Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الإربعاء 9 مارس 2011

بين القبلية والحزبية ومسميات أخرى

ياسين ابوسيف ياسين

لعل من أهم المآخذ التي كانت تؤخذ على العهد الملكي أنه لم يكن يسمح بقبول ووجود الأحزاب بتاتا واعتمد بدلا من ذلك على التكوين القبلي والجهوي حيث بدا ذلك واضحا و جليا في توزيع الحقائب الوزارية وفي انتخابات مجلس النواب والتعيين بمجلس الشيوخ وفي بعض الوظائف القيادية المهمة الأخرى وكان ذلك من أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار النظام الملكي بكامله بين عشية وضحاها .

وكان الشعب في ليبيا يملك بعض الأحزاب قبل الاستقلال مثل جمعية عمر المختار وحزب المؤتمر الوطني ورابطة الشباب وكلها مجموعات منظمة ومنضبطة تتخذ من المدن الكبيرة مسارا لحراكها وتدور في فلك واحد هو استقلال البلاد التام وتشكيل دولة ليبية جديدة تسود فيها مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الشعب الواحد .

وعلى الرغم من مقولة أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية رأى بعضهم أن في وجود رأي آخر معارض قد أفسد قضيتهم مما يدعوا للقلق وعدم طمأنة الحاكم المعصوم من الخطأ كما يرونه ويفترض فيهم حسن النية على كل حال مراعاة للظروف السائدة في حينه والتي تتمثل في أن المجتمع الليبي كان في معظمه مجتمعا بدويا وأن نسبة التعليم فيه لا تزيد عن 2% على أحسن تقدير .

وربما يكون للعهد الملكي مبرراته في حظر الأحزاب ونشاطها والاستعاضة عن ذلك بالنظام القبلي الذي أرست جذوره ودعمته حركة الجهاد السنوسية ضد الاستعمار الايطالي الفرنسي منذ أوائل القرن التاسع عشر خصوصا وأن ليبيا بلد شاسع مترامية الأطراف وأن عدد سكانه كان لا يزيد عن ثلاث مليون ونصف نسمة فقد نصفهم أثناء الجهاد الضاري ضد قوى البغي والعدوان وكان العدو الأكبر وقتها يتمثل في محاربة الجهل والفقر والمرض .

وبعد أن تحسنت ظروف التعليم وخطت المملكة خطوات غير مسبوقة في هذا المجال كان لزاما عليها أن تطلق للأحزاب الأعنة لدعم الديموقراطية ولكنها لم تفعل ودفعت ثمنا باهظا عندما وجدت أن القبائل التي كانت تعول عليها لا يعنيها الأمر في شيئ وشعارهم في ذلك مثلا شعبيا يقول " اللي خذا أمي هو أبي " أو " باتي هو راجل أمي " وقد فوجئ الإنقلابيون بهذا الأمر لدرجة عدم تصديقهم بما حدث بمثل هذه السهولة . وأذكر واقعة أن السيد عبدالنبي الهتش وقد كان عميدا لبلدية اجدابيا وكان لديه إثنا عشر فردا من الحرس البلدي قد قال متندرا وبلهجة تهكمية  " لو كنت أعرف لفعلتها بما لدي من حرس بلدي ".

وعند استقرار الانقلاب نصب الملازم أول معمر محمد بومنيار القذافي رئيسا لمجلس الثورة ورقي نفسه إلى رتبة عقيد وكان هدفه أول الأمر إلغاء القبلية حتى بات اسم الشخص يكتب في بطاقته رباعيا بدون ذكر القبيلة وكان لا بد من ملئ الفراغ فدعى إلى قيام الاتحاد الاشتراكي أسوة بما حدث في العهد الناصري بمصر فولد ذلك الاتحاد ميتا ولاحظ عزوف الناس عنه وارتكب نفس غلطة العهد الملكي بل وزاد عليها متهما الحزبيون من أمثال القوميون العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي بالخيانة فرفع شعار " من تحزب خان " .

نسي معمر القذافي أن المجتمع في أوائل عهد الاستقلال غير المجتمع في منتصف السبعينيات فنسبة التعليم والثقافة قد زادت زيادة كبيرة ملحوظة بفضل انتشار المدارس والصحف الاعلامية والجرائد اليومية والاذاعات المحلية والعالمية كما تعددت وسائل المواصلات التي كانت مقصورة على الخيل والجمال – فيما عدا بعض كبريات المدن -  ونتج عن ذلك نزوح ابناء الريف إلى المدن طلبا للعمل والرزق والعيش الكريم مما ترتب عليه نسيج جديد من مجتمع واع ومدرك لما يدور حوله وفقدت القبيلة ما كانت عليه من قوة في فترة الجهاد الأولى وأصبحت عبارة عن رابطة اجتماعية لا أكثر ولا أقل تحتكم إلى قانون عرفي في حل المشاكل التي تنشأ بينها ولم يكن لها دور سياسي يذكر إلا بقدر ما تريده الحكومة لها .

رأى القذافي في وجود القبيلة ما يمكن أن يكون له سندا ورادعا عند الضرورة ضد سكان المدينة وما يمثلونه من تيار معتدل مثقف لا تنطلي عليه الحيل والأفكار الخيالية الجوفاء وفي كثير من الأحيان السوداء واختار صمام أمان وقوة ردع ثانية أطلق اللجان الثورية لكي تساعده على تنفيذ أفكاره ومخططاته تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب وأفرغ الجيش من محتواه فجعله كتائب أمنية وميليشات لا تربط بينها أي رابطة وكل منها تعمل للأخرى ألف حساب .

وظن أنه وجد الحل فكل القبائل تحمي ملكه وكل اللجان الثورية تحمي  أفكاره وكل كتائب الجيش تحمي شخصه وثروته التي هي ثروة الشعب كافة ولكنه كان واهما فالقبائل قد تخلت عنه إلا ما ندر وتشتت ملكه واللجان الثورية قد تبخرت وشاهدت كتابه الأخضر الأخرق يحرق وعلمه الأخضر يمزق والكتائب الأمنية تعجز عن صد الثوار عن ثروتهم بل وتعجز حتى عن صدهم على شخصه .

ولكي يتنجب اللحاق بسابقيه فعلى العهد الجديد – عهد ما بعد القذافي – أن يأخذ في إعتباره الأمور التالية :

عدم الاعتماد على القبائل فيما هو ليس من شأنهم والنظر إليهم على أنهم يمثلون روابط اجتماعية تحضى بتقدير واحترام المجتمع ويجب مراعات شيوخها ومستشاريها وإشراكهم في كل ما يخص قبائلهم من الأمور المصيرية .

عدم تغليب أهل الثقة على أهل الكفاءة .

العمل في أسرع وقت ممكن على تأسيس الأحزاب المختلفة وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة تحت اشراف رقابة دولية والحزب الفائز يشكل الحكومة التي يراها مناسبة لتفيذ برنامجه الانتخابي الذي يعرضه على الشعب مسبقا خلال حملته الانتخابية .        

وأخيرا ليس هناك خير من قول أمير الشعراء أحمد شوقي :

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به   ...  رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

ياسين بوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home