Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الإربعاء 9 يونيو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (8)

ياسين ابوسيف ياسين

الجزء الثاني

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة قوات المحور أصبحت ليبيا خاضعة للحكم العسكري البريطاني في كل من برقة وطرابلس الغرب وللحكم العسكري الفرنساوي في فزان.

كان الحاكم العسكري العام البريجادير (العميد) دي كاندول واليا على برقه يتبعه ضباط  إنجليز من مختلف الرتب كمتصرفين للمناطق يعاون كل واحد منهم  باشكاتب يجيد التحدث باللغة العربية ليقوم بترجمة الرسائل وغيرها بينه وبين الليبيين من سلطات الحكم المحلي أو المشايخ أو غيرهم من المواطنين وعادة  يكون الباشكاتب ضابطا في الجيش البريطاني من أصل سوداني أو فلسطيني ممن كانوا في معية الجيش الثامن  وقدموا معه ويتقنون اللغتين العربية والإنجليزية بدرجات متفاوتة .

هكذا كان الحال عندما عين السيد ابوسيف ياسين مديرا لمنطقة اجدابيا تحت إدارة متصرف اجدابيا الكابتن كولارد يساعده باشكاتب فلسطيني وكان المدير منوطا به جميع الأعمال التي تتعلق بالحكم المحلي وهو أيضا قاضي المنطقة وبما أنه لا توجد قوانين في ذلك الوقت الانتقالي فقد وضع المدير قانونا عرفيا في نطاق مديريته وكان لشيوخ القبائل دور في تطبيقه ينص على الجرائم بمختلف أنواعها والعقوبات الرادعة لها ويحمل كل شيخ قبيلة مسئولية ما يقترفه أتباعه من انتهاكات وكان قد عين كاتبا له السيد مصباح جبريل نشاد الذي كان يلازمه ليل نهار.

كان السيد مصباح  نشاد كاتب المديرية شابا هادئ الطبع قليل الكلام كتوما مؤدبا يؤدي عمله في صمت وسرية مخلصا في تأدية واجبه بكل همة وصبر وكان يقضي وقته في عمل متواصل لا يكل ولا يمل وما أن يفرغ في النهار من العمل حتى يأتي الليل ليقوم بعمل آخر.

وكان مصباح يجلس مساء كل يوم في مربوعة السيد ابوسيف ياسين حاملا دفترا كبيرا مجلدا ليملي عليه بعضا من خواطره عن تاريخ القبائل الليبية والحروب التي وقعت بينها فكان كل ليلة يروي للحاضرين جزءا من التاريخ ومصباح يكتب في ذلك الدفتر الكبير عددا من الصفحات وكان السيد ابوسيف متحدثا لبقا يتمتع بأسلوب شيق جذاب يشد انتباه الحاضرين وأسماعهم وكان ضليعا في التاريخ  وراوية لا يشق له غبار فألف كتابا عن هذه الأحداث مدعومة بما قيل عنها من أشعار عنوانه " تاريخ ما جرى مع بعض القبايل الليبية بعد احتلال الحكومة الإيطالية " .

ولما كانت اجدابيا في ذلك الوقت لا تعرف الكهرباء فلم يكن لها وجود بعد فيها كان يكتب بقلم الريشة والمحبرة – إذ كان قلم البيرو غير معروف - على ضوء الفنار والفتيلة التي توقد بالقاز (الكيروسين) مما يجعل مهمته أكثر صعوبة ومشقة .    

كان المتصرف الكابتن كولارد شابا في مقتبل العمر طويل القامة رياضيا بطبيعته ونشأته العسكرية الصارمة فعلم أن المدير ابوسيف ياسين يجيد إصابة الهدف بالبندقية (النيشان) بدقة متناهية مهما كان الهدف صغيرا فمما يروى عنه أن أحد أقاربه ويدعى محمد بو الشرع كان يرافقه دائما في رحلات الصيد والقنص وكان من كثر تمرسه على إصابة الهدف ينصب له بو الشرع عودا عليه بعرة جمل فيصيبها وذات مرة طلب منه أن يحمل فردة نعله بيده اليسرى ويرفعها إلى جانبه ليرى ما إذا كان سيصيب النعل في يده عن بعد ولما رجعا إلى النجع أخبر بو الشرع وهو يكاد يطير من الفرح خاله التايب محمد بو ياسين بما فعله خاله فكان رد التايب محمد عليه " أنت هبل وخالك يريد يقتلك" .

