Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الاثنين 10 مايو 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (7)

ياسين ابوسيف ياسين

دأب الشيخ على فتح دكانه في سوق الجريد على فترتين يوميا فترة صباحية وأخرى مسائية تتخللهما فترة للغداء والراحة ظهرا وكان على قدر كبير من الالتزام والانتظام  منضبطا ودقيقا في مواعيده يحسب وقته  بالساعة والدقيقة.

كان يمسك دفاتر منظمة يقيُد فيها كل شيء فدفتر للبيع والشراء ودفتر للديون له أو عليه ودفتر للمواشي والأغنام ودفتر يومية يسجل فيه كل الحسابات يوما بيوم إضافة إلى أجندة سنوية يسجل فيها الأحداث والمناسبات والمقابلات على مر السنين. وكان يحتفظ في جيبه بأجندة جيب صغيرة يدون فيها كل ما جرى معه في يومه -  ثم قبل أن ينام ليلا -  ينقلها في الأجندة السنوية الكبيرة, هكذا دواليك وكانت عادة لم يقطعها أبدا طوال حياته. كان باختصار رجلا منظما في تفكيره وعمله يحسب لكل شيء حسابه, إداريا بطبعه وطبيعته قلً في الناس نظيره.

وفي إحدى الفترات المسائية بعد العصر وكان معه طفله الصغير وقد عوده على اصطحابه للدكان وكثيرا ما كان  يعد له الحلاوة الطحينية والخبز أو بيضة مسلوقة وكان يحب أن يغمس البيض المسلوق في طبق من السكر كما علمه أبوه وأحيانا يقدم له طبقا من زيت الزيتون النقي ويضع فيه ملعقتين من السكر ليتناوله بالخبز الذي يأتي به لتوه من (الكوشة) ساخنا .

وإذا بمجموعة من العساكر الكربنييري الإيطاليين و بعض من الليبيين الذين يعملون معهم يقفون عند باب الوكالة  وطلبوا من الشيخ أن يقفل المحل ويذهب معهم إلى (الكازيرما) مركز البوليس بعد أن عرفوا هويته وتعرفوا عليه من قبل الليبيين الذين أحضروهم كمرشدين (بصاصين)

وحرفة (البصاصة) معروفة من قديم الأزل ولها أناسها من الذين يحترفونها ويسترزقون منها  وأحيانا يطلقون عليهم ألقابا شرعية كالبوليس السري أو المباحث  أو التحري ويلقبهم العامة بلقب (بوشبو) أي الصراصير لما لها من قرون استشعار طويلة وكان البعض منهم مغلوبون على أمرهم فهذه طبيعة العمل المكلفين بإنجازه يئدونه على مضض ولكن البعض الآخر كان يجد لذة كبرى في هذا العمل فيؤديه بنشاط وهمة لا يحسد عليها .

عرف الشيخ أن أمره قد علم وأن  حكايته قد انكشفت لدى الحكومة الإيطالية  فأغلق دكانه وطلب من جاره أن يسلم طفله إلى يوسف, ومع أنه كان – في قرارة  نفسه - يعرف السبب في استدعائه إلا أن أملا ظل يراوده أنهم قد يريدونه في أمور تجارية أخرى لا علاقة لها بما ينتابه من هواجس فقد أمضى قرابة العامين في بنغازي دون أن يكتشفوا أمره غير أنه ما لبث أن حدث نفسه قائلا: ولكن لو أن الأمر كذلك فلماذا يرسلون في طلبه  كل هذا العدد من العساكر لابد أن يكون سره قد عرف .

لم تطل حيرة الشيخ فبمجرد دخوله قسم البوليس الرئيسي في بنغازي حتى واجهه الضابط الذي كان في انتظاره بالتهمة فتبدد الشك عنده باليقين وسلم أمره إلى الله مدبر الأمور.

عرف يوسف بالأمر على الفور فأخذ الطفل إلى منزل الشيخ وأبلغ زوجته بما حدث وحاول ما استطاع أن يهدئ من روعها دون جدوى وما هي إلا ساعة حتى علمت جاراتها بالأخبار السيئة فأخذن يتوافدن على المنزل في محاولة لتطيب خاطر صاحبة البيت والتعاطف معها وإظهار ما يكنه الجيران نحوها من المودة والمعزة وكان الجيران في الضراء تربط بينهم أوشاج المحبة والتآلف العظيمين .

