Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

Monday, 9 June, 2008


نظرات نقدية في الشعـر الشعـبي(*) (4)

من سقطات الشعـراء

د. يونس فنوش

إن الشعراء لا يستخدمون لغة مختلفة عن لغتنا، ولكنهم يتميزون عنا بأنهم قادرون على استخدام هذه اللغة على نحو خاص، يجعلها قادرة على النقل والتعبير. وهذا النحو الخاص لاستخدام اللغة هو ما نقصده بالنحو الفني، وبتعبير آخر هو الفن. وعلى هذا الأساس لا يكون الشعر شيئا آخر غير "المقدرة على استخدام اللغة على نحو يفجر طاقتها الكامنة على التعبير".
بيد أن ما يحدث أحياناً هو ألا يتمكن الشاعر، لأسباب مختلفة، من إنجاز مهمة النقل والتعبير بنجاح، فيقصر، قليلاً أو كثيراً، عن أداء المعنى الذي يهدف إلى أدائه ونقله، وفي أحيان أخرى يفشل في أداء المهمة فشلاً تاماً وفاضحاً. في هذه السلسلة من المقالات سوف أحاول أن أقدم أمثلة على ما تحدثت عنه مما أعتبره "من سقطات الشعراء"، ثم أبذل جهدي لكي أبين للقارئ وجه أو وجوه القصور في التعبير والنقل الفني التي أزعم وجودها في النص المعروض على النظر والتحليل.

* * *

(4) إبراهيم بوجلاوي : المفردة في غير موضعها

وشنافا خنانة هبل راخي بوزه
بين خط شاربها وبين نفاله

اعتاد نقاد الشعر القدامى على ألا يولوا أهمية كبيرة للمفردة في حد ذاتها، باعتبار أن بلاغة الكلام لا تكون إلا بتركيب المفردات بعضها إلى بعض، على ذلك النحو الفني الذي يجعلها قادرة على نقل المعنى إلى القارئ بطريقة مؤثرة وفعالة. ومن ثم فقد كان اهتمامهم الأكبر بالكلمات مركبة بعضها إلى بعض، وليس بالكلمة مفردة معزولة، لأن الكلمة المفردة لا توصف في ذاتها بأنها بليغة أو فصيحة، ولا يقال إنها جميلة أو قبيحة، وإنما تكتسب الفصاحة والحسن من موقعها الذي تأخذه إلى جوار أخواتها، فتتآلف معها على إحسان أداء المعنى، أو تمثيل الشعور الذي يريد الشاعر أن يصفه أو ينقله إلى الآخرين. ومع ذلك فإن في اللغة مفردات تحمل في ذاتها صفة القبح والنفور، لا لأنها في ذاتها غير فصيحة، من حيث إنها مكونة من حروف تجعلها، بسبب تقارب أو تباعد مخارجها، ثقيلة النطق على اللسان، ولكن لأنها من جهة معناها ودلالتها تشير إلى شيء غير محبب أو كريه أو منفّر. ومن ثم فلا يمكن تصورها إلا مستخدمة في سياق الهجاء، الذي يهدف إلى بلوغ أقصى مدى من تحقير وتشويه الشيء المهجو والتنفير منه.
من هذه المفردات التي أتصور أن القراء لا يمكن إلا أن يتفقوا معي بشأنها كلمة "الخنانة"، وهي مفردة عامية تشير إلى إفرازات الأنف التي لا يعود صاحب الأنف قادراً على التحكم فيها، لمرض أو علة مثلاً، فتظل تتسايل على شفته، وربما تيبست هناك واتخذت بعد تجمدها أشكالاً مختلفة، بحسب حجمها وكميتها، ثم بحسب الاتجاه الذي أخذته عند نزولها من الأنف.
ومن هنا فإن "الخنانة" عند الليبي هي في ذاتها دليل على العلة، وشيء كريه أو منفر لا يليق بالمرء أن يحتمل بقاءه فوق شفته أو في جوانب أنفه. ولعله من هذا المنطلق بات احتمال المرء بقاء "الخنانة" سائلة أو متيبسة تحت أنفه وفوق فمه إشارة إلى نقص في العقل أو العناية بالمظهر أمام الناس، ومن ثم فقد باتت بطريقة ما دليلا على أن الشخص "بو الخنانة" هو امرؤ ناقص العقل، أو "هبل" كما نجد لدى بعض الشعراء، حيث تقترن كلمة "الخنانة" بكلمة "الهبل" أي الأحمق قليل العقل.
ولعلنا ندرك أبعاد هذا الكلام عندما نتذكر تلك الأبيات التي وردت لدى خالد رميلة، وهو بصدد وصف الرجل الفارس الشجاع الذي يرى أنه وحده الجدير بأن يمتلك الإبل، فيبدأ أولاً بسلب بضع صفات عن هذا الرجل، قبل أن يشرع في تعداد الصفات الإيجابية التي يجدر به أن يتصف بها، فيقول :

