Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الاحد 26 ابريل 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (5)

ياسين ابوسيف ياسين

كانت محاكمة الشيخ الثانية محاكمة صورية سريعة قضت بإعدامه للمرة الثانية فأودع السجن ريثما يحل موعد تنفيذ الحكم. كان نائب مدير السجن الكبير في بنغازي السيد محمد افتيته رجلا إداريا صارما ذا خبرة كبيرة في شئون السجن وكانت تستعين به الحكومة في تصريف الأمور العادية الخاصة بالمساجين الليبيين لمعرفته بعاداتهم وتقاليدهم ويقال أنه كان  محبوسا  ليلا طليقا نهارا يدير السجن بكفاءة عالية .

وضع الشيخ في الزنزانة وكان معه هذه المرة رفيق آخر هو السيد عمر الدرفيلي    المحكوم بالإعدام أيضا بتهمة مساعدة المنشقين وتسريب المعلومات إليهم مع أنه كان يشغل منصبا حكوميا هو مدير ناحية وكانا يعرف كلا منهم الآخر من زمن طويل فما لبثا أن أصبحا صديقين حميمين تجمعهما وحدة المصير والهدف.

كان السيد عمر الدرفيلي شريك الشيخ في زنزانته من مدينة بنغازي وكان صديقا عزيزا للسيد محمد افتيته نائب مدير السجن فكان هذا الأخير ينقل إليه آخر تطورات القتال على الجبهة وما يجري على الأرض الليبية من معارك ضارية.

مع مرور الأيام توطدت أواصر العلاقة بين الشيخ والسيد عمر الدرفيلي حتى باتت تجمعهما في السراء والضراء مواقف مشتركة إن دلت على شيء فإنما  تدل على الشجاعة ونبل الأخلاق لكل من الرجلين وأتت ثمارها فيما بعد.

كان الشيخ صابرا مستأنسا برفيقه في محبسه يروي كل منهما ما جرى معه من أحداث منذ عهد الخلافة العثمانية وكيف تخلى الأتراك عن ليبيا لصالح إيطاليا وعن الجهاد والحروب التي خاضها الشيخ تحت قيادة نائب الخليفة السيد أحمد الشريف السنوسي حيث تولى في الجيش الوطني  قائد قراقولات سرت برتبة قائم مقام(عقيد) مع أن الفارق شاسع بين الطرفين فأحدهما يمثل حياة الحضر وسكان المدن والآخر يمثل حياة البدو الرحل ولكنهما يجمعهما حب الوطن والذود عن كرامته والتضحية بكل نفيس وغال في سبيله وفي سبيل عقيدته ودينه .

وذات يوم دخل عليهما السيد محمد افتيته مسرعا ليخبرهما بخبر عرفه لتوه من الآمر الإيطالي للسجن بأنه نظرا لاقتراب الجيش الإنجليزي بقوة من بنغازي فقد  قررت إيطاليا الانسحاب منها على وجه السرعة وطلب منه إعداد قائمة بأسماء المحكومين بالإعدام والسجن المؤبد لنقلهم في بواخر إلى إيطاليا لتنفيذ العقوبة هناك أما المحكومين بأحكام أقل فيطلق سراحهم على أن يتم ذلك بصفة عاجلة فجر اليوم التالي.

ونظرا للعلاقة الحميمة التي كانت تربط بين السيدين افتيته و الدرفيلي كان من رأي السيد افتيته أن يدرج أسمه  في قائمة المفرج عنهم – رغبة في إنقاذه من الهلاك -  مستغلا السرعة التي يجب أن ينتهي بها الموضوع  وهنا دار الحوار التالي بين ثلاثتهم  في الزنزانة :

افتيته : ما رأيك في هذا القول؟

الدرفيلي : إنك بذلك تعرض نفسك للخطر وأنا لا أرضى لك بذلك

افتيته : لا عليك فإن السرعة التي يجب أن يتم بها الأمر لا تجعل هناك مجال للتفكير عندهم وكل همهم الهروب بأقل الخسائر الممكنة

الدرفيلي : ورفيقي هذا ؟

افتيته : لا أستطيع عمل شيء له فبمجرد النطق باسمه يعرفونه وتفشل الخطة تماما  

الشيخ : يا عمر اسمع كلام المدير أن في قوله عين العقل

الدرفيلي : لا يمكن ... يا نموت سوا يا نعيش سوا

الشيخ : إن في خروج أحدنا ما قد ينفع الثاني , على الأقل ينجى واحد منا ويبحث للآخر على بوكاتي في إيطاليا

الدرفيلي : لا يمكن ... "ما تنحسبش"  علي يقولوا  "سيب" رفيقه, "اللي بيا بيك" وخليها على الله . 

