Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Younis Omar Fannush
الكاتب الليبي د. يونس عمر فنوش


د. يونس فنوش

Monday, 2 June, 2008


نظرات نقدية في الشعـر الشعـبي(*) (3)

من سقطات الشعـراء

د. يونس فنوش

إن الشعراء لا يستخدمون لغة مختلفة عن لغتنا، ولكنهم يتميزون عنا بأنهم قادرون على استخدام هذه اللغة على نحو خاص، يجعلها قادرة على النقل والتعبير. وهذا النحو الخاص لاستخدام اللغة هو ما نقصده بالنحو الفني، وبتعبير آخر هو الفن. وعلى هذا الأساس لا يكون الشعر شيئا آخر غير "المقدرة على استخدام اللغة على نحو يفجر طاقتها الكامنة على التعبير".
بيد أن ما يحدث أحياناً هو ألا يتمكن الشاعر، لأسباب مختلفة، من إنجاز مهمة النقل والتعبير بنجاح، فيقصر، قليلاً أو كثيراً، عن أداء المعنى الذي يهدف إلى أدائه ونقله، وفي أحيان أخرى يفشل في أداء المهمة فشلاً تاماً وفاضحاً. في هذه السلسلة من المقالات سوف أحاول أن أقدم أمثلة على ما تحدثت عنه مما أعتبره "من سقطات الشعراء"، ثم أبذل جهدي لكي أبين للقارئ وجه أو وجوه القصور في التعبير والنقل الفني التي أزعم وجودها في النص المعروض على النظر والتحليل.

* * *

(3) حسن لقطع والوقوع في شرك المبالغة

لا أحد بالطبع يمكن أن يجادل في المرتبة العالية التي يحتلها حسن لقطع في تاريخ الشعر الشعبي بشكل مطلق. وإذا لم يكن من حقي أن أعمم أي حكم على ألسنة الآخرين، فإني أحسب أن من حقي أن أقول إني أعتبر حسن لقطع لا من كبار شعراء العامية الليبية فقط، بل من فحول شعراء العربية على الإطلاق.
بيد أن هذا الحكم الذي نعبر به عن تقديرنا لمكانة لقطع من الشعر والبيان، لا يمنعنا من ممارسة ما تفرضه علينا الموضوعية العلمية، من كشف ما قد نجد أن هذا الشاعر الكبير قد وقع فيه من "سقطات" فنية، نحسب أنه قد خانه فيها التوفيق، وأنه قد قصر عن القمم الفنية التي عادة ما يرتفع إليها في معظم شعره.
وقد وقعت تحت يدي خلال تصفحي وتناولي لأشعار لقطع بعض أمثلة لما أحسب أنه مواقع خانه فيها التوفيق في التعبير عن المعنى الذي يريد أن يعبر عنه، وهي مواقع أظن أنه وقع فيها نتيجة تلك الروح المتأصلة فيه لما أسميه "استنـزاف المعنى"، أي المبالغة فيه والمضي به إلى أبعد من المدى الملائم والضروري لأداء الصورة الفنية المطلوبة، حتى أنه ينتهي إلى ما يكاد يكون نقيضاً للمعنى المراد، أو على الأقل يكون زيادة وحشواً يفسدان المعنى والصورة إفساداً.
من هذه الأمثلة، قول لقطع في وصف جدائل أو ضفائر شعر الحبيبة، بقصد واضح إلى تصوير غزارة ذلك الشعر وطوله :
تقدر تشيل اثنين في سالفا
تسرح بهم وتحوش مي شرقانة

