Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

الثلاثاء 4 نوفمبر 2008

هون وأبناؤها

نموذج رائع للعمل الأهلي المبدع

أتاح لي أصدقاء من أبناء مدينة هون فرصة ثمينة للقدوم إلى مدينتهم الجميلة، لحضور الدورة الثالثة عشرة لمهرجان الخريف الثقافي، والمشاركة في فعالياته بمحاضرة. وقد لبيت هذه الدعوة مرحبا وسعيداً بها، لما كنت أسمعه من أحاديث عن مهرجان الخريف، تنبئ بالفعل عن تجربة ممتازة في مجال إحياء الموروث الشعبي والمحافظة عليه.

والحقيقة أن أبناء هون أتاحوا لي قبل كل ذلك أن أطلع عن قرب على تجربتهم في مجال العمل الأهلي التطوعي، التي أرى بالفعل أنها تصلح نموذجاً يحتذى به في هذا المجال.

لقد روى لي الأصدقاء في هون قصة مسيرتهم الشاقة والمضنية نحو بلوغ جزء من أهدافهم في الحفاظ على مدينتهم وتراثها. ولعل أروع وأهم ما يجب التنويه إليه في هذه المسيرة خطواتها الأولى التي شهدت معارك ضارية وشرسة خاضتها نخبة من مثقفي المدينة في سبيل استنقاذ ما كان ممكناً إنقاذه من مدينة هون القديمة، حيث عاشوا بعمق وبحرارة فجيعة رؤيتهم معاول الهدم من خلال جرافات "الحكومة" وهي تشرع في التهام بيوت المدينة القديمة، وتدمرها وتمسحها مسحاً من على وجه الأرض، بحجة الحاجة إلى شق شوارع أو إقامة ساحات.

لقد شعر هؤلاء الرجال بالفجيعة تعتصر قلوبهم، لأنهم كانوا يدركون أن كل حجر في تلك المباني التي تلتهمها الجرافات هو جزء من التاريخ: تاريخ المدينة وأهلها وتراثها، فتنادوا فيما بينهم، وشكلوا لجنة للعمل على بذل الممكن لإنقاذ المدينة. وأخذت هذه اللجنة تبذل كل الجهود التي كانت ممكنة، متصلين بالجهات ذات الاختصاص، ورجال الدولة ذوي النفوذ، داخل مدينتهم وخارجها، حتى استطاعوا أن يحققوا أول إنجاز في طريقهم الطويلة، وهو الحصول على موافقة الجهات الرسمية على اعتبار المدينة القديمة جزءاً من التراث والتاريخ الوطني، ومن ثم الموافقة على وقف إجراءات الهدم فيها.

وكانت تلك خطوة بالغة الأهمية..منحت أولئك الرجال بعض الثقة في أن الأمل الكبير الذي كانوا يحلمون به بات قابلاً للتحقق.. ومن ثم شرعوا في بذل الجهود، وخوض المعارك الإدارية الرسمية، والتعبوية الشعبية، للحصول على قرار آخر من السلطات الرسمية بالموافقة على إخلاء المدينة القديمة من السكان (الأجانب في معظمهم) الذين سكنوها بعد أن انتقل أهلها إلى بيوتهم الحديثة التي أخذوا يشيدونها في مواقع أخرى في الضواحي.

وكانت تلك أيضاً معركة ضارية وشرسة، تعرض فيها أبناء هون لمقاومة عنيفة لخططهم، لا من الساكنين فقط، ولكن أيضاً من بعض ذوي الغرض والمصلحة الشخصية الضيقة من أبناء المدينة الذين كانوا يحققون من وراء تأجير المساكن واستثمارها منافع شخصية مختلفة..

ومرة أخرى يحقق أبناء هون انتصاراً رائعاً على كل عوامل الهدم والتخلف التي كانوا يصارعونها، فحصلوا على ما يلزم من قرارات وإجراءات لإخلاء المدينة القديمة من أولئك السكان.

وإني لأكاد أعيش معهم بوجداني ذلك الإحساس الرائع بالراحة وغبطة الانتصار حينما حل ذلك اليوم الذي يدخلون مدينتهم القديمة الجميلة فيجدون بيوتها خالية من السكان الذين كانوا يشوهون مشهدها التاريخي، ويغطون بروائح مخلفاتهم البشرية، رائحة التاريخ وعبق الماضي، الذي كان يئن تحت وطأة مخلفات الحضارة.. فأخذ يتنفس من جديد هواء نقياً، ويتهيأ لاستعادة حياته التي طغت عليها طبقات التخلف التي تراكمت عليها تحت ما يسمى زوراً وخطأ التحضر والتمدن.

وهنا وجد أبناء هون أن حلمهم بالمحافظة على المدينة وتاريخها، قد بات في متناول أيديهم، وأنه من تلك اللحظة صار رهناً بقدرتهم على البذل والعطاء، لإكمال بقية الخطوات..

وهنا تجلت في أروع صورة روح المبادرة والتطوع وإنكار الذات، حيث تنادى العديد من أبناء المدينة، شباناً وكهولاً وشيوخاً، رجالاً ونساءً وأطفالاً، لخوض معارك من نوع آخر، تمثلت في تنظيف المدينة من مخلفات السكان، وبناء سور حولها، ثم الشروع في صيانة وترميم المباني التي وجدوا أن من الممكن ترميمها.