قال الكابتن كولارد للسيد ابوسيف سمعت أنك تجيد التصويب فهل تستطيع أن تصيب سيجارة على بعد 50 خطوة ؟ ولما كان الجواب بالإيجاب بان التحدي على وجه المتصرف وطلب إجراء تجربة على الفور فقبل التحدي بشرط أن يستعمل سلاحه الذي تعود عليه وهو بندقية إيطالية يطلقون عليها اسم ( أم احريبه ).

كان السيد ابوسيف ياسين يسكن منزلا يقع على الشارع الرئيسي الذي كان  الشارع الوحيد المسفلت بمدينة اجدابيا والمؤدي إلي بنغازى شرقا وطرابلس غربا يشق المدينة ويقسمها إلى قسمين وكان لأحد المستوطنين الطليان يدعى اسكيَرا , وهو منزل فسيح وله فناء واسع  محاطا بجدار وكان في آخر السور مصنع لإنتاج المياه الغازية (قازوزه) كان يديره صاحب البيت الإيطالي فيما مضى ثم أصبح مهملا يلعب الأطفال على معداته ويكسرون الزجاجات ليحصلوا منها على (البطش) وهي كرات زجاجية من البلي توضع في الزجاجة وتستعمل كسًدادت وهي طريقة قديمة لا نراها اليوم .

حضر المتصرف في معية السيد ابوسيف ياسين إلى المنزل فأخذ بندقيته وخرجا معا إلى الفناء والطفل ياسين يراقب الموقف في شيء من الفضول , ظن أنه لأول وهلة كانا يريدان أن يطلعا على مصنع القازوزه ثم وجد أن الإنجيزي بدأ يعد بخطواته الواسعة 50 خطوة ثم عمل بيديه كوزا من الرمال وضع فوقه سيجارة ثم رجع إلى حيث يجلس أباه متكأ على ركبة ونصف مصويبا بندقيته نحو ذلك الهدف ومضت دقائق وكان كلما هم بضغط الزناد رفع رأسه مرة أخرى ليتأكد من أنه يرى الهدف المتناهي الصغر نتيجة لبعد المسافة فإن خطوة الكابتن كولارد بخطويتين لرجل عادي الطول والضابط الإنجليزي واقفا بجانبه واضعا يديه على خصره في تحدي واضح  وعندما لاحظ تردده أبدى ملاحظة تهكمية تفيد بمعنى استحالة ذلك, نظر الطفل إلى وجه أبيه فوجده مزرقا من الغضب وعندها ضغط الزناد فإذا بالسيجارة تختفي من الوجود والضابط يقف مشدوها مندهشا يصفق إعجابا.

ومرة أخرى بينما المدير يراجع المتصرف في أمر ما وجده منكبا على مكتبه منهمكا في تفكيك قنبلة يدوية فخشي إن انفجرت فيه سيتهمونه بقتله فقفل راجعا وفي منزله كان يروي القصة للحاضرين ومن بينهم الشيخ صالح باشا لطويش الذي عاد لتوه من المهجر في مصر وكان قد بعث برسالة للشيخ ابوسيف ياسين يبلغه فيها أنه يعتزم المجئ إلى اجدابيا  وبصحبته 330 رجلا من أتباعه في مصر وكان المجاهد الكبير صالح باشا لطويش زعيم قبيلة المغاربه ضيفا علي الشيخ ابوسيف ياسين مقيما بمنزله ريثما يجهزون بيته ويجعلونه قابلا للسكنى وقد خصص له ركنا من المربوعة الفسيحة يزوره الناس من كل حدب وصوب وكان كل منهما يجل الآخر ويقدره حق قدره . 


افتتح مدير اجدابيا الشيخ ابوسيف ياسين أول مدرسة إبتدائية باجدابيا لأول مرة بعد نهاية الحرب وكان الأستاذ عبدالعزيز الأبيض ناظرها  ومدرسها الوحيد ويساعده الشيخ عبدالحفيظ الفاخري وكان التلاميذ أول الأمر يحضرون معهم الكراسي من منازلهم إذا كان لديهم كراسي والباقون يجلسون على حصيرة على الأرض وكان بعض التلاميذ كبارا في السن فلم تتح لهم فرصة الدراسة من قبل انتهزوها فرصة لتلقي التعليم أمثال السيد معتوق آدم الرقعي الذي كان في حدود السادسة عشر من عمره ومن بين التلاميذ الآخرين كان مع كاتب هذه القصة السادة أحمد السوسي وسالم السوسي وفرج مطر وحسن مطر وفيصل السنوسي الاشهب ومفتاح حويو وميلاد حويو ومفتاح الحويج (طرنيو) وحسين حبري وعلى السنيني والسنوسي الهوني وعلي الهوني وشحات البرصه وفيتوري عبدالشفيع.