وأول ما يتبادر إلى ذهني، إن لم يتبادر إلى أذهان القراء، هو التساؤل عن غاية الشاعر وهدفه من هذه الصورة: ماذا يريد أن يقول بالضبط؟ وماذا يريد أن يصف؟ أيريد أن يصف غزارة وطول شعر الحبيبية، أم أنه يريد أن يصف قوتها البدنية؟ يحق لنا بالطبع أن نستبعد أن يكون هذا الأخير هو هدفه، فالمرأة عموماً، والحبيبة من باب أولى، لا يصح مطلقاً أن توصف بالقوة البدنية، بقدر ما يليق ويصح أن توصف بالرقة والضعف الأنثوي المحبب، والأقرب إلى طبيعة خلقها.
إذن فربما يحق لنا أن نجزم بأن تصوير الحبيبة بأنها ذات قوة "بدنية" خارقة لم يكن مطلقاً هو هدف الشاعر، ومن ثم يحق لنا أن نتأمل الصورة التي أتى بها، وأن نعرضها تحت مجهر النقد والنظر. فلنحاول أن نتخيل هذه المرأة التي تستطيع أن تحمل شخصين يتعلقان بضفيرة شعرها "سالفّا"، فلا تكاد تشعر بأن ثمة شيئاً متشبثاً بضفيرتها، حتى أنها تستطيع أن تذهب وتتحرك لقضاء حوائجها، ثم تعود إلى البيت، وهي في غاية الراحة والهدوء، لا أثر عليها من إجهاد أو تعب "مي شرقانة". فماذا يمكن أن تكون هذه المرأة: أولاً لا بد أن تكون بالغة الطول بشكل أسطوري، كي يمكن أن نتخيل صورة شخصين يتشبثان بضفيرة شعرها، ويتدليان منها. وثانياً أنها لابد أن تكون بالغة الضخامة، بحيث أن حجم ووزن شخصين (مهما كان هذان الشخصان صغيري الحجم) لا يمثل مقاربة بحجمها هي إلا ما تمثله ريشة أو ذبابة مقارنة بجسم ثور أو فيل مثلاً. فماذا تعني ذبابة أو نملة حطت على قرن ثور، إنه لا يشعر بها مطلقا، ويمضي يعيش حياته، ويقضي أموره، دون أن يحس أصلاً أن ثمة شيئاً موجوداً على قرنه، ويظل يذهب ويجيء وهو بعيد مطلقا عن الإحساس بأي تعب أو إزعاج، بالضبط كما تفعل هذه المرأة الخارقة في بيت حسن لقطع. إنها من الضخامة مقارنة بحجم هذين الشخصين بحيث أنها لا تحس بهما مطلقاً وهما يتشبثان ويتدليان من ضفيرتها، فتمضي لأمورها "تسرح" ثم تعود "تحوش" وهي لا تحس بأي تعب أو إرهاق "مي شرقانة".
فهل كان من قصد لقطع بالفعل أن يصف امرأة في مثل هذه الضخامة التي قد تفلح في نقلنا إلى عالم الخرافات والأساطير، حيث توجد الكائنات الخارقة للمعتاد، من مثل العملاق الذي يمكن أن يضع رجلاً في قبضة يده، أو يمسكه بطرفي أصبعيه، أو التنين ذي الرؤوس السبع ..إلى غير ذلك من تلك المخلوقات الخيالية التي حفل بها تراث الإنسانية وصورت في أساطيرها الخرافية.
لنا بالطبع أن نجزم بأن الشاعر لم يقصد إلى ذلك ولا أراده، ففي أبيات قصيدته كلها كان همه الوحيد هو وصف جمال هذه المرأة، وقد تدرج في ذلك الوصف حتى انتهى إلى وصف شعرها. فأخفق إخفاقاً مؤسفاً في بلوغ الهدف؛ إذ نجده يتورط في هذه الصورة التي تبعده تماماً عن مجال وصف جمال شعر هذه المرأة، من حيث طوله وغزارته ولونه ونعومته مثلاً، لتذهب به بعيداً جداً فيأتي بصورة كل ما تفيده هو الخروج بهذه المرأة من عالم النساء الجميلات الساحرات، إلى عالم الكائنات الخارقة، في الضخامة والقوة والخروج عن مقاييس المعتاد والمعقول.
مثل هذه السقطة في شرك المبالغة وقعت لحسن لقطع في بيت آخر من قصيدة يصف فيها جمال شابة تدعى "امباركة"، فيذكر شعرها الغزير الذي يشبهه بأنه "كما دكة نخيل ذكورة"، ثم يندفع مع الصورة إلى ما يتجاوز المدى المعقول، فيقول:
م الزيت والحوائج ياخذن ميزورة
غزير نبتن واشعل طوال عرابه