كان الطفل الصغير لا يعي شيئا مما يحدث سوى أن أباه قد أخذته مجموعة من العساكر من الدكان وإن المنزل أضحى يعج بالناس وهو لا يعرف كنه هذا ولاحظ نظرات الإشفاق من الجميع وهم يحاولون التقرب منه والتودد إليه ويقدمون له الحلوى التي يحبها كثيرا خصوصا ذلك النوع منها التي هي على شكل عصا طويلة ذات الألوان الحلزونية الأحمر والأبيض والأزرق سكرية الطعم والمذاق هشة عندما يقضمها تذوب في الفم ذوبان الثلج .

سارع يوسف إلى محام إيطالي – بوكاتي – وطلب منه الإشراف على التحقيق مع الشيخ واتفق معه على الأتعاب وتمكن يوسف بفضل المحامي أن يزور صهره – والطفل معه -  وأن يأتي له بالملابس والأكل كلما تطلب الأمر ذلك .

حاول الإيطاليون -  عندما شعروا بأن هزيمتهم على يد قوات الحلفاء أصبحت وشيكة -  أن يخففوا من وطأتهم على الشعب الليبي وأن يحاولوا استرضاءهم والتقرب منهم فكانت معاملتهم للشيخ فيها شيء من الليونة والمرونة مع شيء من الحذر و الخوف و التوجس والترقب.

كان الإيطاليون يخشون الانتقام من قبل العرب ومن ثم كانوا يعاملونهم  بحذر شديد  وخاصة البدو منهم . وكان قد حضر من اجدابيا وضواحيها أبناء عمومة الشيخ من مختلف القبائل لكي يطمئنوا عليه  ومواساة أهل بيته وليشدوا من أزرهم ومن ضمنهم الشيخ محمد بو اطليويح المغربي وكان رجلا وسيما في الثلاثين من عمره ذا بشرة بيضاء نظيفة ووجه سمح مستدير ولحية سوداء مهذبة وكان يلبس ملابس عربية نظيفة و أنيقة  يضع رائحة عطرية نفاذة (باريزيتًا)  وفي إحدى المرات أثناء عبوره لشارع العرفية تصادف مرور دورية إيطالية توجسوا منه خيفة فقام أحد أفراد الدورية  بإلقاء قنبلة يدوية تجاهه انفجرت تحت قدميه فأصابته في ساقيه  وحمله يوسف و جيران الشيخ  إلى المستشفى وما لبث أن أصيب بغرغرينا وفارق الحياة .

تمت محاكمة الشيخ  للمرة الثالثة , ولثالث مرة يصدر ضده الحكم بالإعدام .

مرت الأحداث سريعة فالقوات البريطانية الرابضة في مصر بقيادة الفيلد مارشال مونتجمري  تتقدم عند طبرق وبير احكيم -   بعد أن هزم رومل في معركة العلمين الشهيرة والفاصلة في الحرب الدائرة في الشمال الأفريقي -  والقوات الأمريكية تتقدم عبر المغرب الأقصى نحو ليبيا لتلتحم مع القوات البريطانية وجيش التحرير الفرنسي من الجنوب بقيادة الجنرال ديغول يثبت أقدامه لكي يكون واحدا من الحلفاء المنتصرين ويقتسم معهم  جزءا من الكعكة .

لاحظ الطفل الصغير حركة غير عادية في البيت وأدرك أن شيئا ما يحدث على غير العادة فالرجال يتهامسون والنساء قلقات منشغلات ومشغولات وكلما حاول الطفل أن يسترق السمع ليعرف شيئا مما يحدث سكت الجميع وراحوا في صمت عميق .

أخيرا فاجأ الطفل ثلاثة من الرجال يتكلمون دون أن يشعروا بوجوده وكانوا يقولون أن حكم الإعدام سيجري تنفيذه  بعد الغد . والطفل في حيرة من أمره لا يدرك كنه ما يقولون ولكنه يريد أن يرى أباه فتحايل على يوسف كي يأخذه إليه ووعده أن يفعل ذلك  كما كان يفعل في السابق بين حين وآخر وهو يعلم أنه لا يستطيع هذه المرة أن يفي بوعده .

