Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

الجمعة 11 يونيو 2010

كتاب جديد ـ قيد الإعداد للنشرـ بعنوان :

 

الوطن في شعر حسين لحلافي

 

تأليف : د. يونس فنوش

 

 

لم يكن حسين لحلافي الشاعر الوحيد الذي تحدث عن الوطن في شعره، فقد كان الوطن موضوعاً أساسياً شغل العديد من شعراء الفصحى والعامية، عبر العديد من الحقب والعصور والأوقات. ولكن لحلافي تميز –في تقديري- عن سائر الشعراء بأن قضية الوطن قد شغلت الحيز الأعظم من تفكيره وإبداعه، وبأنه قد نجح نجاحاً ملفتاً وباهراً في التعبير عن هذه القضية وتجسيد أبعادها وآفاقها وتطورها عبر مسار التاريخ على نحو لا يدانيه فيه شاعر آخر.

 

قد نجد عند كثير من الشعراء تناولاً لقضية الوطن من جانب من جوانبها، أو صعيد من أصعدتها، تناولاً ربما كان ممتازاً ورائعاً من الناحية الفنية البحتة، ولكننا نجد أنه محدود بذلك الجانب أو ذلك الصعيد، فتغيب عنه جوانب أو أصعدة أخرى من قضية الوطن ومسارها التاريخي، ولكننا عندما نستعرض شعر لحلافي نجد قضية الوطن حاضرة بقوة وشمول وعمق، لا نجده عند غيره، ويبهرنا أننا قد نعجز بالفعل عن إيجاد ناحية من النواحي، أو بعد من الأبعاد المتعلقة بقضية الوطن، ولا سيما منذ حلول مأساة الاحتلال الإيطالي حتى نهاية المأساة باندحار الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية، وخروجهم من البلاد، وعودة الوطن إلى أبنائه، سواء منهم أولئك الذين لم يغادروه أو أولئك الذين غادروه مكرهين إلى مختلف ديار الهجرة، لم يتطرق لها لحلافي في شعره، بأبيات متفرقة في ثنايا القصائد أو بقصائد مخصصة بالكامل لتلك الناحية أو ذلك الجانب[1].

 

وإني لا أتردد في الزعم بأن لحلافي قد تفوق على جميع الشعراء الذين تناولوا قضية الوطن، بمن في ذلك شعراء الفصحى، بأنه صور في قصائده مختلف أبعاد القضية وجوانبها، وجسدت أشعاره بطريقة ملفتة ما تمتع به من وعي ثقافي وسياسي، مكنه من الإحاطة بشتى الملابسات والظروف الواقعية والمعطيات السياسية التاريخية التي كان لها تأثير مباشر في تطور مسار القضية الوطنية الليبية، في أخريات مراحلها، عندما أخذت المؤشرات تتوالى وتتضاعف على توجه التطورات الدولية للدخول في مرحلة الحسم، بنشوب الحرب العالمية الثانية، وكان لابد أن تنتهي تلك الحرب بانتصار أحد الطرفين المتحاربين على الآخر. وقد صور لحلافي بمنتهى الدقة والإجادة الفنية تلك المرحلة، وجسد الموقف العام الذي كان يسود لدى معظم الليبيين المهاجرين، وهو التطلع للعب دور في تلك الحرب، يحدوهم الأمل في أن تنتهي إلى هزيمة إيطاليا، ومن ثم تحرر وطنهم، وتمكنهم من العودة إليه في عزة وكرامة.

 

وإضافة إلى تميز لحلافي بشمول مختلف أبعاد القضية الوطنية وجوانبها، فإني أرى أنه قد أبدع خاصة في تصوير بُعْدِ "الهجرة" والتطرق لجميع تفصيلاته وجوانبه، بدءاً من الحديث عن دوافع الهجرة وأسبابها واتجاهاتها، مروراً بتصوير آثارها على نفس المهاجر وحياته، وتجسيد ما مثلته من تبدل الحال بأبناء الوطن الكرام، الذين انتهوا إلى مصائر موجعة ومؤلمة من الفقر وقلة ذات اليد، وفقدان كل مقومات الحياة العزيزة الكريمة التي كانوا يحيونها في الوطن قبل وقوع كارثة الاحتلال، ثم انتهوا إلى اضطرارهم للعمل، من أجل كسب الحد الأدنى من القوت، إلى ممارسة أحقر الأعمال وأشقها على أبدانهم وأنفسهم، وانتهاء بتصوير موقف المهاجر من الوطن وهو في ديار الغربة، حيث يظل متعلقا به وبذكرياته فيه، غير قادر على التلهي عنه ونسيانه، ويظل يعاني الصراع العاطفي العنيف بين التلهف للعودة إلى الوطن، والإحجام عن ذلك بسبب استمرار الظروف والدوافع التي أدت إلى تركه ومغادرته، ويبقى متشبثاً بأمل لا ينطفئ في أن تتغير الظروف، وأن يتمكن الليبيون من دحر العدو المغتصب لأرضهم، فيتحرر الوطن ويتمكن المهاجر من العودة إليه والتمتع فيه بالحرية والأمن والعدل، كما يقول لحلافي.