وكان حسين حبري متوليا مهمة بيع البيض المسلوق للتلاميذ أثناء الإستراحة حاملا سطله ينادي بأعلى صوته "دحي طايب – دحي طايب" وكان التلاميذ الذين يشترون البيض منه يتراهنون على أيهم بيضته أقوى فينقرون بالبيضة على الأخرى فمن تنكسر بيضته يخسر الرهان وعليه أن يتركها لمن كسب الرهان  .

وكان ناظر المدرسة الأستاذ عبدالعزيز الأبيض قوي الشخصية يرهبه الجميع ويخشون عقابه الصارم حتى أن التلاميذ إن رأوه في شارع بعد انتهاء الدراسة لا يجرءون على السير فيه خشية منه واحتراما له وكان يكثر من الشخير والنفير ذا صوت مجلل يسمع من آخر المدرسة  وكان كلما شاهد تلميذا في الشارع صرخ فيه بصوت يسمعه الجميع " فيش اتدير يا كازي بره ف الشارع ..عدي الحوشك وذاكر دروسك.. أحسن لك.. آه أخ ".

كما افتتح أول فريق كشافة في اجدابيا سنة 1944 فقد وزعت على التلاميذ شارات يلبسونها على الذراع تشبه الرتب العسكرية من وكيل امباشي إلى شاويش حسب سن التلميذ ومقدرته على أداء الواجب ومناديل يربطونها على الرقبة وكان التلاميذ يقدمون على هذه المهمة الجديدة بحماس شديد .

كان الحاج امبارك السوسي من أكبر تجار مدينة اجدابيا كما كان الوحيد الذي يملك سيارة مدنية (فيتوره) كما كان فيصل الأشهب الوحيد بين الأولاد الذي كان يملك دراجة هوائية بينما كان السيد يوسف بو كريشه يملك دراجة نارية من نوع س ب ا انجليزية وذات يوم خرج يوسف على دراجته النارية يجوب الصحراء فوجد سيارة نقل إيطالية من طراز تري رو من مخلفات الحرب العالمية الثانية مهملة بعد أن نفذ منها الوقود فأتى بها فكانت حديث الناس في ذلك الوقت.

وجاء يوم في سنة 1944 كان الناس يستعدون لاستقبال حدث ما وشباب المدينة ومن ضمنهم يوسف بو كريشه وامحارب الدليمي وشقيقه غومه وعلي الدغيلي وامراجع نشاد وأحمد حسين نشاد يستعدون لذلك اليوم ففصلوا ملابس خاصة بتلك المناسبة شبيهة بالملابس العسكرية ولكنها بيضاء اللون وهي عبارة عن بنطلون افرنجي  وجاكيت سفاري و وشاح أزرق في أسفله دلاية بشراشيب (قنزوله) وطاقية بيضاوية بيضاء وكانت المناسبة مجيئ سمو الأمير السيد محمد إدريس المهدي السنوسي قادما من مصر - لأول مرة بعد الحرب -  إلى عاصمة الإمارة اجدابيا.

وصل الأمير وكان على رأس مستقبيله السيد ابوسيف ياسين مدير المنطقة والشيخ صالح باشا لطويش والشيخ عبدالحميد العبار والشيخ سليمان رقرق والسيد ناصر الكزة وكان في معية الأمير كل من السادة  ابراهيم الشلحي وعمر فائق شنيب والملازم أول أبو القاسم السنوسي والملازم مفتاح بوشاح وأقيم سرادق كبير و مهرجان شعبي تتخله كلمات الترحيب والتأييد والمبايعة والمناداة به أميرا على برقة والمطالبة باستقلال البلاد كما كانت تتخلله هتافات من التنديد ضد الجنرال ديجول الذي كان قد صرح تصريحا ينم عن رغبة فرنسا في بسط نفوذها على ليبيا أسوة بتونس والجزائر والمغرب الأقصى.

وكان في مجيئ السيد وما لقيه من ترحيب غامر أول علامة على طريق النصر وأن البلاد مقبلة على عهد جديد من الحرية و الأستقلال .

فمن اجدابيا بدأ الجهاد ضد الأستعمار الإيطالي الغاشم ومنها انتهى الجهاد فكانت آخر من سلم السلاح في ليبيا كلها من أقصاها لأدناها ومنها بدأ عهد جديد .  

وللقصة بقية.

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home