Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

الأحد 6 يوليو 2008


نظرات نقدية في الشعـر الشعـبي(*) (5)

من سقطات الشعـراء

د. يونس فنوش

إن الشعراء لا يستخدمون لغة مختلفة عن لغتنا، ولكنهم يتميزون عنا بأنهم قادرون على استخدام هذه اللغة على نحو خاص، يجعلها قادرة على النقل والتعبير. وهذا النحو الخاص لاستخدام اللغة هو ما نقصده بالنحو الفني، وبتعبير آخر هو الفن. وعلى هذا الأساس لا يكون الشعر شيئا آخر غير "المقدرة على استخدام اللغة على نحو يفجر طاقتها الكامنة على التعبير".

بيد أن ما يحدث أحياناً هو ألا يتمكن الشاعر، لأسباب مختلفة، من إنجاز مهمة النقل والتعبير بنجاح، فيقصر، قليلاً أو كثيراً، عن أداء المعنى الذي يهدف إلى أدائه ونقله، وفي أحيان أخرى يفشل في أداء المهمة فشلاً تاماً وفاضحاً.

في هذه السلسلة من المقالات سوف أحاول أن أقدم أمثلة على ما تحدثت عنه مما أعتبره "من سقطات الشعراء"، ثم أبذل جهدي لكي أبين للقارئ وجه أو وجوه القصور في التعبير والنقل الفني التي أزعم وجودها في النص المعروض على النظر والتحليل.

* * *

(5) وصف العيون الجميلة

عين بنتّم مَي مْهَلّعَة تهليعة
تشْريط هَبَل في بايد غَشَمْ تمزويعه
روفة الدعبوب

* * *

لقد رسخ في تراثنا الثقافي عامة، وفي ذائقتنا الفنية خاصة، اعتبار اتساع العينين في المرأة من علامات الحسن والجمال، فإذا ما اجتمع في عيني المرأة الاتساع والاستدارة إلى الحور، وهو (شدة بياض بياض العين، وشدة سواد سوادها) فقد اكتمل للعين غاية الحسن والسحر والجمال. يقول الشاعر الغنائي الليبي (عيونك كبار وسود من مولاهن). ويقول عبد الله بالروين:
مع بو عيون وساع وين يشبن
يزيدن سواد مع بياض جبينه

ويقول حسن لقطع:
وسعدى كما ملك داخل جنينة
بالسود الوساعي
اللي تخزره بات ياله الضياعي

وقد ظل الشعراء يَفْتَنّون في ابتداع الصور التي يرون أنها أكثر قدرة وفعالية على تجسيد هاتين الصفتين على أفضل وجه، فشبهوا عيني المرأة الواسعة المستديرة بعيني الصقر، في مثل الصور التي شاع استخدامها حتى صارت مكررة ضعيفة الأثر الفني، من قبيل قولهم "عين الفليت الدامي" أو "عيون الدامي بو كمبيل"، أو يشبهون العينين الجميلتين بعيني الغزال أو الظبي أو "جدي الريم"، لكن السقوط في منـزلق المبالغة يجر الشاعر في أحيان كثيرة إلى ما لا تحمد عاقبته، حين يجرفه بعيداً عن الغاية التي يسعى إليها من وراء بحثه عن إبداع الصورة الفنية الكفيلة بنقل ما يجد من إحساس، أو ما يريد تصويره من شعور، أو الإيحاء به من معان ومضامين.

وقد وجدنا شاعرنا الذي نستشهد ببيت له في هذه الحلقة قد وقع في هذا المحظور، إذ جره البحث عن الصورة الطريفة التي تحاول استنـزاف المعنى إلى أقصى حد، إلى الانحراف تماماً عن القصد والغاية. لقد كان هدفه الذي سعى لبلوغه هو تصوير عيني الحبيبة الواسعتين، ولكننا نفاجأ به يخفق منذ البدء في وصف الفعل الذي أنتج هاتين العينين الواسعتين، ففي حين نجد الشعراء يحرصون عادة على تصوير الفعل الذي نتج عنه جمال المرأة وحسنها بأنه فعل صانع خبير ماهر في صنعته، وكثيراً ما يجعلون هذا الصانع صائغ جواهر وحلي، لتوظيف معنيين في آن معاً، هما نوع المادة التي تكون محلاً للصناعة، فتُجعل مادة ثمينة مثل الذهب والفضة وما إليهما، والدرجة العالية من المهارة في الصنعة التي تلزم لتحويل تلك المادة الثمينة إلى قطع من الحلي والجواهر، التي تتمايز بقدر ما يضع فيها الصانع من حسن الذوق، ودقة الصناعة ومهارتها.

هذا ما نجد خالد رميلة يجسده أفضل تجسيد في بيت له يصف فيه تلك المرأة الجميلة بأنها:
قطعه ذهب غير السطى صرّفّا
على وصف بونادر يبيطر بيده

حيث نراه يبدع في القول بأنها "قطعة ذهب" فيخرج بها في لمحة إبداع خاطفة عن عالم اللحم والدم، ثم يجعلنا نتخيل قطعة الذهب تلك وهي تتحول في يد الصانع الماهر "اسطى" إلى جوهرة ساحرة أبدع في صنعها، وهو يجسد فيها أوصاف الحسن والجمال التي يمكن للمرء أن يسمو بخياله إليها.