وبالطبع المشكلة ليست في أن هذا الشعر الغزير يحتاج إلى كمية من الزيوت والمواد العطرية التي كانت تستخدم لضفر خصلات شعور النساء أكثر مما يحتاجه شعر امرأة أخرى لا يكون على نفس القدر من الغزارة والطول والكثافة، ولكن المشكلة هي في تخيل هذا المقدار الذي يزعم لقطع أنه يلزم لتطييب وتعطير شعر هذه المرأة الشديد الغزارة، فهو يقول إنه بقدر "ميزورة"، ونحن نعرف أن الميزورة هي مكيال كبير تكال به الحبوب من القمح والشعير، ومقداره (15) كيلوجراماً تقريبا. فهل نستطيع أن نتخيل ما شكل هذا الشعر الذي يلزم لتطييبه هذا القدر الهائل من "الزيت والحوائج"، إنه بكل تأكيد أكبر وأغزر من شعر أي امرأة عادية، مهما بالغنا في وصف ذلك الشعر وتصوير مدى غزارته وطوله. وقد رأينا الشعراء يصفون الشعر الغزير وكأنه ينهمر انهماراً دون حدود "هيل بلا كيل"، وأنه يظهر في شكل قطع كبيرة "زناكيل"، ويفلح شاعر في تصوير لونه الأسود بوصفه بأنه "تقول قطع ليل"، وذلك في البيت المتداول ولا يعرف صاحبه :
غثيث لريل هيل بلا كيل
اسود بلحيل
زناكيل تقول قطع ليل

ولكن هذا الشاعر لا يتورط في مزيد من التحديد المحسوب بالأرقام والمقادير، فيظل تعبيره في حدود المعقول والمقبول، يل إنه يوفق أيما توفيق، في نقل الصورة الفنية المطلوبة، وهي الإيحاء بغزارة هذا الشعر وسواد لونه.
ولقد رأينا بعض الشعراء قد نرى أنهم يبالغون قليلاً في هذا الصدد، ولكن مبالغتهم تظل في حدود المبالغة الفنية غير الممجوجة، كأن يقول أحدهم إن ذلك الشعر يصل إلى الأرض، كما قال علي الساعدي :
سفيتي خجل هالب اكعابك طوله
نزيل غيم في سفوة ارجاع اكيدة

أو أنه يتعب النساء العاملات على تطييبه وضفره في خصلات أو جدائل "كاد الضفار والجدال"، أو أن صاحبته إذا ما فكت ضفائره المجدولة وأطلقته، فإنها لا تفلح في ضمه ولمه "وين حدر وحلت في لمه"، أو كما قال أحدهم، إنها يمكن أن تتخذ من شعرها فراشاً وغطاء ووسادة من شدة غزارته، كما يقول عبد السلام بوجلاوي :
وودور وين ما نقض الجسم يواري
تديره غطا وفراش ويوسدها

ولكن الشعراء عادة ما يقفون عند هذا الحد ولا يتجاوزونه، كما فعل شاعرنا الكبير حسن لقطع، فوقع في المحظور، ونحسب أنه وقع، دون أن يفطن، في شرك المبالغة، التي قوّلته ما لا يحسن قوله، بل إنها جعلته يقول عكس ما كان يريد أن يقول تماماً.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "قورينا" ، 2/6/2008 .



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home