما يحدث أحياناً هو ألا يتمكن الشاعر، لأسباب مختلفة، من إنجاز مهمة النقل والتعبير بنجاح، فيقصر، قليلاً أو كثيراً، عن أداء المعنى الذي يهدف إلى أدائه ونقله، وفي أحيان أخرى يفشل في أداء المهمة فشلاً تاماً وفاضحاً.
في هذه السلسلة من المقالات سوف أحاول أن أقدم أمثلة على ما تحدثت عنه مما أعتبره "من سقطات الشعراء"، ثم أبذل جهدي لكي أبين للقارئ وجه أو وجوه القصور في التعبير والنقل الفني التي أزعم وجودها في النص المعروض على النظر والتحليل.

* * *

(2)
تجي ترتشاق ومشيها طربازي
عناق ريم ضايقها زفي بنداقة
عبد السلام الحر

* * *

هذا البيت من قصيدة مشهورة للشاعر عبد السلام الحر، يقول مطلعها:
يزيد ما نقص ما زال في غنداقه
غلا من مكوحل بالسواد ارماقه

وقد ورد هذا البيت في ختام مقطع من مقاطع القصيدة استغرقه الشاعر في وصف جمال الحبيبة، فتطرق لوصف الرداء "الحصيري" الرفيع الثمن، المشترى من أسواق بنغازي العاصمة، وسوار "بو ثومة" الذي اجتهد صانعه الماهر في صوغه وإبداعه، فيقول:
ان لبست رفيع السَّوم من بنغازي
حصيري وبو ثومة شْقِي دقاقه

ثم أراد أن يتفرغ لوصف مشية تلك الحبيبة وتصوير جمالها وسحرها.. فأبدع أيما إبداع في صدر البيت الذي نحن بصدده، باختياره لفظة "ترتشاق" لوصف مشية الحبيبة، كما يراها الشاعر وهي قادمة تتهادى نحوه. ومهما أمكن أن نجادل في المعنى الدقيق لهذه الكلمة، إلا أننا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الإحساس بأنها بفضيلة حروفها تستحضر إلى أذهاننا معنى "الرشاقة"، التي هي وصف للغاية من اللطف والحسن، فالرشيق هو المعتدل القوام، المتناسق الأعضاء، الخفيف المشية، ولذا فإننا نجد أن هذه اللفظة، تفلح جداً في نقلنا إلى كل ما في عالم الرشاقة من معاني الاعتدال والحسن والتناسق. ومن هذا المنطلق فإن اللفظة حين تستعمل لوصف المشية، فإنها لابد أن تستدعي إلى الخاطر جملة من المعاني التي تتصل جميعها على نحو أو آخر بمعنى الاعتدال والتوسط والتناسق، فنفهم أن هذه الفتاة التي يصفها الشاعر بأنها "ترتشاق" في مشيتها، تلوح للناظر إليها وهي تمشي مشية رشيقة معتدلة هادئة لطيفة، فهي تتهادى وتتمايل في تناسق جسن مبهر. ثم يحرص الشاعر على دعم هذه الصورة التي عبرت عنها بكل كفاية مفردة "ترتشاق"، بصورة أخرى تحاول إضافة تأكيد ودعم للصورة الأولى، فقال: "ومشيها طربازي". وهنا أيضاً تنقلنا هذه اللفظة ببراعة إلى عالم الحسن واللطافة والاعتدال الذي صورته لفظة "الارتشاق"، ففي العامية كلمة "اطربز" أيضاً تعني التهادي والاختيال في المشية.
وهكذا نجد أنفسنا مع نهاية صدر البيت وقد أفعمنا بتلك الإيحاءات التي تتعاضد على خلقها لدينا مفردتا "ترتشاق" و"طربازي"، ونعيش مع الشاعر في تلك الصورة التي تنقل إلينا هيئة تلك الفتاة الجميلة وهي قادمة تتهادى وتهتز في مشيتها، فتحوطنا بمعاني الهدوء والاعتدال والاهتزاز المتناسق، فضلاً عن جملة أخرى من إيحاءات الراحة والخيلاء والرغبة في لفت الأنظار، واستعراض الحسن والجمال.
لكننا حين ننتقل إلى عجز البيت نفاجأ تلك المفاجأة غير السارة على الإطلاق، ونهوي مع الشاعر الكبير في سقطة فنية هائلة ومؤسفة، إذ نجده في محاولته إيجاد معادل موضوعي فني يجسد أو ينقل به إحساسه بجمال تلك المشية الرشيقة المعتدلة الساحرة، يشبهها بأنها "عناق ريم ضايقها زفي بنداقة". وبالرغم من أن وصف الفتاة بأنها "عناق ريم" أي "غزال" وصف مفيد في نقل إيحاءات الرشاقة والحسن التي عادة ما يتخذ الغزال رمزاً شبه مطلق لها، إلا أن الشاعر، وربما بجريرة تلك القافية اللعينة التي أحضرت إلى ذهنه مفردة "بنداقة"، تورط في تصوير "عناق الريم" تلك بأنها "ضايقها زفي بنداقه". ولنا بالطبع أن نتخيل ما يكون من حال تلك "العناق" المسكينة حين تجد نفسها وقد حاصرها الصيادون بأزيز رصاص بنادقهم. إن أول ما يستدعيه إلى خيالنا هذا الموقف هو ما يصيب تلك العناق من الفزع الشديد، والخوف البالغ على نفسها وحياتها، ومن ثم ما يولده لديها من حرص على أمر واحد هو محاولة النجاة بنفسها من ذلك الخطر الذي يتهددها، فتطلق لأرجلها العنان، وتندفع راكضة بكل ما تملك من قوة واندفاع، وربما يضيق عليها أولئك الصيادون الخناق، كما القال الشاعر صراحة "ضايقها زفي بنداقة"، فتضطر للركض في مختلف الاتجاهات باحثة في يأس عن منفذ للنجاة.
فماذا تستدعي إلينا هذه الصورة، إنها تستدعي عالماً كاملاً من إيحاءات الهلع والفزع والضيق، وما تولده الرغبة في النجاة من اندفاع وانطلاق في الركض بأقصى ما يمكن من السرعة، وهي إيحاءات بعيدة كل البعد عن عالم الهدوء والاعتدال والرشاقة والتهادي والخيلاء الذي نجح الشاعر في الإيحاء به في صدر البيت، وكان هدفه أن يزيده دعما وتأكيداً من خلال هذه الصورة التي أوردها في العجز.
لقد سقط بدوره سقطة فنية مؤسفة، وكبا كبوة لا نملك إلا الاعتراف بها، وإن كنا نحسبها من كبوات الجواد الكريم، التي لا تضير الفارس إن حدثت مرة.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "قورينا".



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home