وهنا وجد افتيته أنه لا فائدة من محاولته إنقاذ صديقه فرضخ للأمر الواقع وانسحب من الزنزانة آسفا .

قال الشيخ معاتبا صديقه على رفض العرض الذي جاء به مدير السجن كيف ترفض مثل هذا ؟ أيعجبك أن نموت كلنا؟ وهنا رد الدرفيلي في شجاعة وتحدي هل لو كنت مكاني أكنت تقبل ذلك ؟   

سكت الشيخ ولم يرد وفي قراره نفسه كان يقول هكذا تكون تضحية  الأصدقاء. .

بعد ساعة عاد السيد افتيته ليقترح اقتراحا آخر رغبة منه في الإبقاء علي حياة صديقه الدرفيلي :

افتيته : لقد فكرت مليا في الموضوع وخطرت على بالي فكرة أرجوا أن تسمعاها

الدرفيلي : ما هي؟

افتيته : عند قراءة أسماء قائمة المفرج عنهم ألا أنطق باسم الشيخ بل أتمتم بكلمات غبر مفهومة في ذيل القائمة ليخرج هو على مسؤوليته الخاصة  فإن تم ضبطه لا يمسني سوء فلم أذكر اسمه

الشيخ : هذا اقتراح وجيه

الدرفيلي : كما تريان على بركة الله

كان الشيخ يدرك أن ما يقترحه السيد افتيته مصيره الفشل فهو معروف تماما لدى ضباط السجن الإيطاليين فلن تنطلي عليهم مثل هذه الحيلة وسرعان ما يكتشفوا الأمر ولكنه وافق رغبة منه في إنقاذ رفيقه .   

عند فجر اليوم التالي تم جمع المساجين في ساحة السجن وسط استغراب الجميع ودهشتهم  وأمام نائب المدير محمد افتيته واثنان من الضباط الإيطاليين طلب منهم أن كل من يسمع اسمه فليخرج ويقف في الناحية الأخرى من الساحة وبدأ في تلاوة الأسماء إلى أن وصل إلى ذيل القائمة فتمتم بالعبارة المتفق عليها فخرج الشيخ – وهو يقرأ في سره من سورة ياسين " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون "  ليلحق برفيقه في الناحية الأخرى.

وهنا حدثت المفاجأة , تقدم أحد الضباط الإيطاليين من افتيته يطلب منه إعادة قراءة الأسماء وقال لهم أن كل واحد يسمع اسمه يعود لمكانه من حيث أتى. واضطر افتيته أن يعيد الكرة ليرجع الجميع إلى مكانهم عندها طلب منه الضابط أن يعيد قراءة الأسماء من جديد فلما بدأ في قراءتها لاحظ الشيخ ارتعاش الورق في يده غير أنه سرعان ما تمالك أعصابه وقرأ القائمة لثالث مرة دون تغيير عن المرة الأولى  وكان ذلك في منتهى الشجاعة منه.

بعدها فتح باب السجن الحديدي ليخرج المفرج عنهم ومعهم الدرفيلي والشيخ وكانت فرحتهما كبيرة وعظيمة وكان الاحتفال -  مشتركا بنجاتهما من الإعدام وباندحار القوات الإيطالية وجلائها عن بنغازي -  في منزل الدرفيلي الذي ما أن شاع خبر الإفراج عنه من السجن حتى اكتظ بالزائرين من أنحاء مدينة بنغازي.

وقد   أقسم على ضيفه ألا يغادره قبل مضي ثلاثة أيام على الأقل وعبثا حاول الشيخ الإفلات لأنه كان في غاية الشوق لأهله وذويه الذين كانوا فاقدي الأمل في نجاته هذه المرة.

وضع الدرفيلي حدا لمحاولة الشيخ التنصل فحلف عليه بالطلاق كعادة أهل البلاد.

ومن المصادفات الغريبة بل ولعلها جريمة مدبرة من قبل الحكومة الإيطالية الغاشمة أن الباخرة التي كانت تقل المساجين المحكومين بالإعدام والسجن المؤبد من بنغازي إلى إيطاليا قد أغرقت وهي في عرض البحر قبل وصولها ومات كل ركابها من المساجين الليبيين .   

وللحكاية بقية.

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home