Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Yasin Abousaif Yasin
الكاتب الليبي ياسين أبوسيف ياسين

الثلاثاء 6 ابريل 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

قصة/سيرة ذاتية

نجمة الصحراء (1)

ياسين ابوسيف ياسين

كانت ليلى نجمة الصحراء اسم على مسمى بكل ما يدل على هذه الكلمة من معاني القسوة مع اللين والوحدة مع الشمول والنشاط مع الخمول أحيانا والشموخ والعزة والجفاء. كانت فتاة يافعة فتية ببشرتها السمراء ترتسم على ملامحها قسوة الصحراء وتضاريسها كانت قاحلة يابسة العروق و كانت ذات شعر أسود حالك سواد الليل في ليلة غاب فيها القمر وعيون صارمة حادة حدت عيون الصقر حين يلمح فريسة من بعيد. وكانت ذات عود نحيل نحيف تنتقل كالفراشة بين الزهور في خفة كخفة الظباء التي تحوم حولها من بعيد بين الفينة والأخرى تجرجر رداءها الباهت من وهج الشمس المحرقة فيحدث حفيفا كحفيف ثعبان رمال الصحراء الناعمة .

كان جد ليلى سيدي محمد كما يطلقون عليه عجوزا يناهز الثمانين عاما من العمر شيخا في نجعه المكون من ثلاث خيام كبيرة وعددا من الخيام الصغيرة ( بيوت شعر) وعدد من العشش يقطنها الرعاة وغيرهم من فقراء الحال التابعين لذلك النجع. وكان الجميع ينتظر تعليمات الشيخ اليومية أولا بأول فيطبقونها بحذافيرها دونما سؤال أو جواب في تعاون تام ونسق رتيب يأمر فيطيعون وينهى فينتهون واثقين في حكمته وحسن إدراكه للأمور (شايب ينعى الهم) فكان يكلف مجموعة بإحضار الماء من البئر البعيد ليركبون حميرهم ويوردون الماء وعند العصر تنصرف النسوة لجمع الحطب اللازم لإشعال نار الموقد و (التنور) وعندما تحوش الغنم ويعود بها الرعاة قبيل المغرب تذهب (الزررات) لحلبها وإحضار الحليب في أوان أعدت لهذا الغرض استعدادا لتجهيز اللبن الرايب في اليوم التالي بمخاضه في (شكاوا) صنعت من جلد الماعز بعد ذبحه وسلخه ودباغته بنبات العرعار.

كان الشيخ يشرف على احتياجات نجعه من ماء وغذاء وكساء ويدبر كل شيء فيبعث كل عام أو عامين حسبما تقتضيه الظروف قافلة مكونة من عدد من الجمال يجهز لها رجالا ممن يقوون على السفر ثلاثة أشهر أو يزيد فيتوجهون إلى إحدى الواحات البعيدة تارة إلى الكفرة و تارة أخرى إلى جالو وأوجله واجخره فيمتارون التمر ويعبئونه في أشولة وغرائر و يقف الشيخ ورجال النجع في وداعهم ومن خلفهم النساء والأطفال داعين لهم بسفر ميمون وعود محمود.

وعند عودة القافلة سالمة تستقبلها النساء بالزغاريد والرجال بالبارود والأهازيج ويقيمون الأفراح والليالي الملاح ويكون الأطفال أكثر سعادة بما يجلبه الرحيل من هدايا من التمور مصنوعة على هيئة عقود طويلة تتوسطها بضع بصلات يلبسه الأطفال في أعناقهم فيأكلون منها في سعادة بالغة وسرور كبير.

والنجع في حركة دائمة لا يكاد يستقر على حال حتى يبدأ من جديد في حركة يومية دءوب ونشاط دائم فتارة يأمر الشيخ بذبح الذبائح ابتهاجا بمولود جديد أو حفل ختان الأطفال (الطهور) أو أقامة الأعراس أو استقبال ضيوف مهمين وحينها يشبع من في النجع من رجال ونساء وأطفال من اللحم الذي تندر رؤيته إلا في مثل هذه المناسبات السارة أو المناسبات غير السعيدة كالوفاة صدقة على روح الميت , وتارة أخرى يرسل الرواد متى حان وقت انتقال النجع إلى مكان آخر ودار أخرى نظيفة فعندما يطول المقام في دار واحده تتسخ البيئة من حولها ولذا يتوجب عليهم تركها إلى دار أخرى حتى يحول عليها الحول وقد يكون الانتقال طلبا للكلأ والمرعى فيدلونه عليه بعد بحث شاق وطويل للمكان المناسب الذي تتوفر فيه كل الشروط وقد يستغرق ذلك أياما من البحث والتقصي ثم تبدأ العدة للرحيل فتطوى الخيام وتحمل مع غيرها من المتاع على ظهور الجمال والحمير قاصدة الدار الجديدة.

وكانت ليلى في وسط الأحداث كلها تراقب وتعمل في صمت لا تكل ولا تمل تساعد في تنظيف البيوت وكنسها وتشارك في إعداد الطعام وترتيب البيت من الداخل والخارج وذات يوم من أيام الربيع الدافئة بينما هي منهمكة في العمل سمعت أزيز طائرات حربية فوق سماء النجع مباشرة فخرجت مسرعة في ذهول كما خرج من كان بالنجع من بيوتهم على أصوات انفجارات كالرعد في كبد السماء ورأوا بعض الطائرات تهوي مشتعلة وسط دخان كثيف. كانت تلك معركة جوية بين الطيران الألماني والانجليزي أثناء الحرب العالمية الثانية. خرج الرجال مسرعين في اتجاه مواقع الطائرات التي هوت يدفعهم الفضول للمعرفة وللمساعدة إن وجدوا لها مكانا والطمع في غنيمة مما قد تحمله تلك الطائرات من غذاء أو حلوى وبسكويت.

