Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الاثنين 12 ابريل 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (2)

ياسين ابوسيف ياسين

باتت قصة الرجل الهابط من السماء حديث الناس وشغلهم الشاغل ونسجوا حولها أساطير من الخيال وأظهر بعضهم بطولات وصولات وجولات ما أنزل الله بها من سلطان وكل يرويها بطريقته الخاصة وبشكل مختلف باختلاف الصورة التي يريدها لنفسه وشاع الخبر فبلغ إلى علم الحكومة الإيطالية المتمركزة في اجدابيا وكان هذا ما يخشاه شيخ النجع ويعد العدة له.

جافى النوم ليلتها عيون ليلى حتى أخذ منها الأرق مأخذا فباتت قلقة في نوم متقطع لا تدري ما أسبابه غير هواجس تجيء وتذهب تكاد تعصف بها عصفا أيمكن لما يقوله الناس أن يمس جدها بسوء؟ وهل قام بجرم حينما آوى غريبا وأغاث ملهوفا؟ وهل تموت الشهامة حين يحسب للذل ألف حساب؟ وحين يحسب للكرامة حساب واحد فقط هو الفرق بين الحياة أو الموت؟ ولسان حالها يقول ما قاله شاعر العرب المتنبي ولو أنها لم تسمع به من قبل ولا من بعد :

عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود

فوجئ النجع بعدد من العربات العسكرية الإيطالية على رأسها ملازم (تيننتي) ومعهم مترجم ليبي يسألون عن الشيخ و يطلبون منه المثول أمام حاكم أجدابيا (الدكتور بيرشيلي توريللي) واقتادوه وسط عويل النساء وصراخهن غير عابئين بتوسلاتهن وكان الشيخ رابط الجأش مرفوع الهامة غير مكترث بما يفعلون فصاح فيهم بصوته الجهوري ونهر النساء ونهاهن عن البكاء والصريخ وطلب من الرجال أن يأخذوا بالهم من النجع و البهائم.

كانت المواجهة مع حاكم المقاطعة وجيزة ولم تستغرق سوى بعض ثواني مرت ثقيلة على كليهما كثقل الدهر كله :

الحاكم : هل سهلت هروب الضابط الإنجليزي؟

الشيخ : نعم حصل

الحاكم : ألا تعرف أن في هذا العمل الذي أتيت جريمة خيانة عظمى؟

الشيخ : بالنسبة لكم لا بالنسبة لي

الحاكم : أن هذا جرم يحاكم عليه بالإعدام وستقدم إلى محكمة عسكرية عاجلة،

وأمر بأن يودع الشيخ السجن رهن المحاكمة .

هكذا انتهت المواجهة مع حاكم مقاطعة اجدابيا الذي كان يبدو عصبي المزاج يصرخ فيمن حوله ملوحا بقبضته مرددا عبارات من الشتيمة القذرة – دي الزيقريساتو بوتانا – وكان الشيخ في المقابل هادئا يردد قوله سبحانه و تعالى " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " وكانت نتيجة تلك المقابلة العاصفة معروفة لديه سلفا قبل أن تبدأ بل ومنذ اللحظة التي زاره فيها ذاك الهابط من السماء. كان قدرا مكتوبا ووعدا موعودا.

كان بعض رجالات القبيلة يتابعون ما يجري مع شيخهم وقد نصحهم بعض الثقاة من العارفين ببواطن الأمور والمتعاطفين من سكان مدينة اجدابيا المجاهدة أن يبحثوا لهم عن محامي ( بوكاتي ) في بنغازي ليترافع عن الشيخ أثناء محاكمته الوشيكة مع كونهم يائسين من جدوى ذلك فاقدين الأمل إلا في الله.

خيم الوجوم على النجع وبدا كأن على رؤوسهم الطير ينتظرون عودة شيخهم المهيب فغياب شيخ النجع يكون أكثر قسوة عليهم من قسوته عليه وخصوصا فهم لا يعرفون متى يعود وهل يعود وكيف يعود وقد تسربت إليهم أنباء تقول أنه قد يقضي ما بقي له من عمر في السجن إن لم يتم إعدامه سريعا لأن الحكومة تريد أن تضرب بيد من حديد وتجعل منه مثلا وعبرة لمن يعتبر فيخاف الناس من بطش الحكومة وجبروتها. وهكذا يفعل الجبابرة على اختلاف العصور وامتداد الزمان.

