Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

الأثنين 10 نوفمبر 2008

تعليم المواطن الكريم فضيلة الانحناء

د. يونس عمر فنوش

كنت ذات مرة ماراً من أمام المدخل الرئيس للمعهد الصحي في منطقة الفويهات، بعد فترة من انتقال المقر الإداري للجنة الشعبية العامة للصحة بالشعبية إليه، فشاهدت جمعاً من الناس محتشدين أمام نافذة فتحت مؤخراً في الجدار الخارجي للسور المحيط بالمقر الإداري. وحين سألت عن الأمر قيل إن هؤلاء مواطنون يقومون بمراجعة الإدارة لقضاء مصالح لهم.

في الحقيقة لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أشاهد جمعاً من المواطنين يراجعون إدارة من الإدارات عبر فتحة في نافذة تطل على الشارع، ولكن تكرار هذه الظاهرة في هذا الموقع بالذات أثار دهشتي، وولد في نفسي العديد من التساؤلات. ففي الإدارات الأخرى التي كنت شاهدتها من قبل، كنت أحاول أن أجهد نفسي في إيجاد تبرير أو تفسير للظاهرة بافتراض أن مقر تلك الإدارة ضيق، وأنه ليس في داخله متسع للمواطنين المراجعين، حيث إن مكاتبه وردهاته كلها مكتظة بالموظفين ومكاتبهم، ومن ثم فليس أمام الإدارة إلا فتح ثغرة في نافذة تطل على الشارع لكي يقوم المواطنون بالمراجعات اللازمة وإنجاز مصالحهم من خلالها. أما في هذا الموقع بالذات فقد صعب علي أن أجد أي تفسير لهذه المسألة، اللهم إلا تفسير واحد سوف أتحدث عنه فيما يلي، ذلك أني أعرف هذا المكان، منذ أن كان تابعاً كله للمعهد الصحي، وقد دخلته أكثر من مرة، وشاهدت بعيني تلك المساحات الهائلة التي تحيط بالمبنى الإداري من جميع جهاته، موزعة بين مواقف للسيارات وبين حدائق ومساحات خضراء، وكانت تلفت نظري تلك المسافة البعيدة التي تفصل بين البوابة الرئيسة للمقر وبين مدخل المبنى الإداري، ولذا فقد تساءلت عن السبب الذي يجعل إدارة اللجنة الشعبية العامة للصحة تفرض على المواطنين أن يبقوا في الشارع وفي العراء لمراجعة موظف من خلال فتحة صغيرة في نافذة، لإتمام أجراء، أو قضاء مصلحة، أو الاستفسار عن معلومة ما، في حين أن لديها وراء سور المبنى مساحات هائلة كان يمكنها أن تجهز فيها مكاناً مناسباً يقوم فيه المواطنون بمراجعاتهم واستعلاماتهم، ونظراً لتوفر تلك المساحات الكبيرة فقد ذهب خيالي إلى تلك الصورة التي نجدها في الدول التي تحترم مواطنيها، حيث يجد المواطن داخل الإدارة التي يراجعها مكاناً محمياً من آثار العوامل الجوية، سواء من الحر و"العجاج" أو من البرد والمطر، ويجد نظاماً للمراجعة يعطي لكل مواطن حقه في بلوغ الموظف الذي يراجعه حسب ترتيب وصوله إلى المكان، ويجد فوق كل ذلك كرسياً يجلس عليه حين يكون عليه أن ينتظر في المكان بعض الوقت.

ولقد قلبت مختلف الاحتمالات، ووضعت شتى الافتراضات حول الأسباب والدواعي التي لعلها تكون دعت أمانة اللجنة الشعبية للصحة إلى فعل ذلك، فلم أجد إلا افتراضاً واحداً بدا لي أنه الوحيد المقبول، وهو أن هذه الإدارة، اتساقاً مع التوجه العام السائد لدى معظم الإدارات في البيروقراطية الليبية، قد قصدت قصداً لانتهاج الأسلوب الأكثر فعالية في تعذيب المواطنين وإهانتهم وتعريضهم لأكبر قدر من العناء والعنت وتحطيم الأعصاب.

ولقد اضطرتني الحاجة لقضاء بعض المصالح للمرور بهذه التجربة المرة، وكان أكثر ما يؤلمني ويوجعني مشاهدة مدى المعاناة والألم والعنت الذي يجده المراجعون، وبخاصة كبار السن منهم، الذين يجدون مشقة وعناء في المجيء إلى الإدارة أصلاً، ثم يجدون أضعاف ذلك العناء في الانتظار وفي التزاحم أمام تلك الفتحة في الشباك المتاح للمراجعة وقضاء المصلحة.

بيد أن كل ذلك قد يهون أمام الملاحظة الأخرى التي لاحظتها في العديد من هذه الشبابيك المعدة لمراجعة المواطنين، حيث وجدت الإدارات الحكومية تتفنن أيما تفنن في تصميم الفتحة المتاحة للتخاطب بين المواطن "الكريم" الذي يقوم بالمراجعة وبين الموظف الموجود في الطرف الآخر بحيث تكون تلك الفتحة في الغالب أقل من مستوى رأس المواطن متوسط الطول، ومن ثم يجد المواطن أنه لا مفر له، للتمكن من مخاطبة الموظف، من أن ينحني حتى يبلغ رأسه مستوى تلك الفتحة العجيبة. وبصرف النظر عما في هذه الناحية من مشقة وإيلام، لا يحس بهما إلا كبار السن من أمثالي، الذين يعانون من أوجاع الظهر، وآلام الركبتين والمفاصل، إلا أن أكثر ما آلمني فيها وأوجع إحساسي بالكرامة الآدمية، هو فكرة اضطرار المواطن "الكريم"، وهو الإنسان الذي ميزه الله سبحانه وتعالى باستقامة الهامة وانتصابها، لأن ينحني لكي يستعلم من موظف أو يقضي مصلحة أو ينجز معاملة إدارية.

وقد اضطررت في نهاية الأمر إلى إضافة هذه الملاحظة إلى جملة ملاحظاتي حول أسلوب الإدارة البيروقراطية الليبية، التي تحرص على الإبداع دائماً، ولكن في الاتجاه غير الصحيح، أي في اتجاه تعقيد المسائل على المواطن وجعل مراجعة الإدارات مشواراً حافلاً بالمنغصات والمشقات والمفاجآت المؤلمة الموجعة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home