 

ومن هذا المنظور فإني أتصور أن لحلافي يستحق أن يوصف بأنه شاعر "الهجرة"، كما رأينا أن الشاعر فضيل الشلماني قد استحق بجدارة وصف شاعر "المنفى"، إذ كان الشاعر الوحيد الذي صور تجربة الليبين في المنافي الإيطالية. ولئن لم يكن لحلافي الشاعر الوحيد الذي تحدث عن الغربة وصورها إلا أنه   –في تقديري- يُعَدّ الشاعر الوحيد الذي أحاط بتجربة الهجرة إحاطة لم يبلغها أي شاعر آخر، وتُعَدّ بعض قصائده في هذا الموضوع روائع خالدة تغني في مثالها عن كثير غيرها من أعمال الشعراء الذين تناول كل منهم جانبا أو أكثر من الصورة أو التجربة، ولكن أحداً لم يبلغ ما بلغه لحلافي في تلك النظرة الشاملة العميقة للتجربة بكل أبعادها وتفاصيلها.

 

وقد ظلت تنمو لدي الرغبة في أن أخص لحلافي بدراسة مفصلة لأشعاره التي تناول فيها قضية "الوطن"، منذ أول اتصال لي بنماذج من شعره عند عملي في إطار لجنة جمع التراث على اختيار المادة التي كنا نسعى لنشرها في المجلد الأول من مشروعنا "ديوان الشعر الشعبي"، وهو الاتصال الذي أخذ بعداً شاملاً عند عكوفي وزميلي المرحوم الهمالي شعيب على تحقيق وشرح القصائد التي ضمناها ديوانه الذي نشر في منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي سنة 2004، ثم زادت قناعتي بالفكرة التي أعبر عنها في هذه المقدمة حين عكفت على إعداد كتابي عن تجربة الليبيين في مواجهة الاحتلال الإيطالي، فقد وجدت من واقع الدراسة أن أكثر شاعر اعتمدت على أشعاره في تصوير مختلف جوانب القضية وأبعادها هو لحلافي، ومن ثم فلم يخل أي فصل من فصول ذلك الكتاب (الليبيون والاحتلال) من استشهادات بأبيات لحلافي وقصائده. وكانت هذه التجربة هي النقطة التي نضجت عندها في نفسي القناعة بجدارة لحلافي بأن يكون هو حامل راية الشعراء في التعبير عن "قضية الوطن" بإطلاق، ولولا سبق شاعرنا الكبير أحمد رفيق المهدوي إلى الحظوة بلقب "شاعر الوطن"، لدعوت بكل ثقة إلى أن يخص بهذا اللقب شاعرنا العظيم حسين لحلافي.

 

وقد رأيت أن أبدأ في تناول موضوع هذه الدراسة بفصل أتناول فيه فكرة "الوطن" لدى لحلافي، من حيث مفهومه وتعريفه وتصوير العلاقة به والموقف الجدير بالمرء أن يقفه تجاه وطنه وما للوطن من حقوق على أبنائه، يلي ذلك فصل خصصته لتصوير أبعاد المأساة التي وقعت على الوطن وأبنائه جراء الاحتلال الإيطالي، وما لقيه هؤلاء من صنوف العذاب والمعاناة والمصائر المفجعة، وما أدت إليه هذه المأساة من تقسيم أبناء الوطن إلى فئات وطوائف، بين رافضين للاحتلال ومجاهدين بالسلاح ضده، وخاضعين للاحتلال عجزا عن الجهاد أو عدم قناعة بجدواه، ومتواطئين مع الاحتلال بخدمته والتجند في صفوف قوات شرطته وجيشه، وأخيراً أولئك الذين رفضوا الخضوع، وفضلوا الهجرة إلى مختلف الديار التي أخذتهم إليها مصائرهم وظروفهم.

