Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

السبت 17 ابريل 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (3)

ياسين ابوسيف ياسين

تقبل الشيخ حكم المحكمة في هدوء لأنه كان يعرف النتيجة مقدما ويتوقع ما سيؤول إليه الأمر في النهاية من محكمة عسكرية لسلطة محتلة غاشمة. وما أن فرغت المحكمة من نطقها بحكم الإعدام حتى سارع الجند باقتياده إلى السجن الكبير في بنغازي.

أما يوسف فكان يتابع المحاكمة أولا بأول وخطوة بخطوة يحدوه الأمل في أن تأخذ المحكمة بكلام المحامي الإيطالي الشهير وما أبداه من دفاع قوي وما أتى به من حجج قانونية وأمثلة من واقع التاريخ الروماني نفسه في قضايا مماثلة. كان متأكدا من البراءة وكان يمني نفسه بأنه سيكون أول من يبشر النجع ويخبره بنجاة شيخه وعلى الأخص ليلى التي تنتظر على أحر من الجمر وكم ستكون سعيدة أيما سعادة بنجاة جدها من حبل المشنقة وكم سيكون هو سعيدا بفرحتها التي لا تقدر عنده بثمن.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فسرعان ما تهاوت أحلام يوسف وتبخرت في الهواء وصارت خبرا بعد عين ما أن نطق القاضي بحكمه السابق. لم يتمالك يوسف نفسه من الصياح بأعلى صوته ويردد كلمات غاضبة باللغة الإيطالية: هذا ظلم .. هذا ظلم .. أين هي العدالة؟ ثم أخذ يجهش في البكاء.

كانت مدينة بنغازي تعيش جو الحرب العالمية الثانية بين قوات المحور الذي تمثله في ليبيا ألمانيا وإيطاليا وقوات الحلفاء المتمثلة في القوات الإنجليزية و تشهد غارات جوية ليلية فيسارع سكانها إلى الملاجئ حينما يسمعون صفارات الإنذار ولا يخرجون منها إلا بعد أن تعلن الصفارات عن انتهاء الغارة، وكان ذلك مشهدا يتكرر كل يوم وكل ليلة.

وعندما يطلع الصباح ويتوجه الناس إلى أشغالهم يرون مدى الدمار والأضرار الذي أحدثته هذه الغارات دون تمييز فالطائرات تلقي بحمولتها من القنابل التي تزن الواحدة منها نصف طن بشكل عشوائي ومن ارتفاع شاهق محدثة ولولولة تشبه الزغاريد مع الفارق فالزغاريد علامة فرح وبهجة وإنما زغاريد القنابل علامة شؤم وشر على المدينة الصابرة التي تكبدت من الخسائر في الأرواح والمباني ما لم تتكبده أي مدينة ليبية أخرى.

وفيما كانت ليلى كعادتها تساعد في إعداد الطعام للضيوف الذين ما انفكوا يتقاطرون على النجع من كل مكان يستفسرون عن آخر أخبار الشيخ ويتطوعون كل برأيه واجتهاده فمنهم من يقول بكتابة العرائض علها تجدي نفعا لدى الحكومة الإيطالية إذ لمحت فارسا يأتي إلى النجع مسرعا وما لبثت أن عرفت أنه يوسف. ترجل الفارس عن جواده و كان شاحبا عابس الوجه مقطب الجبين فلم ينبس ببنت شفة وإنما اتجه على الفور إلى بيت الضيوف.

كان الضيوف من مشايخ القبيلة مجتمعين لتداول موضوع الشيخ ويرون أن قبيلتهم لما لها من ثقل تستطيع أن تجبر الحكومة الايطالية على إطلاق سراحه دون قيد أو شرط. رأى المجتمعون في وجه يوسف ما ينذر بالشر. (كنك لا باس) صاح أحدهم فرد يوسف - بصوت أجش تكاد تخنقه العبرات – المحكمة حكمت بالإعدام.