وهذه الصورة هي ذاتها التي نجدها عند حسن لقطع في وصفه سعدى إذ يقول:
روح ف ايدمي لاي كذب لاي تقاقة
صَيّاغ لير من قطعة ذهب صَنَّفّا

أو قوله في سعدى أيضاً:
قطعة ريل من صَيّاغ صب
صنعها صنع فايق ع الصناعي

حيث نجد التركيز ذاته على استثمار مفردات صياغة الجواهر والحلي، فالفتاة الجميلة هي قطعة ذهب، عكف على صناعتها "صيّاغ لير"، ووُفِّق فيما أراده حتى تفَوَّق على سائر الصائغين والصناع. وهكذا نجد أن الشعراء يسعون جهدهم للتسامي بالصورة إلى أقصى مداها، فينقلوننا إلى عالم آخر، مفرداته المادة الثمينة العالية القيمة، والصانع الماهر الحريص على بلوغ الغاية من دقة الصناعة وجمالها، ولنا أن نتخيل مع الشعراء هيئة الصائغ الماهر الحريص، وهو يتأنى في صنعته ويبذل فيها قصارى ما لديه من علم وخبرة ومهارة وإبداع.

فإذا ما حملنا معنا هذا العالم الثري بمثل هذه الإيحاءات، وانتقلنا إلى بيت الشاعر الذي نعرضه على النظر في هذه الحلقة، سوف نشعر جميعاً بحجم الكارثة "الفنية" التي ارتكبها، فالدعبوب يسمي الفعل الذي قام به صانع هاتين العينين بأنه "تشريط" ونحسب أن فعل "التشريط" أو التمزيق أقرب إلى عالم النسيج القابل لأن يُمَزَّق أو يُقَطَّع، منه إلى عالم الجوهر الثمين أو المادة الغالية التي جعلها الشعراء الآخرون ذهبا نقياً. والمفردة في حد ذاتها (أي التشريط) تحمل من إيحاءات العشوائية والفعل السريع الأهوج أكثر بكثير مما تحمل من إيحاءات الدقة والصنعة والمهارة. ومع ذلك فإن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ نرى الشاعر يحرص حرصاً ملحوظاً على إبعاد أي شبهة قد تحوط فعل "التشريط" هذا، من قبيل تخيل أن الذي يقوم به صانع ماهر في صنعته، مثل حائك خبير، حين يضع مقصه أو يده في القماش يقصه بمهارة ودقة، فيقول الدعبوب إن هذا الذي يقوم بفعل التمزيق هو "هبل"، وهذه مفردة كافية وحدها تماماً لجعلنا نتخيل نوع النتيجة التي يمكن أن ينتهي إليها فعل "الهبل". ومع ذلك فإن الشاعر لا يكتفي بما تحفل به كلمة "الهبل" من دلالات ومضامين، فيصف فعل هذا الهبل بأنه "غشم" (غشم تمزيعه). فلعله شعر بأن كلمة هبل لا تكفي لأداء الحد الأقصى من المعنى الذي يريده، فجعل هذا الأهبل غشيماً. والغشيم في العامية كلمة قوية الدلالة على جملة من إيحاءات الابتعاد التام والكامل عن المهارة والتمكن من الصنعة، والغشيم هو بصفة عامة من لا يحسن الفعل والصنع، في أي عمل يقوم به. ولنا أن نتخيل هذا الغشيم وهو يخلق أو يصور هذه الفتاة فـ "يشرط" عينيها تشريطاً، أو "يمزعها" تمزيعاً، ماذا يمكن أن تكون النتيجة: فتحة أو خرقاً لا شكل له، يذهب في كل اتجاه، وعلى غير نسق.. ببساطة شيء أبعد ما يكون عن الدقة والمهارة والإتقان في الصنع.

وقد كان يكفي هذا الحد لتأكيد تلك السقطة الفنية التي وقع فيها الشاعر، ومع ذلك فإننا نجده يزيد على هذا الحد أمراً آخر، وكأنه كان حريصاً على تأكيد قصده الواعي لما ذهب إليه في تصوير هاتين العينين. فنراه يصف هذا القماش الذي يقول إن ذلك الهبل الغشيم يقوم بتمزيقه "تشريطه" بأنه "بايد"، أي نسيج أو قماش مهترئ فاقد لكل معاني القوة والتماسك، ومن ثم فإن أدنى حركة أو لمسة كفيلة بأن تمزقه وتذهب به "مزعاً". وبالطبع مثل هذا النسيج "البايد" من شأنه أن يتمزق من تلقاء ذاته، حتى لو أمسكت به يد حائك أو صانع حريص بالغ الدقة في تناوله، فما بالك إذا تخيلنا هذا القماش "المهترئ" وهو يقع تحت يد "غشيم" تأخذ في تمزيعه وتمزيقه: هل يمكن أن نتخيل ما يحدث له وفيه؟
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "أخبار بنغازي" ، 6/7/2008 .



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home