ثم نشأت لديهم فكرة إقامة مهرجان ثقافي تراثي، يسعون من خلاله إلى إحياء تراث آبائهم وأجدادهم، لأجل المحافظة عليه من الضياع والنسيان والاندثار من جهة، ومن جهة أخرى لتحمل أمانة نقل هذا التراث إلى الأجيال الناشئة من أبنائهم وأحفادهم.

ولأسباب معينة اتفقوا على اختيار اليوم الثلاثين من الشهر العاشر من كل سنة لإقامة ذلك المهرجان الذي يستمر لمدة ثلاثة أيام، يقيمون خلالها عروضاً مختلفة للأزياء التقليدية والاحتفاليات التراثية التي كانت تمارس في الماضي، وعروضاً لتجسيد أنماط من الحياة اليومية للسكان، وتخصص عشية اليوم الثالث لاحتفالية تمارس خلالها بعض الألعاب الرياضية التقليدية مثل لعبة شد الحبل ولعبة المصارعة وغيرهما.

وعلى الرغم من شح الإمكانات، ونقص التجهيزات الملائمة، إلا أن المهرجان في عمومه كان ناجحاً وممتازاً، فقد استمتع الجمهور أيما استمتاع بالعروض الفنية، كتلك التي جسد فيها الأطفال عدداً من الألعاب والاحتفاليات التقليدية التي كانت شائعة في الماضي، أو استعراض احتفالية العرس الشعبي، حيث تعرفنا على الملابس الخاصة التي كانت تلبسها العروس في مختلف أيام العرس، أما في صبيحة اليوم الثالث فقد جسد أطفال وبنات هون الصغار الحياة اليومية التي كان يمارسها آباؤهم وأمهاتهم، كالرحي ودق النوى وإعداد الصوف وتنظيفه، ثم الغزل والنسيج والطبخ..إلخ

وقد لفتت نظري ظاهرتان: إحداهما حرص أهالي هون على تشجيع أطفالهم الصغار على الظهور بالملابس التقليدية، ولا أشك في أن ذلك يؤدي أهدافاً لا تخفى على المتأمل، فهي تربط الصغار بتراث آبائهم وأجدادهم، وتغرس في نفوسهم معرفة تفاصيل كثيرة عن ذلك التراث ومفرداته المختلفة. ومن ثم تلتئم حلقات التاريخ بين الأجداد والأحفاد، فيبقى التراث حياً في النفوس، وتترسخ في القلوب والعقول فكرة أننا شعب له ماض عريق، وأننا لم نظهر على وجه الأرض دون جذور راسخة في أعماق تربة التاريخ والزمن.

أما الظاهرة الثانية، فما لاحظته على الروح العامة السائدة لدى الناس، فقد لفت نظري أن الناس كانوا في الغالب مبتسمي الشفاه والعيون، وتظهر في وجوهم الطيبة وحسن المعشر. ولعل هذه الظاهرة لفتت نظري أنا بوجه خاص، لأني قدمت إلى هون من مدينة باتت الابتسامة فيها على الوجوه عملة نادرة، وصارت العلاقة بين الناس فيها تقوم على التنافر والتناحر، واصطياد الأخطاء والهفوات، والاستعداد التام للرد العنيف على أبسط موقف أو حادث.

وإني إذ أشد على أيادي أهالي هون الطيبين الرائعين، وأتمنى أن يظلوا محافظين على هذه الروح التي نجحوا في غرسها وبذرها في نسيج حياتهم، أعبر عن أمل في أن يوجد في إدارتنا الرسمية أو الشعبية من يلتفت إلى هذه التظاهرة التراثية الثقافية، فيدعمها ببعض الإمكانات التي لا تزال تنقصها، مثل توفير المقر الإداري المناسب للجنة المشرفة على المدينة القديمة وعلى المهرجان، وتجهيزه بما يلزم من الأدوات الفنية الضرورية لأداء أعمال التوثيق والحفظ والتخزين، وكذلك توفير مكان ملائم لإقامة معرض أو متحف دائم للمقتنيات الشعبية والصناعات التقليدية، يكون مزاراً للسائحين ونافذة مفتوحة على الدوام على التراث الشعبي للمدينة.

ولقد تأكدت مما شاهدته أن مهرجان الخريف بات جديراً بأن يحظى بعناية على الصعيد الوطني، فيتحول إلى مهرجان وطني وعالمي، تدعمه الدولة والإدارات الشعبية والرسمية بما يلزم، من توفير البنية التحتية ومرافق الخدمات والمواصلات التي سوف تكون ضرورية لإعداد المدينة لاستقبال الأعداد الكبيرة من السائحين والزائرين الذي سوف يشدهم المهرجان فيقصدون مدينة هون لحضوره والتمتع بأيامه الثلاثة، الزاخرة بمختلف الفعاليات والأنشطة الاستعراضية والفنية والموسيقية..

فتحية لأصدقائنا من أهل هون.. ودعاء لهم بالتوفيق..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home