كانت ليلى أكثر من عانى وقاسى مرارة فقدان جدها تعد الأيام وتسهر الليالي في انتظاره وتمني النفس كل طلعة شمس أن يأتي من يخبرها بأن جدها في طريقه إلى نجعه, لم يفارقها الأمل في أن ذلك سيحدث وسيعود جدها إلى داره وعشيرته. وكانت تشغل وقتها بالعمل فعمدت إلى نصب نول للنسيج وقررت أن تنسج غطاء (شليف) استعدادا للشتاء القادم بمعاونة إحدى عجائز النجع الخبيرات في هذا الفن البدوي الأصيل المعروف بدقة نقوشه وألوانه البديعة والذي كانت تتوارثه النسوة جيلا بعد جيل.

وجاء يوسف ليبلغ أهل النجع بأخبار الشيخ وكان يوسف هذا شابا تحت العشرين من عمره من نفس عائلة الشيخ يقيم باجدابيا ويعمل مع شخص إيطالي وكان يجيد اللغة الإيطالية فعلم من أحاديث الطليان أن الشيخ سينقل إلى بنغازي ليحاكم هناك فأراد إبلاغ القبيلة بما حصل لكي يتدبروا أمرهم خصوصا وأن في نقله لبنغازي مؤشرا على عظم الجريمة وخطورتها.

بعد أيام قليلة نقل الشيخ إلى مدينة بنغازي وأودع السجن الكبير الواقع على كورنيش البحر قرب مقبرة سيدي اخريبيش فأعدت له زنزانة من تلك التي تعد لاستقبال المتهمين الذين يتوقع الحكم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد وكان يوسف يتعقب أخباره ومن ثم تبعه إلى بنغازي وزاره في محبسه وطمئنه على أهله ونجعه ثم أخبره أنه قد زار محام إيطالي شهير وطلب منه أن يتولى الدفاع عنه فطمئنه المحامي بان كل شيء سيكون على ما يرام وأنه متأكد من براءة موكله.

كان الشيخ واثقا ثقة المحامي في البراءة ولكنه كان يحسبها من وجهة نظر أخرى فالبراءة عندما تأتي من العدو لكائنها إدانة والعكس صحيح. ولم يكن لديه - عل كل حال - أي أمل في البراءة والنجاة من الموت فهو يعرف عدوه معرفة جيدة فقد واجهوه وواجههم في أكثر من موقف وأكثر من معركة من قبل.

وأمام المحكمة وقف الشيخ في شموخ وعزة غير آبه بما يقوله الإدعاء وما يكيله له من تهم ولم ينكر الواقعة بل اعترف بها بكل فخر رغم احتجاج المحامي.

عندها سأله القاضي هل لو كان الأمر مختلفا وأن الطيار كان إيطاليا أكنت تسلمه للقوات الإيطالية أم الإنجليزية فأجاب الشيخ لا هذا ولا ذاك بل كنا سنعقد له محكمة باعتباره مجرم حرب وسينال عقابه الرادع فمقاومة المستعمر حق مشروع.

بذل المحامي الإيطالي جهودا كبيرة في محاولة إقناع المحكمة بأن للعرب عادات وتقاليد يجب احترامها ومنها إيواء المستجير وإغاثته وإكرام وفادة الضيف وحسن معاملته حتى وإن أدى ذلك إلى ما قد يصيبهم من أذى لأن في قاموسهم الشهامة تخلق المجد والمذلة تخلق العار والشنار. وهذه المثل العليا أوجدها دينهم الإسلامي وإيمانهم العميق بها.

عندما انعقدت المحكمة في الجلسة التالية كان قرارها كما توقعه الجميع الحكم بالإعدام شنقا .

وللحكاية بقية .

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home