Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

السبت 15 نوفمبر 2008

عـندما يتحول الجدار إلى منديل

د. يونس عمر فنوش

عندما حل أجل الحاجة إلى تجديد البطاقات الشخصية لي ولأفراد عائلتي، وبعد الحرص الشديد على استكمال جميع المستندات المطلوبة لإنجاز تلك المهمة قبل الذهاب إلى مقر الجهة المخولة باستلام طلبات التجديد، حملت معي الملفات كاملة بدءاً بالنموذج (الذي اضطررت لشرائه من السوق السوداء بدينارين ونصف، على الرغم من أن الدولة حرصت على كتابة سعر بيع النموذج لأفراد الجمهور المحترمين وهو للعلم عبارة عن ربع دينار "250" درهما)، مروراً بالشهادة الإدارية الشهيرة (هذه الشهادة الغبية المستحدثة لتحطيم أعصاب المواطنين وإرهاق ميزانياتهم البائسة) وانتهاء بالصور الشخصية المختوم عليها من قبل إمام المحلة، ثم ذهبت إلى المقر المخصص لقبول طلبات التجديد.

لا أخفيكم -أيها القراء الأعزاء- أني ما كدت أقترب من المكان، وبالطبع كل سكان مدينة بنغازي يعرفونه جيداً، حتى أخذتني مشاعر الشفقة والتعاطف مع إخواننا من رجال الأمن والموظفين المدنيين الذين شاء لهم حظهم التعس أن يكون عملهم في هذا المكان، فالمكان، وهو عبارة عن مبنى قديم متهالك، أغلب الظن أنه من أيام الطليان، ليس، بكل تأكيد مهيئاً لأن يستغل في مثل هذا الغرض، على الإطلاق..أعني أن يكون مكاناً لاستقبال المئات والآلاف من المواطنين والمواطنات الذين سوف يحتاجون للتردد عليه لاستخراج بطاقات شخصية أو تجديدها.. المكان قديم ومتهالك، شبابيكه محطمة الأبواب والزجاج، وجدرانه لا يكاد يتبين لك شكلها من شدة ما تراكم عليها من أوساخ وغبار وقاذورات مختلفة.. وحين تدخله تفاجأ بعدة ملاحظات تقفز إلى ناظريك قفزاً ، وتفرض عليك فرضاً أن تنتبه إليها، فلا تملك مطلقا أن تمر عليها مرور الكرام وتتجاهلها: أولى هذه الملاحظات أن المسؤولين في المكان لم تتوفر لديهم الأدوات المناسبة، وربما لم تتوفر لديهم الميزانية المطلوبة، لكتابة عبارات الإرشاد إلى أقسام المقر ومكاتبه المختلفة على لوحات إرشادية تعلق على الجدران في أماكنها المناسبة، فلم يجدوا أمامهم إلا أن يكتبوا تلك العبارات بالقلم الخطاط أو بفرشاة الطلاء على الجدار مباشرة. وبالطبع نستطيع أن نتوقع أن الأخ الكريم الذي تولى تلك الكتابة لم يكن خطاطاً محترفاً، ومن ثم فقد ظهرت تلك الكتابات أبعد ما تكون عن جمال الخط وحسنه، ناهيك عما يوجد فيها من أخطاء لغوية، أحياناً تكون فادحة ولا يمكن غفرانها على الإطلاق..

ثم تأخذك المفاجأة الثانية حينما تدخل إلى داخل المقر، حيث توجد المكاتب التي عليك أن تراجع فيها ما تريد إنجازه من مصلحة، فتقابلك غرف مغلقة، وغرف مفتوحة ولكنها مهجورة، ليس فيها سوى قطع من الأثاث الخرب القديم، وأحيانا كراس متهالكة، وربما حتى أسرة لم يبق منها سوى أرجلها وإطاراتها الخاوية.. ثم عندما تبدأ في التعامل مع أحد تلك المكاتب، كثيراً ما تفاجأ بأن المكتب مكتظ بالمراجعين، وأنه ليس لك مكان داخله، ومن ثم يكون عليك أن تخرج لتنتظر دورك أو لتقتنص الفرصة الملائمة لاقتحام المكتب وانتزاع دورك انتزاعاً، وهكذا تجد نفسك وقد انتهيت إلى ممر ضيق لا يزيد عرضه على متر ونصف، ليس فيه متسع لأكثر من بضع أفراد، وفوق ذلك ليس فيه مقعد أو كرسي يمكنك أن تجلس فيه وتننظر دورك.

وقد لفتت نظري ظاهرة غريبة حالما انتهيت إلى ذلك الممر، فقد وجدت جدرانه ملطخة بخطوط من الحبر متداخلة وذاهبة في مختلف الاتجاهات. دهشت أول الأمر، ولكن عندما اقتربت من تلك الخطوط ودققت النظر فيها وجدت أنها عبارة عن آثار بصمات أصابع..

وهنا آتي إلى موضوع هذه المقالة.. فقد ذهبت رفقة زوجتي وبناتي لاستلام بطاقاتنا الشخصية بعد حلول الأجل المضروب لنا. نادت علينا موظفة كانت بالمكتب لكي يضع كل منا بصمة إبهامه على البطاقة قبل أن تتم عملية تغليفها. وقدمت إلينا الموظفة مشكورة وبمنتهى اللطف المحبرة، فقمنا بعملية البصم المطلوبة، ولكننا حالما انتهينا من تلك العملية حرنا في ما نفعل بآثار الحبر التي لطخت أصابعنا. لم يكن لدى تلك الموظفة علبة مناديل، ولا حتى قصاصات من الورق يمكننا أن نستخدمها في مسح آثار الحبر، فظللنا نحتفظ بأصابعنا مرفوعة خشية أن تلطخ ملابسنا أو نلطخ بها ملابس أحد من إخواننا المواطنين، ثم خرجنا إلى ذلك الممر.. وهنا التمعت في أذهاننا الفكرة .. وعرفنا السبب، فبطل العجب –كما يقولون- فقد كنا على وشك أن نهجم على أول بقعة في جدار ذلك الممر لكي نمسح فيها الحبر الذي يلطخ أصابعنا.. فقد كان آلاف المواطنين قد مروا قبلنا بهذه التجربة، ولم يجدوا منديلاً يمسحون به أصابعهم سوى جدران ذلك الممر المسكين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home