مفيت سيدها يتم بلشوم
والا مرابطاً بو خنانة

والا زاد عشي كما البوم
يعاشر الصغا وكل هانة

والا كيف زراعة الثوم
والا العاطلة من نسانا

ويهمنا من هذه الأبيات السياق الذي استخدم فيه خالد رميلة كلمة "الخنانة"، فقد أتى بها من جهة أنها إحدى الصفات السلبية التي لا يليق بصاحب الإبل أن يتصف بها، وهي أن يكون "مرابطاً بو خنانة". وبالرغم من أننا نعرف أن المرابط، وهو في العامية الليبية: الصوفي الزاهد الدرويش لا يلزم بالضرورة وفي جميع الأحوال أن يكون ذا "خنانة" إلا أن الواضح أن رميلة أراد قاصداً أن يجمع إلى صفة المرابط، وهو الرجل الدرويش البعيد كل البعد عن صفات الفروسية والشجاعة والإقدام على الحرب والصراع التي تقع لدى أصحاب الإبل في قمة أوصاف الرجل الجدير بهذا الوصف، صفة الأحمق أو الأهبل، الذي تظل "الخنانة" تتسايل من أنفه، وتتجمد تحته وحواليه في ذلك الشكل المنفر القبيح.
إذن فقد استخدم خالد رميلة هذه الكلمة، ولا شك أنه كان في هذا الاستخدام موفقاً غاية التوفيق، في سياق الهجاء والسلب. وهو السياق الوحيد الذي نحسب أن كلمة "الخنانة" يمكن أن تستخدم فيه، من حيث دلالتها في ذاتها، كما سبق أن ذكرنا، على معاني وإيحاءات القبح والتنفير.
ولكننا نجد الشاعر الكبير إبراهيم بوجلاوي يتورط في استخدام هذه الكلمة في سياق الغزل، فيأتي بصورة لم نستطع أن نجد لها مسوغاً مقبولا، رغم تقليبنا إياها على مختلف الوجوه التي قد تحتملها، فقد كان بوجلاوي في سياق وصف امرأة، فوصف لباسها وقوامها ومشيتها، ثم وصف شعرها الغزير، وأتي بصورة جميلة لذلك الشعر، الذي انهمرت ضفائره على الجدالة عندما فكتها، كي تطيبها، ثم تعيد ضفرها من جديد، فقال :

ومنك تروح غاردة محروزة
تسايل على ثومة مرادع شاله

طويل القناع اللي ثقيل الروزة
وطاوي الضمير ، ومشيته تستالة

وين تنقضه وتنخنخه من كوزه
طويل ما ح سالفا علي الجدالة

ثم انتهى إلى ذلك الشناف الذي تعلقه في طرف أنفها، وكان بكل تأكيد من وسائل الزينة للمرأة في وقت ما، وواضح أنه قصد إلى الإتيان بصورة تبرز حسن ذلك الشناف، وجمال موقعه بين طرف الأنف وحافة الشفة، ولكنه سقط في تقديري سقطة من تلك السقطات التي لا تغفر حتى لشاعر صغير مبتدئ حيث يقول في وصف ذلك الشناف :