كانت ثلاث طائرات قد سقطت مبعثرة على مسافات بعيدة طائرتان منها تحمل شعار الصليب المعقوف بينما الطائرة الثالثة إنجليزية وقد نجا طيارها باستعماله المظلة فهبط سالما إلا من خدوش طفيفة وحروق بسيطة في سترته.

وما أن تأكد للرجال أن الضابط الطيار الانجليزي هو الناجي الوحيد في المعركة الجوية اقتادوه إلى شيخهم ليقرر في شأنه ما يراه مناسبا. وقف الشيخ أمام البيت مستقبلا الضيف النازل من السماء محاولا أن يهدأ من روعه فقد كان في حالة من الفزع من المجهول الذي ينتظره ثم أفسح له مكانا بجانبه على الفرشة العجمية التي كانت تتوسط البيت الفسيح مقدما له قدحا من اللبن وطبقا من التمر وما لبث الضيف حتى شعر بالاطمئنان والأمان وأنه ليس في يد الأعداء.

كان طفل في الخامسة من عمره يراقب الموقف في فضول شديد، هذا الضيف ليس كسائر الضيوف الذين يشاهدهم كل مرة لا في ملابسه الغريبة ولا في ملامحه البيضاء و شعره الأشقر الناعم ولا عينيه الزرقاوات وقد تنبه الضابط إلى حيرة هذا الطفل فمد يده إلى جيبه وأخرج قطعة من الحلوى ناوله إياها فتردد الطفل في أخذها إلى أن طلب منه الشيخ أن يفعل.

جلس الطيار بجانب الشيخ يتفحص البيت من الداخل مندهشا وشد انتباهه بندقية إنجليزية طويلة معلقة على الجابر في وسط البيت وكان يحيط به الرجال من كل جانب ويشكلون من حوله نصف دائرة وحاول أن يتكلم فلم يجد أحدا يفهمه عندئذ أخرج من جيبه خارطة وبسطها على الأرض أمام الشيخ وأخذ يشير بإصبعه إلى موقع بريطانيا من الخريطة ويشير إلى نفسه كأنما يريد أن يقول أنه إنجليزي وشرح على الخريطة أين هو الآن وأين القوات التي ينتمي إليها وأين قوات العدو الإيطالي التي تفصل بينهما وفهم الشيخ قصده فأنه يعلم أن الإيطاليين على بعد مسيرة يوم واحد وأن الانجليز خلفهم بمسيرة يوم آخر وطلب الأسير قهوة فأشار الشيخ إلى صندوق خشبي (سحارة) تحوي كل الأشياء الغريبة ومنها البن الذي لا يعرفه جل الحاضرين فقاموا بإعداد القهوة للضيف وشد ما كانت دهشتهم أنه أخذ يلطخ بها وجهه كي يبدوا أسود اللون وعرف الشيخ قصده.

أن القوات الإيطالية المجاورة لن تلبث حتى تأتي لموقع سقوط الطائرات بحثا عمن يكون حيا أو مجروحا وسيستكشفون النواجع المحيطة وسيعاقبون بالحبس أو الإعدام كل من ساعد أو آوى عدوا. أمر الشيخ بملابس بدوية عبارة عن ثوب وسروال وجرد وصماده للرأس يرتديها الأسير كما أمر بجمل يحمله مصحوبا بمرافقين اثنين وأوصاهم به خيرا حتى يجتازوا به الخطوط الإيطالية ويسلمونه للقوات البريطانية المرابطة خلفهم.

كانت ليلى تراقب ما يجري من خلف (الطقاق) وهو الحاجز الذي يقسم البيت إلى جزأين قسم للرجال وقسم للنساء وغالبا ما يكون قسم الرجال أوسع بمقدار الثلثين على الأقل وكانت في شدة الخوف والقلق مما يحدث فعواقبه قد تكون وخيمة على جدها وأهلها جميعا ولكن إكرام الضيف وحسن معاملته واجب مقدس تحتمه أخلاق البادية وعاداتها كما أن المثل يقول أن عدو عدوك صاحبك. فقامت بإعداد التنور وتجهيزه وما إن هي إلا لحظات حتى كان الخبز جاهزا ليأخذه معه الضيف زادا في رحلته مجهولة المصير.

عندما أشرف الطيار ومرافقيه على الخطوط الايطالية طلب الطيار من مرافقيه أن يأتوه بحبل فيحكموا به وثاق يديه حتى إذا اكتشف الطليان أمره يقول المرافقون أنهم جاءوا به أسيرا لتسليمه للقوات الإيطالية لكي ينجوا من العقاب والموت وكان ذلك ذكاء من الطيار وحسن تصرف منه حتى لا يقابل الإحسان بالإساءة لمن سهلوا له الهروب ليلحق بقواته.

لكن كل شيء سار على ما يرام ولم يكتشف الطليان أمرهم وبعد مسيرة يومين شاهدوا معسكر القوات البريطانية فودع المرافقان أسيرهم وقفلوا راجعين دون انتظار جزاء ولا شكور.

وللحكاية بقية.

ياسين أبوسيف ياسين
yasinabuseif@yahoo.com


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home