Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

الجمعة 21 نوفمبر 2008

الحرب ضد كتيب العائلة

د. يونس عمر فنوش

عندما ظهرت فكرة "كتيب العائلة" منذ سنوات عديدة، رحبنا بها ترحيباً حاراًً، واعتبرناها نقلة نوعية مهمة على صعيد تطوير نوعية الأداء الحكومي، من جهة ابتداع الطرق التي تكفل تيسير إنجاز الإجراءات وقضاء مختلف المصالح التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية والعملية. ذلك أن فكرة تجميع البيانات الأساسية المتعلقة بأفراد الأسرة في وثيقة واحدة، تكون في متناول كل فرد منهم عندما يحتاج إلى إنجاز معاملة أو إجراء أو قضاء مصلحة لدى إحدى الإدارات الحكومية، هي بدون شك فكرة رائعة، لأنها كفيلة بأن توفر على المواطن تلك الجهود التي كان عليه أن يبذلها في كل مرة يحتاج إلى شهادة تثبت مكان وتاريخ ميلاده، أو شهادة تبين مكان إقامته، أو شهادة توضح وضعه العائلي..إلخ، وهي كفيلة من جهة أخرى بأن توفر على الإدارات الحكومية تلك الجهود العبثية التي كانت تتكبدها لحفظ ملايين الأوراق التي يقدمها المواطنون إليها، ولا فائدة فيها سوى إثبات ميلادهم وإقامتهم وأوضاعهم العائلية.

ونحن لا نشك في أن الفرد أو الجماعة أو الهيئة التي فكرت واقترحت تبني فكرة "كتيب العائلة" كانت تقصد من ورائها تحقيق هذين الهدفين اللذين أشرنا إليهما في الفقرة السابقة، ونعني خدمة المواطن وخدمة الإدارات الحكومية في آن معاً، وذلك بالاعتماد على البيانات الواردة في كتيب العائلة باعتبارها بيانات رسمية معتمدة قانوناً، ومن ثم الاستناد إليها في إنهاء المعاملات، وقضاء المصالح، وأن الموظف الإداري لن يعود بحاجة إلى أن يطلب من المواطن أن يحضر شهادة ميلاد أو شهادة إقامة، لأنه بكل بساطة سوف يجد كل البيانات التي يحتاج إليها في كتيب العائلة، وما عليه إلا أن ينقلها من الكتيب أو أن يقارن بها ما أورده المواطن في المعاملة أو الطلب الذي يقدمه لقضاء مصالحه، فيتأكد من صحة البيانات أو يصححها إذا وجد فيها خطأ أو نقصاً.

ولكننا فوجئنا بأن الإدارات الحكومية ترفض الاعتراف بكتيب العائلة، بل إنها ظلت تستحدث من الإجراءات ما يفرغ الكتيب من أي معنى أو مضمون، ويشل فائدته التي صمم من أجلها شللاً تاماً. ذلك أن وجود جميع البيانات المطلوبة عن أفراد العائلة في الكتيب لم يغن المواطن في شيء عند حاجته لإنجاز معاملاته أو قضاء مصالحه، إذ يفاجأ المواطن بأنه مطلوب منه أن يصور صفحات كتيب العائلة التي تحتوي تلك البيانات، وبذلك تم استحداث بند جديد من التكاليف التي بات على المواطن أن يتحمل عبئها، وهي تكاليف تصوير الصفحات المطلوبة من كتيب العائلة، وبالطبع حين يتعلق الأمر بأحد الأبناء فإن على المواطن أن يصور ثلاث صفحات من الكتيب، هي الصفحة التي بها صورة رب العائلة، والصفحة التي بها بيانات ميلاده، ثم الصفحة رقم (47) الشهيرة التي تحتوي على بيانات إقامة أفراد العائلة.

ولقد كنت أتساءل دائماً: وماذا تفعل الإدارة الحكومية بتلك الأكوام من الأوراق التي تحتوي على صور من البيانات الموجودة في كتيب العائلة، وكنت أجد الإجابة عن سؤالي هذا من خلال أكداس الملفات الورقية التي أجدها في كثير من الأحيان مرمية مهملة في أروقة الإدارات الحكومية، وأحياناً في فجوات المصاعد المعطلة، أو دورات المياه التي لم تعد تصلح للعمل. بيد أن دهشتي من إبداعات البيروقراطية الليبية بلغت ذروتها مؤخراً حين عرفت وأنا بصدد الاستعداد لخوض معركة تجديد جوازات السفر والبطاقات الشخصية لي ولأفراد عائلتي بأن هناك شهادة جديدة باتت على رأس الشهادات اللازمة لمثل هذه الإجراءات يقال لها "الشهادة الإدارية". وحيث إني كنت أسمع هذه التسمية للمرة الأولى، فقد ذهبت للسؤال عنها ما هي، وما تكون؟ فقيل لي إنها شهادة يدون فيها اسمك الرباعي، أي اسمك واسم أبيك واسم جدك ولقبك إن كان لك لقب. فتساءلت: وما الحاحة إلى ورقة يكتبها موظف في السجل المدني لا تقول شيئاً مختلفاً عما هو موجود وموثق في كتيب العائلة. وبالطبع لم أجد لهذا السؤال إجابة.

لكن الأدهي من كل ذلك، أي من الفكرة العبثية نفسها، فكرة أن تطلب من المواطن أن يذهب إلى موظف في مكتب السجل المدني، لكي ينقل بخط يده في ورقة أخرى ما هو مدون في كتيب العائلة، هو ما يطلب منك أن تدفعه نظير تلك الورقة التي لا معنى لها، ولقد فوجئت، لدهشتي وذهولي، بأن هذه الشهادة تكلف المواطن (5) خمسة دنانير. ولقد وقفت مذهولاً أمام هذا الرقم، وحين تأكدت أن المقصود بالفعل خمسة دنانير وليس (خمسة) قروش، طفقت أتساءل عن تلك الجهة المسؤولة التي قررت هذا الرسم على شهادة عادية لا قيمة ولا معنى لها؟ وهل يعيش أولئك الأفراد الذين قرروا هذا الرسم أو وافقوا عليه نفس الحياة التي يحياها "مواطن عادي" مثلي ومثل الملايين غيري، ممن تمثل خمسة الدنانير بالنسبة إليهم مبلغاً ذا قيمة كبيرة، يمكن أن يسد تكلفة وجبة غذائية لعائلة كاملة، أم أنهم من فئة المواطنين غير العاديين الذين يمكن لأحدهم أن يرمي ورقة من فئة الخمسة دنانير (بقشيشاً) لعامل في محل تجاري، أو نادل في مطعم أو مقهى، لأن قيمة البضائع التي اشتراها من المحل، أو الوجبة التي تناولها في المطعم هو وشلة الرفاق والصحاب، تبلغ مئات وربما آلاف الدنانير.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home