وقع الخبر على النجع كوقع الصاعقة النساء يبكين و يولون والرجال يهددون ويتوعدون بالانتقام لشيخهم وقد أقسم بعضهم على أن يدفع الطليان الثمن غاليا. كان يوسف يعرف أنه لا جدوى من ذلك كله فالحكومة وقد آل الأمر لها في النهاية وسيطرت على البلاد من أقصاها لأقصاها ستمضي قدما في تنفيذ حكم المحكمة ولن تعير هذه القبيلة أو غيرها من القبائل أي اهتمام .

لم يستطع يوسف أن يواجه ليلى أو حتى يواسيها لأنه كان يشعر بالحرج والعجز أمامها مثله مثلها وما عليهما إلا الصبر والصبر سلاح المستضعفين في الأرض، يقولون أن الصبر مفتاح الفرج فكيف سيأتي الفرج؟

كان الشيخ في سجنه يستطلع آخر أخبار الحرب من كل نزيل جديد وما أكثرهم من نزلاء تعج بهم ساحة السجن الفسيحة وكل همه أن يحرز الحلفاء تقدما على قوات المحور ليخلصوا الوطن من الحكم الإيطالي الفاشي مع أنه كان يكن الاحترام والتقدير للجيش الألماني لولا أنهم حلفاء للإيطاليين وكان الشيخ دائما يقول أن الشعب الألماني شعب عظيم له زعيم مجنون (يقصد هتلر) بينما الشعب الإيطالي شعب مغرور تافه له زعيم عظيم (يقصد موسوليني).

وكان الجندي الألماني مثاليا في أخلاقه وتصرفاته مع سكان البلاد من بدو وحضر وكان لا يجرءوا أي جندي إيطالي على المساس بأي عربي في حضور أي جندي ألماني ومن ثم كان احترام الليبيين كبيرا للجيش الألماني الشجاع.

انقضت عدة أيام دون أن يطرأ شيء جديد والشيخ أصبح له أصدقاء جدد من أولئك الذين تعرف عليهم في السجن وبعضهم من أعيان بنغازي الوطنيين الذين جاهروا بعداوة وبغض المحتل الإيطالي مما استوجب عقابهم. والرجال لا تعرف إلا في الشدائد فكان الشيخ لهم نعم الأخ ونعم النصير يشد من أزرهم ويهون عليهم مصيبتهم وهو في أمس الحاجة إلى من يخفف عنه مصيبته و يشد من حيله, ولكنه قدر الرجال.

ظلت الغارات الجوية الليلية مستمرة وكلما سمعت غارة هب المساجين يطلبون النجاة فليجأ ون إلى الملجأ المعد لهذا الغرض في باطن الأرض تحت قبو السجن. وكان الشيخ ومعه بعض من أصدقائه لا يأبهوا بهذه الغارات وكانوا يؤمنون بأنه متى حان أجلهم فلن يقيهم من شيء ( ولو كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت ) فكانوا يجلسون في زنزانتهم منتظرين نهاية الغارة الجوية على خير.

وذات ليلة كانت الغارة مستهدفة السجن الكبير وكانت إحدى الطائرات الإنجليزية قد ألقت بحمولتها من القنابل فوق السجن مباشرة فدكته دكا وحطمت الأسوار وكثيرا من الحجرات وأحس بالانفجار سكان المدينة قاطبة.

وجد المساجين أو من بقي منهم على قيد الحياة - بعد انتهاء الغارة - أنهم في الهواء الطلق لا يفصلهم فاصل عن شارع الكورنيش فتحسسوا في الظلام الدامس طريقهم وولوا هاربين من ذلك المكان الموحش الرهيب.

كان الشيخ واثنان من رفقائه وقد نجوا من الموت المحقق قد خرجوا مع من خرج وباتوا ليلتهم عند قريب أحدهم حتى الصباح الباكر. ومن سخريات القدر أن طيارا إنجليزيا جاء بالشيخ إلى الحبس والإعدام من حيث لا يدري وطيارا إنجليزيا آخر كان السبب في خروجه من الحبس والإعدام من حيث لا يقصد وكل شيء كان مقدرا ومكتوبا كما يؤمن الشيخ نفسه وأن عدالة السماء ترقب كل شيء في الكون.

والفرج يأتي من عند الله تعالى وقديما قال الشاعر:

ضاقت فلما استكملت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وللحكاية بقية .

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home