كانت إدارة السجن قد أبلغت الشيخ بموعد تنفيذ الحكم وفي إجراء شكلي وشبه روتيني  طلبوا منه إنه إذا كانت لديه رغبات خاصة فإنهم سيعملون على تحقيقها   له . ولم يكن لدى الشيخ ما يطلبه سوى رؤية أهله ووداعهم .

سلم الشيخ أمره لله صابرا وفي انتظار رحمة الله التي جاءت بأسرع مما كان يتوقع ومن حيث لا يدري ولا يحتسب .

ما بين غمضة عين وانتباهتها     يغيّر الله من حال إلى حال

في اليوم التالي والسابق على تنفيذ الحكم الموعود سقطت بنغازي للمرة الثالثة والأخيرة في يد القوات البريطانية واستسلم جنود ألمانيا وإيطاليا وأخذوا أسرى في معسكرات قوات الحلفاء وخرج الشيخ ومن معه من المحبوسين إلى بيوتهم وعمت الفرحة كل أرجاء البلاد .

بقي أن نعَرف القارئ الكريم من هو الشيخ بطل هذه القصة الواقعية صاحب هذا التاريخ المجيد إنه السيد أبوسيف ياسين أحد رجالات الصحراء الليبية المعطاءة   وما أكثرهم من الذين دافعوا عن حرمة الوطن ومقدساته وناضلوا في سبيل استقلاله وعزته وكرامته عبر تاريخ حافل بالعطاء والتضحيات الجسيمة .

 ٌولد ببشر سنة 1900 م وحمل السلاح منذ نعومة أظفاره - وكان في الخامسة عشر من عمره - للذود عن أرض الوطن و لمقاومة المستعمر الإيطالي والتحق بالجيش الوطني الإسلامي وترقى فيه  بأمر نائب الخليفة السيد أحمد الشريف السنوسى حتى صار برتبة بكباشي (مقدم) ثم قائمقام(عقيد) ثم أصبح قائدا لقراقولات سرت.

وعقب خروجه من السجن مباشرة بانتهاء الحرب العالمية الثانية في ليبيا تم تعيين الشيخ ابوسيف ياسين سنة 1943 مديرا لمنطقة اجدابيا فكان من بين أول عشرة موظفين ليبيين بارزين – رقم 9 -  في مسلسل الكادر الوظيفي في برقه  ومن بين هؤلاء الأوائل كان السادة  حسين مازق وعبد الله بالعون وحسين بالعون وحسين طاهر.  

وانتهت حقبة من الكفاح المتواصل ضد المستعمر الإيطالي الغاشم وبدأت حقبة جديدة من الكفاح ضد الفقر والجهل والمرض وبناء الدولة الحديثة القائمة على العدل والمساواة والحرية لها قصة أخرى . 

انتهت لتبدأ غيرها بعون الله المستعان على أمره.

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظات :

لغرض التشويق فقط  ولمن كانوا يجهلون تاريخ المجاهد أبوسيف ياسين لم يفصح كاتب هذه القصة الواقعية عن اسم الشيخ في بدايتها صراحة فحاول التمويه وغيّر من اسمه و سنه فبدلا من أربعين عاما الذي هو عمره الحقيقي في ذلك الوقت أضحى  ثمانين عاما والسبب في اختيار الثمانين عاما دون غيرها أنه لو  قدر له أن عاش ليبلغ هذه السن لكان ذلك في سنة 1980 وهو التاريخ الذي هاجر فيه كاتب القصة من ليبيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بما لذلك من دلالات,  فضلا عن كونه وهو في سن الأربعين يتمتع بحنكة وحكمة ودهاء وتجارب من هم في سن الثمانين . 