 

وهنا خصصت فصلاً لتجربة الهجرة كما صورها لحلافي، فتطرقت إلى الدوافع التي أدت إليها وموقف المهاجر منها، وتصوير أصناف المعاناة المادية والنفسية التي يلاقيها المهاجر في ديار الغربة، والصراع الذي يظل يحتدم في نفسه بين الحنين إلى الوطن والتطلع للعودة إليه، والعزوف عن ذلك بسبب دوام الظروف التي دفعته إلى الهجرة، وكيف يظل المهاجر يذكر الوطن ويعجز عن نسيانه والتلهي عن ذكره.

 

ثم رأيت تخصيص فصل لتصوير ما يعكسه لنا شعر لحلافي من معان سامية رفيعة، وضعتها تحت عنوان "الثقة في النصر والعودة"، حيث ينطلق من موقف الاعتبار والتدبر في سنن الله في الكون، الذي يداول الأيام بين الناس، بين العسر واليسر، لتصوير إصرار أبناء الوطن على استرجاع الحق المغتصب، وتصوير الأمل الذي يظل يروادهم وينعش نفوسهم في الخلاص من ربقة المستعمر الغاصب، بالغين، من خلال ما نجده عند لحلافي، حد النظر إلى ذلك الخلاص وكأنه حقيقة واقعة لا محالة، فيتحدثون عن الوسيلة التي سوف تقود إلى ذلك الخلاص، بل عن الوسيلة التي سوف يستخدمونها في العودة إلى الوطن بعد خلاصه وتحرره من المستعمر.

 

وفي خاتمة البحث وجدت أن من المفيد تخصيص جانب من الدراسة لإبراز ما تميز به شعر لحلافي من وعي عميق بأبعاد التاريخ وملابسات السياسة الدولية التي كانت لها صلة بالقضية الليبية، من حيث إن ليبيا كانت إحدى أهم الساحات التي دارت فوق أراضيها أحداث الحرب العالمية الثانية، بين قوات المحور وفيها إيطاليا التي تحتل الوطن، وقوات الحلفاء التي فيها قوات بريطانيا التي انحاز إليها الليبيون وتعاونوا معها رهاناً على قدرة الحلفاء على هزيمة المحور، ومن ثم هزيمة إيطاليا وتحرير ليبيا من براثن احتلالها الغاشم. وقد وجدنا في هذا الجانب للحلافي قصائد أجدها جديرة بأن تكون لها مكانة خاصة في هذا السياق.

 

وأشير إلى أني قد أشرت إلى مواضع النصوص المستشهد بها من قصائد الشاعر برقم بين قوسين معكوفين [ ] بعد البيت أو الأبيات، يشير إلى رقم الصفحة في ديوان الشاعر المنشور في منشورات مجلس تنمية الإبداع سنة 2004.

 

رحم الله شاعرنا الكبير الشيخ حسين لحلافي، الذي بقي وسوف يظل باقياً معنا من خلال أشعاره الرائعة، وفي هذا مصداق لقوله هو نفسه في أحد الأبيات التي أوصى بأن تكتب على شاهد قبره، حيث يقول :

 

هذا   المصير   فكل   حي   فان
سبعين  عشت  من  السنين   كأنها

وتركت ذكراً  في  بلادك  عاطرا

 

فاهنأ فإنك في حمى الرحمن
لما انقضت لم تبق غير ثوان
والذكر بعد الموت عمر ثان
 

 

المؤلف

بنغازي 30/3/2010

 

[1] إذا أردنا الدقة في هذا الخصوص لعلنا نستثني من هذا الحكم الشامل جانباً من جوانب القضية الوطنية لم يتطرق إليه شاعرنا لحلافي، هو تجربة الليبيين في المنافي الإيطالية، وهي التي يكاد يكون قد انفرد بتغطيتها وتوثيقها الشاعر فضيل الشلماني.        

راجع ديوان فضيل الشلماني، تحقيق وشرح: د.يونس عمر فنوش والهمالي شعيب الحضيري، ط1، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي، بنغازي، 2004.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home