وشنافا خنانة هبل راخي بوزه
بين خط شاربها وبين نفاله

في هذه الصورة المركبة يرتكب بوجلاوي خطأ مركباً فادحاً، فهو يشبه الشناف بأنه "خنانة". ولقد أبَنّا فيما سلف أن هذه اللفظة هي في ذاتها إشارة مركزة للقبح ولجملة من معاني السلب والتنفير. ثم كأن اللفظة وحدها لم تكف في الدلالة على هذه المعاني، وحمل هذه الإيحاءات، فنحده يزيدها تأكيداً، وكأنه يريد أن يزيل أي لبس أو غموض في حقيقة ما يقصد إليه، فيصف تلك الخنانة بأنها "خنانة هبل". وهو هنا يدفع القارئ دفعاً إلى فكرة التمييز بين نوعين من "الخنانة"، فهناك الخنانة التي تكون نتيجة طبيعية للمرض "الزكام"، فلا تخلو أن تسيل حتى من أنف الرجل الكريم المحترم، ومن ثم فلا تكون لها دلالة التنفير ذاتها، التي تكون للنوع الآخر من "الخنانة"، وهي التي تكاد تكون مكوناً لازماً من مكونات الشخص، وهو بالضرورة الشخص الأحمق الأبله ناقص العقل، وهو الذي وصفه بوجلاوي بوضوح ودقة بكلمة "هبل". ثم لم يكتف بهذه الكلمة أيضاً فأضاف إليها وصفاً آخر ليزيدها إبرازاً وتأكيداً وهو قوله "راخي بوزه"، وهي صورة ناجحة بالفعل في أداء معنى الحمق و"الهبل" وقلة العقل، حيث تنعكس هذه الصفات في ملامح وجه هذا الأهبل، فتبدو شفتاه متدليتان مرخيتان، وفمه مفتوحا دائماً، على النحو الذي يجعل سوائل فمه أيضاً تتسايل من جانبي الفم، فتدعم صورة السوائل المتسايلة من الأنف "الخنانة"، وتقوي من دلالتها المنفرة المقززة.
والحقيقة أننا لم نستطع أن نفهم ماذا يقصد بوجلاوي من هذه الصورة: أيقصد إلى وصف جمال وحسن منظر ذلك الشّناف المتعلق بطرف الأنف، أم يقصد إلى القول بأن منظره قبيح منفر. لا شك أن السياق الذي وردت فيه الصورة هو سياق وصف لجمال المرأة، وقد رأينا كيف جاءت صورة "الشّناف"، بعد عدة صور أحسن فيها الشاعر ووفق إلى اختيار مفردات وصور فنية ناجحة، لتنسخ كل هذه الصورة الجميلة الموفقة دفعة واحدة، بوصف هذا الشناف بأنه يشبه "خنانة هبل راخي بوزه". إضافة إلى ذلك فإننا نعجز أيضا عن وضع أيدينا على وجه الشبه بين الخنانة وبين الشناف، فهذا الأخير –كما هو معروف- له شكل حلقة كاملة الاستدارة، في حين أن السوائل المتسايلة من الأنف لا يمكن تخيلها إلا في شكل خطوط أو بقع، يتكدس السائل منها حديثاً من الأنف على ما سبقه وقد برد وتجمد، وربما كان أقرب إلى هيئة ما يتسايل من الشمع، فيتكدس بعضه فوق بعض، بطريقة عشوائية، ولا يكون له في النهاية أي هيئة منتظمة أو متناسقة، فإننا بالطبع نصطدم بتشبيه ذلك الشناف بأنه "خنانة"، فتفعل هذه الكلمة فعلها في تنفيرنا من الصورة، وتجعلنا نتساءل عن نوع أو طبيعة هذا الشناف الذي لا يجد الشاعر ما يصفه به إلا أنه كالخنانة، ثم تتعاضد بقية المفردات التي أتى بها الشاعر في الصورة لدعم هذا الشعور بالنفور والاشمئزاز، عندما يفرض علينا ثلاثة مستويات من القبح هي: خنانة + هبل + راخي بوزه. وكأنه كان حريصاً على ألا يدع أمام خيالنا أية فرصة لاكتشاف أي معنى آخر.
فهل كان إبراهيم بو جلاوي يريد بالفعل أن يهجو هذه الفتاة، التي أبدع في الأبيات السابقة في وصف لباسها الجميل، وقوامها المعتدل، ومشيتها الرشيقة، وشعرها الغزير، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون "سقطة" فنية، وقع فيها، ونحسب أنها لا يمكن أن تغفر له.

د. يونس فنوش
fannush.maktoobblog.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "قورينا" ، الأثنين 9 يونيو 2008.



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home