كما أن محمدا الذي سمي الشيخ باسمه  كان أخوه الأكبر وهو في الثمانين من عمره - التايب محمد بو ياسين أحد كبار الشعراء الشعبيين المشهورين في ذلك الزمان - وهو القائل في مدح أخاه أبوسيف ياسين القصيدة المعبرة أصدق تعبير في وصفه وصفاته وقوة شخصيته ونزعته القيادية منذ الصبا : 

نداوي اجرد وطار من علييه        على الله ما يبطا سريع الجييه

طار او عدَا                              على الله ما يبطا سريع الردَه

ركاب من ايجز ادير فاضي بدَه      بو بيت ملفا للضيوف حطيه

هذا فاقهه واعر علينا سدَه           هذا  قمرنا  ماشين   ابضييه

ولا عمر قالوا م الضيوف تكدَا     كيف الثلاث ايجوه كيف الميه

هذا قرعة الشايب سريع المدَه      كيف بالغرض فايض على ساقيه

انزال في طراد اللي عليه تعدَا     ما يهلبه لو حط في حكيه

ونحنا امعاه ويدنا في يدَه            لو ما قعد م النقب غير ولييه

 

عدا حايم                                   امعاه ربنا والجد عبدالدايم

والحزبه اللي ضاري عليه ملايم    للناس عالخبر تما وطا موطيه

وتموا خرابه والقصور هدايم         راكبين ع الغارب بغير حويه

شدوا مطرحه ويبقوا اشداد عزايم   ولا شماته الحساد والصفييه

على ايجيها بو سبق وكمايم           وتشوف الحباره ع الوطا مرمييه

 

ربنا ياتيبا                                  بو فاطمه ركاب فوق الديبه

انغاب بيتنا يبقا اتقل زريبه            هذا ادريكنا ف الليل هذا ضييه

قمر في ادراجه خاطري زاهيبه     الله يحفظه م العين والحسديه

ايطول ليلها وقتن اتجيب سريبه     وايجي دمعها فايض علي ماقيا

لا عقل عندي لا علل ندويبه          نين ننظره بالعين بو امغليه

 

ما هو بومه                               نداوي واجردله اركب ف الحومه

لا ينختل بالوذن لو برشومه          عدوك سطر عقله امعاه بسييه

يقدر ايطرششه وهي ملمومه         ويقدر ايرد  الفارغه  مملييه

ما ينزمط هابه عليك كرومه         جرحه ايعاقب كيف سم الحييه

 

طير تماصا                              بو بون فاضي رانات اجراسه

ازراره غنيمه فيه مو حرماصه     جميع من ايدير ايقول فيه اشويه

واللى ناقزه عطبك عليه فراسه     من غير التعب ما ينال حتى شيه

امداده عويل ويلعبوا ف الباصه  ونحنا بلاه ما نقضوا او لا مقضييه

هذا كلمته تمرق اتقول رصاصه      هذا سم  قاتل  مو عسل حكييه

هذا ف العمايل ظاهرات حساسه      مو ضي بوقداح صادع ضييه 

ولا يسير بيته تمسكه خماسه        هذا جابره صاري علي صارييه

ان جيت للسياسه ما معاه اسياسه وان جيت للعناد صعيب واعرلييه

مقاييسن ما يجن علي مقياسه      اتشوف العجايب كان عينك حييه 

وقد وٌفق التايب محمد في هذه القصيدة فجمع فيها كل الخصال الحميدة وأبرز قوة شخصية أخيه  وتنبأ له بمستقبل باهر في البيت الأخير منها حين قال (اتشوف العجايب كان عينك حيه) وهذا ما كان فعلا وسنقرؤه في الحلقات القادمة بإذن الله . 

والطفل الذي جاءت سيرته في هذه الرواية هو كاتب هذه القصة الواقعية . ويوسف كان السيد يوسف محمد عبد الله بوكريشه زوج أبنت الشيخ الكبرى ذهيبه وابن عمه القريب منه دائما وأبدا .  

وليلى ليست حفيدته بل أبنته الصغرى التي لم تكن بعد قد وُلدت لترمز إلى ليبيا الحديثة التي وُلدت من جديد بعد أن غادرها آخر جنود الاستعمار القديم أو الجديد وأما نجمة الصحراء فترمز إلى ليبيا منذ الأزل والتي تمر عليها الأحداث والأشخاص وهي باقية في مكانها ترقب وتراقب وتسجل تاريخا خالدا في صفحة الزمان " ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "  .  

أما بقية ما ورد ذكره من أسماء و وقائع فهي حقيقية دون أدنى مبالغة أو تزويق أو تنميق.  


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home